بقلم جمال ولد محمد عمر
أجد من الصعوبة بمكان تقديم عمل بهذه الأهمية لشخص بحجم سعادة السفير التونسي بنواكشوط وذلك نظرا للقيمة الكبيرة التي حظي بها هذا العمل من قبل من اطلع عليه -منذ صدور طبعته الأولى- سواء من الباحثين والكتاب المهتمين بمجال التاريخ وخاصة العلاقات الثقافية والتاريخية بين بلدين شقيقين كتونس وموريتانيا،أو الدبلوماسيين من البلدين.
من جهة أخرى تعتبر عوامل كثيرة كفارق السن والتجربة من بين المعوقات التي من شانها أن تجعلني أحجم عن المغامرة بالكتابة عن عمل لكاتب ومثقف ودبلوماسي بحجم السفير التونسي بنواكشوط الأستاذ عبد الرحمن بالحاج علي،إذ أن مجايليه وأنداده من الباحثين و الدبلوماسيين والمثقفين الكبار أولى بهذه المسالة ،لكنه إذا كان لكل قاعدة استثناء كما يقال،فإن سعادة السفير التونسي يدخل في إطار تلك الاستثناءات وذلك يعود لكونه ينتمي إلى فئة قليلة من الأشخاص الذين يدفعونك دفعا إلى كسر الحواجز بينك وبينه ،نظرا لبساطته ،وانفتاحه وأريحيته وسعة اطلاعه خاصة في مجال التاريخ والتراث الموريتانيين ،فضلا عن معرفته الواسعة بطبيعة المجتمع الموريتاني وتركيبته الاثنية ،وهي كلها أمور محفزة لمن يمتهن الثقافة والبحث ،إلى الاقتراب منه والتعاطي معه قصد الاغتراف من معين معارفه المتعددة.
السفير التونسي ليس إنسانا عاديا ولا دبلوماسيا محترفا فقط،بل انه مثقف موسوعي يعرف كيف يوصل الفكرة ويشد الانتباه إلى حديثه المتعدد الأبعاد و الدلالات ،الحامل للكثير من المعاني.
ولعل الكتاب الذي بين أيدينا خير مثال على ما سقناه من صفات لهذا الرجل الذي جمع بين أصالة العربي المتمثل لثقافته وتاريخه ومعاصرة الرجل الدبلوماسي الحديث الذي عرف كيف يأخذ من كل حديث بطرف كما يقول القدماء.
كما يتبادر إلى ذهن كل من يطالع عنوان هذا الكتاب صعوبة موضوعه بما يقتضيه من بحث واستقصاء معمقين في هذا الموضوع الذي لا بكرا إلى حد ما وقد أشار المؤلف نفسه إلى ذلك في أكثر من مجال،بسبب شح المصادر التي توثق للعلاقات التاريخية بين هذين البلدين وخصوصية الظروف التاريخية التي واكبت ميلادهما الحديث.
يحمل الكتاب الذي بين أيدينا عنوان"في علامات التواصل بين موريتانيا وتونس"تأليف الأستاذ عبد الرحمن بالحاج على سفير الجمهورية التونسية بنواكشوط والنسخة التي سنقوم بقراءة فيها تعد طبعة ثانية للكتاب بعد أن لاقى صدى لا باس به في كل من النخبة الدبلوماسية والمثقفة في كلا البلدين وكذلك المهتمين بالتاريخ للعلاقات بينهما،وقد خرج الكتاب في شكل أنيق ،تصل صفحاته إلى 204 من الحجم المتوسط ،ولضرورة منهجية ارتأينا توزيعه إلى أربعة فصول متباينة في الحجم يحمل الأول عنوان الكتاب وهو"في علامات التواصل بين موريتانيا وتونس"ويحمل الفصل الثاني عنوان"تونس في الرحلة الحجازية للفقيه الحافظ محمد يحي بن محمد المختار الولاتي،أما الفصل الثالث فقد حمل عنوان"ممالك الصحراء(موريتانيا)في كتاب صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار للمؤرخ التونسي محمد بيرم الخامس في حين حمل الفصل الأخير عنوان قصائد شنقيطية وسنعرض لمحتوى كل فصل على حدة.
