بقلم : د. محمد الحنفي ولد دهاه
عندما أتيت طالبا موفدا إلى الجامعة الإسلامية في المدنية المنورة سنة 1980 وجدت الفقيد احمدو بن الطلبه قد غادر مكان عمله كسفير لموريتانيا في المملكة العربية السعودية ليتولى نفس الوظيفة في عاصمة الجمهورية العراقية بغداد.
وبالرغم من أنني لم أكن أعرفه شخصيا وإن كانت مقابلاته أيام شغله منصب وزير الثقافة ظلت تنطبع في ذاكرتي وتستهويني وأنا استمع إليها عبر الأثير.
في المملكة العربية السعودية أيام كان سفيرا لم التق به مع الأسف، ولكن كلما دخلت بيتا قابلني ذكره الحسن وسمعت الناس تتحدث عنه في كرم أخلاقه وحسن سيرته وحصافة أفكاره وطرافة نوادره.
وكان من حسن طالعي أن التقيت به في سنة 1983م عند ما حل ضيفا على ابن عمه الشيخ الكريم بن الأكارم الشيخ سيدي احمد بن الطلبه. فقد كنت أتيت كالمعتاد لأحضر مع هذا الشيخ وظيفة اليوم فإذا بالرجل الوسيم الحسن السمت الذي تبدو عليه علامات الفضل وترتسم على وجهه مكنونات الأريحية من التواضع والخلق الحميد، وعندئذ بدأ الشيخ سيد احمد بالتعريف بي ولما أنهاه سكت دون أن يعرفني بالضيف الجديد , من هنا بدأ أحمدو الذي لم أتعرف عليه بعد يسألني عن برنامج الدراسة ومفردات كل مادة على حدة والمراجع التي نعتمد ويذكر لي مراجع ويسألني هل اعتمدناها في الدرس أم لا؟ وكنت أجيبه وأتعجب في داخلي من إصابته في كل أسئلته لما هو بالفعل مبرمج عندنا وما نعتمده من مصادر ومراجع وكأنه قد اطلع عليها بدقة وتفصيل.
من ذلك الوقت ازداد إعجابي وانبهاري بهذا الرجل، ففضلا عما رأيته فيه عند دخولي عليه من حميد خلق وجميل خلق، أثار انتباهي هذا العلم الجم الذي يفوه به، وهذه الملاحظات الحصيفة التي يقدم. وبعد انتهاء لقائنا وإتمام الوظيفة سألت عنه أحد الحاضرين فقال لي هذا هو أحمدو بن الطلبه ، وعند ذلك عرفت أنني أمام شخص من نمط متميز.
ففضلا عما قدمته عنه فهو سليل الشيخ محمد الحافظ وابن لجميع خلفائه من ذريته وسليل بدي بن سيدينا ووزير الثقافة البارع والسفير الحسن التمثيل في عدة بلدان.
وفي سنة 1986/ أرسلني الوالد الشيخ محمد المختار بن دهاه لأبحث له عنه على جناح السرعة. فذهبت لطلبه فوجدته في غرفة في فندق شنقيط وقد علق دراعته على الباب وهو يتهجد بالقرآن، فلما سلم سلمت عليه وأخبرته أن الوالد قدم انواكشوط وأنه يرغب في لقائه أقرب ما يكون، واقترحت عليه أن يعطيني موعدا غدا نذهب إليه سواء .
فقال لي : لا، سنذهب إليه الآن. وكان الليل قد انتصف، فجئنا إلى الوالد دهاه فقال له إنني قد رأيتك لا بسا در اعتين احداهما خضراء والأخرى بيضاء ومن الآن فصاعدا فإنني أسميك" الشيخ لمغربي" أي المضاعف لدراعتين.
ولما توفي والده الخليفة العام للسند الحافظي لمرابط بن الطلبة حل أحمدو مكانه كما حل مكان خاله سيدي محمد بن آب الذي توفي بعد ذلك بسنوات، وبهذا يكون جمع بين خلافتين ، خلافة الشيخ محمد الحافظ وخلافة سيدي محمد بن آب فصدقت رؤيا الوالد الشيخ محمد المختار بن دهاه.
ولما اجتمع الوالد بعد ذلك بالخليفة احمدو بن الطلبه فسر له رؤياه بجمعه بين الخلافتين.
ولا شك أن علاقة الفقيد احمدو بن الطلبة بالوالد دهاه أوسع من أن نحيط بها ذكرا في كتاب أحرى في مقال قصير, ولذا سنسكت عنها هنا آملين أن نجد من العمر فسحة لكي نخصص لها مكانا تكون فيه مسطورة بشكل أكثر تفصيلا وأبلغ إيضاحا.
ونرجو من الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بالرحمة وأن يبارك في الأبناء والحمد لله فهم لا شك خير خلف لخير سلف
ولن ينبت الخطي إلا وشيجه
كما أن خليفته احمد محمود نعم الخليفة المستأمن فهو امتداد له ونسخة طبق الأصل منه ومن آبائه فنرجو له التوفيق والسداد ونبايعه على النهج الحافظي الذي كان عليه أسلافه. ونعزيه في هذا الفقيد كما نعزي فيه صنوه الدكتور محمد عبد الرحمن بن الطلبه وكل أفراد أسرة الشيخ محمد الحافظ وجميع المسلمين.
وفي هذا السياق أيضا لا أنسى الأديب الأريب محمدي بن دهاه الذي فقدناه هذه الأيام، فقد كان رحمه الله عابدا زاهدا مشتغلا بما يعنيه، لم ينقطع حضوره لصلاة الجماعة بالمسجد الجامع إلا قبل وفاته بقليل رغم ضعفه وتقدمه في السن.
وقد كان أيضا رفيقا ونديما لسيدي محمد بن آب ومستشارا له في الأمور العامة. وهو آخر من كان حيا من أبناء العلامة المحدث احمدو بن دهاه الذكور نسأل الله له الرحمة والغفران وأن يبارك فيما خلف من عيال فنعزي فيه أنفسنا وكافة أسرة أهل دهاه وجميع المسلمين.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أعزي نفسي وكل أفراد أسرة الشيخ محمد المختار بن دهاه وجميع المحبين للخير في الفقيدة التقية النقية العابدة الناسكة الصوامة القوامة الوالدة خدي سي التي فازت بقول الرسول صلى الله عليه وسلم «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
والله أسأل أن يصب شآبيب رحمته ورضاه على قبر ضم جسدها الطاهر وأن يبارك فيما خلفت من أبناء وأحفاد وأن يجعل الجميع عند المنى أو فوق ذلك.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.





