فجأة نهضت تلك القرية الوديعة على الفاجعة.. تنادى المكلومون إلى بيت الشيخ الوالد والمربي في بلدة "برينه" وطفقوا يبكون ويتألمون.
امتلأت المآقي أنهارا من الدموع، وتحلق الجميع حول ذلك الجسد الطاهر الذي صعدت روحه في رضى تام بقضاء الله وقدره... ارتسمت ابتسامة الوداع على محيا شيخنا ووالدنا ومعلمنا ومربينا الشيخ أحمدو ولد الطلبة سليل دوحتين، وهو يستقبل القبلة مودعا الدنيا وزخرفها وميمما شطر العلي الكريم بعد أن عاشها 74 حجة قضاها في خدمة الاسلام والمسلمين، فيما كانت مشاعر سكان القرية من حوله تعكس حرقة شوق ولوعة فراق وتبكي ثم لا تتوقف عن البكاء.
نعم إنه البوح بتلك الطريقة على رجل لا كالرجال.. أبكوا ـ قلت في نفسي ـ فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة، أبكوا فان لنا في الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أسوة وطريقا قويما.
ولقد مر "الأحنف" بامرأة تبكي مَيتاً ورجل ينهاها، فقال: دَعْها فإنها تَنْدُب عَهْداً قريباً وسَفراً بعيداً، و لما توُفَي إبراهيم بن محمد صلى الله عليه وسلم بكى عليه. فسُئِل عن ذلك، فقال: تدمع العينان ويحزن القلب ولا نَقُول ما يُسْخِط الرب"، نبكي نعم وحق البكاء..
فقد مَر النبي صلى الله عليه وسلم بنِسْوة من الأنصار يَبْكين مَيِّتاً، فزَجَرهنَّ عمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: دَعْهن يا عُمر، فإن النفسَ مُصابة، والعينَ دامِعة والعهدَ قريب. ولما بكت نساء أهل المدينة على قَتْلى أُحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لكنَّ حمزةَ لا باكيةَ له. فسَمِع ذلك أهلُ المدينة، فلم يَقُمْ لهم مأتم إلى اليوم إلا ابتدأ " النّساء " فيه بالبكاء على حمزة قال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا أن يُشَقّ على صَفيَّة ما دفنتهُ حتى يُحْشرً من حواصل الطير وبُطون السِّباع صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولما نُعي النًّعمان بن مُقَرَّن إلى عمر بن الخطاب وضع يدَه على رأسه وصاح يا أسفي على النعمان. ولما استُشهد زيد بن الخطاب باليمامة، وكا صَحبه رجلٌ من بني عَدِيّ بن كعب فرَجع إلى المدينة، فلما رآه عمرِ دَمَعَت عيناه، وقال: وخلَّفت زيداً ثاوياً وأتيتني وقال عمرُ بنُ الخطاب " رضي الله عنه " : ما هَبت الصَّبا إلا وجدتُ نَسيم زيد.
وكان إذا أصابته مصيبة قال: "قد فقدتُ زَيداً فصبرتُ"
إنها لعمري أحداث بأحداث.. وآلام بموازاة آلام.. وإن تغير الزمان والمكان، في فقداننا لرجل مثل الشيخ الخليفة أحمدو ألم ونحيب ووحشة، وفي إيماننا وصبرنا واقتدائنا بالمصطفى صلى الله عليه وسلم سلوى، وكذا في رحيل الصحابة الأجلاء من بعده والعلماء والصالحين وصبرهم استنئناس.
يقول ابوبكر بن عياش : نزلت بي مصيبة أوْجعتني، فذكرتُ قولَ ذي الرُّمة
لعل انحدار الدَّمع يُعْقِبُ راحةً ... من الوَجْد أو يَشْفي شَجِيّ البَلاَبِل
فَخَلوتُ فبكيتُ فسلوتُ. وقال الفرزدق في هذا المعنى:
ألم تَرَ أنّي يومَ جَوِّ سُوَيْقة ... بَكيتُ فنادَتني هُنَيْدَةُ ماليَا
فقُلتُ لها إنَّ البُكاء لراحةٌ ... به يَشْتَفي من ظَنً أن لا تلاقيَا
قعيدَ كما الله الذي أنتما له ... ألم تَسْمعا بالبِيضَتين المُنَاديا
حَبِيبٌ دعا والرمل بَيني وبينه ... فأسمعنى سَقْياً لذلك داعِياً
يقال: قعيدك اللّه، وقِعْدَك اللهّ، معناه: سألتك اللّه
فاستَغفر لنا. فما بَقِيت عينٌ إلا سالَتْ. وقد وقفت فاطمةُ بنت رسول الله عليهما السلام على قبر أبيها صلى الله عليه وسلم، فقالت:
إنا فَقَدْناك فَقْد الأرض وابلها ... وغابَ مُذْ غِبْت عنِّا الوَحْيُ والكُتُبُ
فليتَ قَبْلَكَ كان الموتُ صادَفَنا ... لما نُعِيتَ وحالتْ دونك الكُتُبُ
وقد أقبلَتْ فاطمةُ فقالت: يا أنس، كيف طابَتْ أنفسكم أن تَحْثُوا على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الترابَ، ثم بَكت ونادت: يا أبتاه!
أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه! مِن ربِّه ما أدناه، يا أبتاه! مَن ربُّه ناداه، يا أبتاه! إلى جبربل نَنْعاه، يا أبتاه! جَنَّة الفرْدَوْس مأواه. قال: ثم سَكَتتْ، فما زادت شيئاً.