فضلا عن مقدمة الكتاب التي جاءت تمهيدا للموضوع وهو علاقات التواصل بين تونس وموريتانيا،إذ يعرض فيها المؤلف للعلاقات الوشيجة بين شعبي البلدين وذلك من خلال إعطاء نموذج بالشعور الذي ينتاب أي تونسي تطأ قدمه ارض موريتانيا حيث"ينشرح صدره ....نظرا لما يلقاه من حسن قبول وكرم وترحاب "كما ينشرح قلب الموريتاني لما يحل ببلاد تونس لما يجده من محبة وتبجيل وتقدير"والغريب في الأمر إن كلا المواطنين لا يعرفان السبب في الانشراح المتبادل بينهما ،فكما لو أنه الشعور التلقائي والطبيعي بين الإخوة الأشقاء وهو ما لا يحتاج إلى مبرر،وإن كان من مبرر لتلك العلاقة حسب الموريتانيين فإنها ترجع إلى موقف تونس المشرف من استقلال موريتانيا لكونها أول دولة عربية شجعت ذلك الاستقلال واعترفت بالبلد العربي الوليد،هذا إضافة إلى علاقات التواصل العلمي ممثلا في الدراسة سواء في الجامعات التونسية أو المحاضر الموريتانية
ويضيف سعادة السفير في معرض حديثه عن عمق العلاقات قائلا"ولكنك إذا جلست إلى المدرسين بجامعة نواكشوط والمثقفين والأدباء والشعراء فانك تكشف شيئا فشيئا عمق الروابط التاريخية والحضارية بين البلدين في أكثر من مجال رغم الغموض الذي لا يزال يكتنف اغلبها..."
وتحت عنوان العصور القديمة يستعرض المؤلف تلك العلاقة التي لم يتطرق لها الكثير من المؤرخين وهي المتعلقة بالرحلة التي قام بها (حانون)القرطاجي سنة 470 قبل الميلاد والتي اكتشف أثنائها الشواطئ الإفريقية بما فيها الشواطئ الموريتانية وذلك قبل الرحالة الأوربيون بكثير ولعل القطعة النقدية التي عثر عليها في منطقة حظيرة آرغين و التي تعود إلى العهد القرطاجي تبرهن على أنه كانت هناك علاقات قائمة بين البلدين.
ويتطرق الكاتب في نفس السياق إلى الدور الذي لعبته مدينة القيروان في فترة إشعاعها الحضاري وانعكاس ذلك على الصقع الموريتاني،ويتطرق إلى الدراسات التاريخية التي أنجزها باحثون موريتانيون في نفس الموضوع من بينهم دراسة الناني ولد الحسين الأستاذ بجامعة نواكشوط والتي عنونها ب"الخلفية الثقافية للتواصل الثقافي بين المشرق والمغرب العربيين:العلاقات السياسية بين الدولة المرابطية والعباسية،هذا دون أن ينسى التركيز على العلاقات التجارية بين ما كان يعرف بافريقية المسلمة أي تونس وبلاد الملثمين وهي موريتانيا حاليا وبالتحديد العلاقات التي ربطت بين القيروان ومدينة اودغست الصنهاجية ،لكون تلك العلاقات كانت "إطارا لنقل المؤثرات الثقافية بين المنطقتين"
لكن الدور الأهم في ربط هذه العلاقات في الحقبة الوسيطة من التاريخ سنرى بان الدور المحوري فيها سيلعبه انتشار "الرسالة الفقهية"لعبد الله بن أبي زيد القيرواني"في الصحراء الموريتانية باعتبارها السبب الأول لانتشار المذهب الفقهي المالكي في المنطقة ومن الأسباب التي ساهمت إلى انتشارها بين الفقهاء وطلبة العلم في الصحراء"خفة مئونتها واشتمالها على كل أبواب الشريعة مع الاقتصار في كل باب على ما يلزم المكلف فعله ولا يسعه جهله"ويورد المؤلف مستشهدا بكلام الباحث محمد بن احمد بن المحبوب قائلا"إن مؤلفات ابن أبي زيد القيرواني وصلت إلى بلاد شنقيط في وقت مبكر وخاصة رسالته المعروفة بباكورة المذهب حتى بات الناس يرددون بشأنها القول"ألي أكتب رسالة ما تغلب مسالة"
وتحت عنوان زيارة الأمير الصنهاجي يحي بن إبراهيم الكدالي إلى القيروان ونشأة المرابطين يقول المؤلف:يمكن...اعتبار ...يحي بن إبراهيم الكدالي أول شخصية ذات أهمية قصوى من بلاد الملثمين آنذاك تزور القيروان سنة 427 للهجرة ...وبعد أن حج البيت الحرام وزار قبر النبي (ص)مر في طريق أوبته إلى بلاد القيروان وحضر بها مجلس الفقيه أبي عمران الفاسي "ويستعرض المؤلف بقية القصة التي ستنتهي بإيفاد عبد الله بن ياسين رفقته إلى بلاد صنهاجة،ومن خلال الاستنتاج يخرج المؤلف بان تلك الزيارة ستكون بالحتم قادته إلى الاطلاع على مختلف الأوضاع السياسية والثقافية في القيروان آنذاك لكونها كانت في تلك الفترة عاصمة الفكر الإسلامي والإبداع الفني والأدبي....ثم يختم هذا الموضوع بقوله"واعتمادا على هذه الرحلة وما أفرزته من حركة دينية عميقة نشرت الدين الإسلامي الحنيف في ربوع الصحراء وكانت منطلقا لنشأة حركة المرابطين أعتبر الأستاذ سيد احمد ولد أحمد سالم تونس أم المحاضر الموريتانية وقد ظلت بعد ذلك مركزا مؤثرا في التاريخ الثقافي الموريتاني.
لكن تلك الرحلة وان كانت لعبا دورا محوريا في التواصل فان الطرق الصوفية لها أهميتها المييزة أيضا وخاصة الطريقة الشاذلية والطريقة الغظفية ،فالطرق الصوفية تلعب حلقة الوصل بين شعوب المغرب الكبير بل إن إشعاعها امتد ليصل إلى مصر كما يقول المؤلف،ثم يستطرد قائلا إن الطريقة الشاذلية وصلت إلى بلاد شنقيط عن طريق مريدي شيخ الطريقة على بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي ويذكر بعد ذلك المشايخ والعلماء الذين نشروها في الصحراء الموريتانية كالشيخ الركابي وسيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم ،ومن الطريقة الشاذلية انبثقت الطريقة الغظفية التي مزجت معها الطريقة القادرية ،إلا أنها هذه الأخيرة تتميز بأنها شنقيطية المنشأ وهو ما مكنها من التأثير القوي في نفوس الموريتانيين خاصة في محاربة الاستعمار الفرنسي،إذ ينتسب إليها سيدي ولد مولاي الزين الذي قتل القائد الفرنسي كبلاني،ومؤسس هذه الطريقة هو الشيخ محمد الاغظف.
وفي إطار إبراز الصلة القوية بين الشعبين عمد المؤلف إلى البحث في أسماء القبائل وألقاب العائلات المنتشرة في الشعبين ومن بينها على سبيل المثال قبيلة العروسيين التي استوطنت شمال البلاد والجنوب المغربي ويقول على لسان نور الدين بالحداد الأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية بالرباط ما نصه"ينحدر أبناء قبيلة العروسيين من جدهم سيد احمد لعروسي الذي هاجر....من الصحراء التونسية إلى المغرب بسبب الغزو المسيحي لسواحل إفريقيا الشمالية....واتجه نحو الجنوب فنزل بهضبة قرب مدينة اسمارة تسمى اليوم "أطبيلة"..."ثم يذكر المؤلف العديد من الشواهد التي تدل على نسبة قبلية العروسيين إلى جدهم التونسي ففي هذا الإطار يقول أحمد ولد حبيب الله في مداخلة له في نفس الموضوع"أنباتنا المصادر الموريتانية المروية والمكتوبة أن قبيلة العروسيين كان جدها الأكبر من تونس الخضراء ثم هاجر جدها سيد احمد العروس من تونس إلى مكناس ثم إلى مراكش الحمراء ثم إلى الساقية الحمراء التي توفى فيها قرب السمارة"
أما أحد ابرز العناوين في الفصل الأول من الكتاب فقد تناولت زيارة الفقيهين الطالب احمد ولد اطوير الجنة ومحمد يحي بن محمد المختار الولاتي إلى تونس لما لهذه الرحلة من أهمية في التأكيد على تلك الصلات بين تونس موريتانيا ،بل أنها تشكل منعرجا في تلك العلاقة نظرا لطابعها التوثيقي وهو ما يؤكده مؤلف الكتاب بقوله"لا جدال في أن رحلة الحج التي قام بها الفقيه الموريتاني الطال احمد ولد اطوير الجنة في أواخر الثلث الأول من القرن التاسع عشر تعتبر إحدى حلقات الوصل الثقافي بين بلاد شنقيط وبين البلدان العربية التي زارها في طريقه وخاصة بلاد تونس،كما تمثل هذه الرحلة باكورة التأليف الشنقيطي المرتحل المدون ،فقد سعى صاحبها إلى تسطير مشاهداته،لم يمر بحاضرة من حواضر العلم إلا استفاد من علمائها مسجلا ملاحظاته بأسلوب أدبي واضح مبين.