ولما دُفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقْبل عبدُ الله بن مَسعود وقد فاتَتْه الصلاةُ عليه، فوَقَفَ على قَبره يبكي ويَطْرح رِداءه، ثم قال: واللّه لئن فاتَتْني الصلاةُ عليك لا فاتَني حُسْنُ الثّناء، أما واللهّ لقد كنتَ سَخيا بالحقّ، بخيلاً بالباطل، تَرضى حين الرِّضا، وتَسْخَط حين السُّخْط، ما كنتَ عَياباً ولا مَدِّاحاً، فجزاك الله عن الإسلام خَيْراً. ووقف عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه على قَبْر خَبّاب، فقال: رَحم اللهّ خَبِّابا، لقد أسْلم رَاغِباً، وجاهد طائعاً، وعاش زاهداً، وآبتُلي في جسمه فَصَبر، ولن يُضيِّعَ اللهّ أجرَ من أحسن عملاً.
رحمك الله ياسليل حفيد شيخ الطريقة وحسانها رحمة واسعة وأدخلك جنة الفردوس ..
سيذكرك الكثيرون في موريتانيا وخارجها، سيذكرك المعسرون حين كنت تمد لهم يد المساعدة اليمنى دون أن تشعر بها اليسرى، وهم في أحلك الظروف، سيذكرك المتسائلون المندهشون الحيارى في مختلف مكامن الوجود حيث كنت تقدم لهم الجواب الشافي وتنيرهم بحكمة وروية وتبصر إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة، إنك يا والدي ومعلمي تركت فراغا فينا برحيلك عنا على حين غرة وإن عزائنا في خلفائك من أحفاد الشيخ محمد الحافظ رضي الله عنه.
ومضات في مسيرة الخليفة الشيخ احمدو ولد الطلبة
كثيرة هي المواقف في حياة الخليفة أحمدو التى كانت غائبة عن البعض، فقد كان ذكيا حاد البصيرة عصاميا في تحصيله العلمي، ديمقراطيا تشاوريا في كل مواقفه محبا الخير للناس ومحبا الناس للخير، استطاع الفقيد أن يرسم خطا بيانيا لعلاقة اجتماعية انسانية سياسية في المحيط الجغرافي الذي شب وترعرع فيه.
كان أحمدو لد الطلبة أحد العناصر التى يعتمد عليها اول رئيس لموريتانيا المرحوم المختار ولد داداه بحسب شهادات عدد من الرجال الذين التقيتهم ومن بينهم الاستاذ محمد المصطفى ولد أحمدو المختار وهو احد اصدقاء المقربين منه ،والاستاذ احمدو ولد السالك بمثابة اخ له وهو ابن عمه وصهره وصديقه ايضا، وكذلك الأستاذ أحمد سالم ولد احمد وهو أحد أبناء الجيل الذين شهدوا مرحلة هامة من حياة الفقيد.
تولى الخليفة الراحل عملية الترجمة الفورية لجلسات الحكومة وحزب الشعب الموريتاني الذي أدار الأمور في البلاد منذ الاستقلال وحتى أول انقلاب عسكري على الحكومة المدنية، وقد كان الراحل المختار ولد داداه يرى فيه الشاب الحاذق المثقف الذي يتمتع بأسلوب مقنع وكاريزما قوية لذا كان يعتمد عليه في الكثير، من الأمور وربما لا يعلم الكثيرون ان للشيخ احمدو رحمه الله دور بارز في اخماد نار كادت تشب بسبب خلاف سياسي بين تونس وليبيا حيث أوفده المختار ولد داداه للوساطة التى نجحت في إذابة الجليد بين الحكومتين أنذاك كما رافقه في رحلة وساطة مماثلة إلى رئيس زائير موبوتو سيسيكو ابان ازمة سياسية أوشكت ان تثير حربا في وسط القارة وجنوبها ، ويعود الفضل للراحل في افتتاح أول سفارة للجمهورية الاسلامية الموريتانية في العراق حيث كان اول سفير لبلاده في بغداد مطلع السبعينيات.
واضافة لذلك كان سفيرا في المملكة العربية السعودية ووزيرا للثقافة ثم خبيرا في المنظمة العربية للثقافة والعلوم بتونس، ويقول عنه أحد معاصريه انه لما تبين أن المنظمة العربية تمر بظروف مالية صعبة، وبأنها ترغب في تقليص موظفيها بادر هو شخصيا بالتنازل عن منصبه للتعبير أن رغبته في أن لا تتعرض المنظمة لأي عرقلة قد تؤدي إلى اختلال في عملها.
وكان الشيخ أحمدو ولد الطلبة أحد الذين وضعوا نظرية المحاصصة السياسية في ولاية اترارزة ومقطعة اركيز بالخصوص حيث كان اول نائب في البرلمان الموريتاني لمقاطعة اركيز، وقد سعى الى تكريس تداولية في الرأي تقوم على إشراك الجميع والاستماع إليهم، وهو النهج الذي سارت عليه سياسة المنطقة منذ ذلك التاريخ إذ يتم الاستفادة من خدمات الجميع دون إقصاء و لاتمييز.
وإنني متأكد أننا لو أسلنا أنهارا من الحبر فلن يكون بوسعنا الإحاطة بتجربة ذلك الطود الذي ترفع عن الخسائس، وتعبد في محراب الخشوع، وتصدق، وأحسن، وأقام الليل، وأقرى الضيف.
لله ما أخذ وله ما أعطى..رحمك الله، وأدخلك فسيح جنانه وألهمنا وألهم العائلة الكريمة وموريتانيا والأمة الاسلامية الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.
| < السابق | التالي > |
|---|