ويعدد المناطق التي مر بها الفقيه والتقى مع مشايخها وفقهائها بدءا بجزيرة جربة مرورا بصفاقص وسوسة والمونستير والقيروان.
أما محمد يحي الولاتي فقد جاءت زيارته لتونس في طريقة عائدا من الحج وبالتحديد في شهر ديسمبر سنة 1897مفدون رحلته تلك في كتابه"الرحلة الحجازية" وقد أعجب به سكان تونس أيما إعجاب فانزلوه منزلة العلماء والعارفين كما أعجب هو نفسه بعلمائها وناسها ،وفي كتابه المذكور يذكر مسار الرحلة التي قادته إلى تونس التي يصفها بأنها كانت عامرة بالإسلام ويذكر بالخير مشايخها الذين استقبلوه بالترحاب وكرم الضيافة ويعدد الكتب والمبالغ النقدية التي قدمت له من طرفهم حيث يقول"وممن أكرمنا من فضلاء تونس وكرمائها سيدي محمد كائج وأخوه الفقيه سيدي صالح ،فأما سيدي صالح فأكرمنا بخمس لويزات ذهب من سكة فرانس وأما سيدي محمد كائج فأهدى إلينا نسخة من شرح القسطلاني بعشرة أجزاء بالمطبعة الميرية وبهامشها النووي على مسلم وعشر نسخ من شرح ميارة الكبير...."ويعلق المؤلف على هذه الرحلة بالقول"يدل هذا التفاعل والانسجام الكامل بين الشيخ الولاتي ومثقفي العاصمة التونسية على عمق الروابط الثقافية والحضارية التي تجمع بين الشعب التونسي وأشقائه من متساكني الربوع الموريتانية وما ذلك بغريب والشعبان تجمعهما نفس الأصالة ونفس الثقافة العربية الإسلامية المتشبعة بما وصل إليه علماء القيروان وجامع الزيتونة من فقه واجتهاد.
وفي سياق آخر يورد المؤلف وجها مختلفا من أوجه التلاقي بين الشعبين وهو ما يتعلق بالتشابه في أسماء العائلات والمواقع والمواضع في كل من البلدين ،فعائلة التونسي مثلا الموجودة في ولاية اترارزة ومنطقة ادرار تدل على ذلك فضلا عن تعدد الأسماء الموجودة في تونس كبورقيبة وسحنون والمازي ويبرر المؤلف هذا التشابه في الأسماء بقوله"لاشك إن رحلات الحج والروابط بين البلدين التي لم يقع البحث فيها بصفة علمية هي وراء هذه التسميات وغيرها،كما إن القبائل العربية التي قدمت إلى بلاد القيروان بعضها واصل طريقه إلى بلاد الملثمين..."
أما النقطة البارزة في هذا المجال فهي ذكر المؤلف لتدريس بعض المؤلفات الموريتانية في الجوامع التونسية مستشهدا بنظم "بوطليحية"للفقيه محمد النابغة بن عمر الغلاوي وهو أرجوزة من ثلاثمائة وأربعة عشر بيتا في المعتمد من الكتب والفتوى على مذهب المالكية،حاول مؤلف ان يلقى من خلاله نظرة عامة على الفتوى في المذهب المالكي،وهذا المؤلف كما يقول المؤلف على لسان الباحث الموريتاني يحي بن البراء كان يدرس ردحا من الزمن في جامع الزيتونة بتونس.
ولم يقتصر الاهتمام بالمؤلفات الموريتانية من قبل النخبة العالمة في تونس على هذا الحد بل إنهم شجعوا الحركة العلمية والثقافية في هذه البلاد ويذكر المؤلف كمثال على ذلك منح المملكة التونسية وسام الافتخار لمحظرة يحظيه بن عبد الودود في 23 ابريل سنة 1938وذلك في عهد أحمد بن على بن حسين محمود باي(1862-1942)
أما المؤلفات الموريتانية التي تمت طباعتها في تونس فهي عديدة ومختلفة ،لكون تونس كانت من أول البلدان التي ساهمت في نشر وتحقيق التراث الموريتاني ابان تأسيس الدولة الموريتانية المعاصرة،ولعل من أول الكتب الموريتانية المعاصرة التي طبعت على نفقة الحكومة التونسية بداية الستينات كتاب السفير السابق بكار ولد أحمدو ثم توالت بعد ذلك الكتب التي طبعت بتونس ونذكر منها على سبيل المثال:كتاب حول القانون الدستوري لمريم منت داداه ،رواية الأسماء المتغيرة والقبر المجهول لاحمدو ولد عبد القادر ،مدخل إلى أصول الفقه المالكي للدكتور محمد المختار ولد أباه...
ويختم المؤلف هذا الفصل بعنوان "كل الطرق تؤدي إلى تونس والى نواكشوط"يتناول تحته مقالا للأستاذ محمدن ولد اشدوا بعنوان كل طرقي تؤدي إلى تونس يتحدث فيه عن تجربة أول زيارة للبلاد التونسية في إطار أول بعثة دراسية من الطلبة الموريتانيين إلى تونس
يختم المؤلف هذا الفصل بما جاء في تصريح للرئيس التونسي زين العابدين بن على للوكالة الموريتانية للأنباء سنة 1993 إذ يقول"تتميز العلاقات التونسية الموريتانية بطابعها الحميم المتواصل،وهي علاقات أخوة وتعاون راسخة ومتينة نسجت سداها ثوابت التاريخ والجغرافية ورسختها التطلعات المشتركة نحو مزيد التقدم والمناعة والازدهار،فعلى الصعيد السياسي يشكل التشاور الدوري وتنسيق المواقف وتبادل الزيارات بين كبار المسئولين في البلدين سمة رئيسية في علاقاتنا"
ويستهل المؤلف الفصل الثاني بإبداء إعجابه بالمدن التاريخية الموريتانية كولاته وتشيت وودان وشنقيط وغيرها،ولاغرو في ذلك من شخص قادم من بلاد تحتضن مخزونا تاريخيا وتراثيا كبيرا كتونس،وهي البلد الذي كان منطلقا لإشعاع ثقافي انتشر في بقية ربوع المغرب العربي الكبير وإفريقيا،البلد الذي توجد به مدن كقرطاج والقيروان والمهدية....
ولذا من الطبيعي يقول المؤلف أن يشد انتباه التونسي القادم من تلك المدن هذه المعالم الحضارية التي تذكره بوطنه وأهله،مما يعني أن علاقات التلاقي الثقافي راسخة منذ القدم وهي تتعزز اليوم"ما أكثر العلامات فوق طبيعة الأرض وطبيعة السكان التي تشد التونسي المقيم في هذا القطر الموريتاني الشقيق،فالعديد من القبائل تنتسب إلى أصول تونسية.."يقول المؤلف.
إلى أن يخلص المؤلف إلى جوهر هذا الفصل الذي خصص لتناول رحلة الفقيه محمد يحي الولاتي إلى تونس في طريقه إلى الحج وهي رحلة يقول المؤلف بأنه سمع بها أثناء جلساته مع الإخوة الموريتانيين فآثار ذلك فضوله وسعى جادا للبحث عنها إلى أن توصل بنسخة منها من أحد أحفاد صاحب الرحلة نفسه.
ويستعرض في هذا الفصل مسار الرحلة ذهابا وإيابا حيث يقول بأنها استغرقت ست سنوات وثلاثة أشهر بين الفترة الممتدة من 1884الى 1900م وهي تلقى الضوء على الحياة الثقافية في تونس آنذاك وتتعرض بقدر من التفصيل لأهم الشخصيات العلمية والسياسية والمدن التي زارها والكتب التي تحصل عليها كهدايا،وهي تعتبر شهادة تاريخية "لم تخل من دخول المجتمعات العربية في معترك الاحتكاك بالحضارة الأوربية الغازية آنذاك...وتبقى شهادة على عمق ملاحظة صاحبها الشيخ محمد يحي الولاتي وقدرته الفائقة على استعمال العقل والفقه في ما يعترضه من مسائل معاصرة..."يقول مؤلف الكتاب.
وفي الفصل الثالث من الكتاب يلقي المؤلف الضوء على نص نادر لمؤرخ تونسي عاش في القرن النصف الثاني من القرن التاسع عشر هو محمد بيرم الخامس تحت عنوان"صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار" ويتناول النص البلاد الموريتانية في جزء منه تحت عنوان ممالك الصحراء الغربية،ففي احد الفصول يعطي تعريفا جغرافيا للمنطقة التي يقول بأنها بين"مراكش وسانيغال على شاطئ المحيط الغربي،والشواطئ في البحر مملوءة صخرا والريح الغربية تخرج من البحر رمالا تحدث فيه جزرا متنقلة...وتسمى هاته الصحراء بالساحل ويوجد بها عدة جزائر بالنبات على خط واحد...وفيها عمالة تسمى تيرس في الشمال الغربي على الشاطئ تأتيها الحيوانات من المغرب وسانيغال والرعاة لرعي حيواناتهم زمن الربيع لكثرة الخصب وسكانها أولاد دليم وهم أقوياء شداد متسلحون ويخترقون الصحراء بالهجائن السريعة...كما أن في صحراء جزائر نباتية تسمى ادرار...وبها جبال كثيرة ...وتحتها يسمى وادان وسكانها بين عرب وبربر...ثم تاغانيت كان يسكنها قبائل زاغانا وتحتها تيشيت ثم جزائر والاتا..."
ويعلق المؤلف على هذا النص الذي يحتوى على الكثير من المعلومات والأسماء المحرفة قليلا حيث يقول"من الواضح أن الشيخ محمد بيرم الخامس لم يعتمد في تعريفه لهذه الربوع على مراجع عربية من المؤرخين والرحالة العرب الذين سبقوه..و يمكن اعتبار الشيخ محمد بيرم أول مؤرخ عربي يحاول التعريف بهذا القطر الشقيق قبل أن يشهد ميلاده ككيان جغرافي وسياسي متكامل يحمل اسم موريتانيا وقبل أن يشهد انبعاث أول دولة موجدة تمثله بين الأمم وتدخل به عالم الحداثة والتطور في كافة المجالات.
أما الفصل الذي سميناه الأخير فهو عبارة عن ثلاث مقطوعات من شعر التفعيلة تتغنى بالربوع الموريتانية تعبيرا عن الروح الحميمية التي يشعر بها مؤلف الكتاب تجاه هذه البلاد ،كما أنها ستشكل مفاجأة سارة للقارئ الذي سيكتشف أن السفير التونسي يجمع بين الشاعر والدبلوماسي والمثقف،وإذا كان لا يعتبر نفسه شاعرا فإن قصائده التالية تثبت عليه ذلك .
وإحدى تلك المقطوعات جاءت تحت عنوان "أنشودة الادرار"مؤرخة ب 24 أغسطس 2004
ويقول في بدايتها:
أدرار،يا ادرار!
يا فارس الرمال والبحار
يا شاهدا على ملحمة الإنسان
في هذه الديار
يا شامخ الهضاب الراسخات
الليل فيك متعة والنجم كالأزهار
والصمت فيك حكمة
سبحان الواحد القهار
والمقطوعة الثانية تحت عنوان"تحية إلى موريتانيا الجميلة"يقول في مطلعها:
هيا رفيقي إلى الصحراء بالصمت والنور نغتسل
ضاق الفؤاد من الهم وتفاقم الإزعاج والملل
يحملني الشوق من تونس الخضراء إلى
شنقيط مرتحلا
بلاد الهوى والحلم والآلام والأمل
حيث الزوايا والمحاضر حطت رواحلها
وقد أرهقتها الشموس والحمان والسفر
لا تبغ من الصحراء غير شساعتها
وفيض الضياء والأنوار تنهمر
إن الليلي بالبيداء سحر لا حد له
راحة للنفس لا شغل ولا بشر
وفي المقطوعة الأخيرة التي حملت عنوان"مفاجأة"يستهلها قائلا:
تعب الفارس المغوار ياعزة
ولم يدر أين يحط الرحال
يطوي الفيافي رحالا
هضابا من الرمل تتلوها رمال
تلوح في الأفق البعيد
سحابات أو واحات أو جبال
إنها تيشيت وتاقنت أو أدرار
أو تيرس أو شنقيط أو أطار...
أشير في النهاية إلى أ،هذا الكتاب يجمع بين خاصية التأليف والتحقيق،حيث لم يكن غائبا لدى مؤلفه الحس اعلمي إذ كان حريصا على توثيق المعلومات الواردة بين دفتي الكتاب اعتمادا على المنهج العلمي في الإحالات إلى المصادر والمراجع ،كما عمد إلى الترجمة للشخصيات الواردة في النصوص وكذا أسماء المدن والقرى بل وحتى الكلمات الصعبة أو الأعجمية ،كما قام بتضمين الكتاب صورا من الوثائق التي اعتمد عليها.




