تنويه: نلفت انتباه الزوار الكرام أن نطاقنا الصحيح هو دائما: saharamedias.net



أوراقــــــ (3)

بقلم/ المختار السالم:

"الحركة"

لم يحدث في التاريخ الموريتاني أن حكم رئيس دون الاعتماد على حركة "اليسار" (الكادحين) أو جزء منها على الأقل.

إلا الرئيس محمد ولد عبد العزيز، فقد ألقى بهذه الحركة في "جب" البطالة الوظيفية، فلا هي في الحكومة ولا هي في الحزب الحاكم، إنه أول رئيس يجرؤ على ترك "الرفاق" دون مناصب سامية في الحزب والدولة. ودون ميزانيات مريحة، ومنصب "شفيع" مسموع الكلمة ومفهوم الإيماءة. فما هو السبب؟

بعض الرؤساء السابقين "طبعا، اعتمد كليا على هذه الحركة، وبعضهم اعتمد على خليط من اليسار والإسلاميين، والبعض اعتمد على مركب سياسي من اليساريين والقوميين والإسلاميين. لكن كان اليسار دائما حاضرا في الدولة وفي المعارضة معا. باستثناء نظام ولد الشيخ عبد الله الذي شكل نقطة إجماع اليسار في البلد بيمينه ويساره.

لكن دعونا لا نشغل بالنا بهذه "البرويسترويكا"، حتى لو كان ولد عبد العزيز يشبه "غورباتشوف" وإن ذهبت "الشامة" هذه المرة إلى خد وزيرة الشؤون الاجتماعية، بالمقابل دعونا نتساءل في براءة الأطفال على أي حركة سياسية سيعتمد ولد عبد العزيز. ما دام أي نظام لا يستطيع "العيش سياسيا" دون الاعتماد على حركة "أيديولوجية" منظمة جدا ومستعدة لتشكيل قلاع وحصون دون رأس النظام.

في البداية دعونا نتذكر بأن كل الحركات مدت يدها للنظام، الإسلاميون من خلال المعارضة المسؤولة، والقوميون من خلال التهافت على الأغلبية، واليسار من خلال المطالبة بـ"الحوار".

وفي النهاية لا أحد يملك الإجابة القاطعة ولا حتى المرجحة، وإذن علينا الانتظار في القاعات الفخمة لعلامة الاستفهام. إذ أن علامة الاستفهام هي وحدها من يستقبل الكل في هذه العاصمة البخيلة.

***

أنا لست ممن يصفون بطانة الرئيس بالسيئة، فهذا حرام ومن يقول ذلك "ستأكله النار" في الدنيا والآخر، نار الدنيا القادمة من بعض رجال تلك البطانة، ونار الآخرة بسبب القدح في شرف بعض الرجال الطيبين الذين يؤدون عملهم بكل أمانة واحترام.

لكنني أطمح فقط لأن أرى "شخصيات دولة" في مركز القرار، لأن موريتانيا وخاصة في هذه الظرفية بحاجة لوزير من حجم وزير وليس "وزير بواب" كما هو حال أغلب الوزراء والمستشارين الحاليين.

الموظفون الاستثنائيون هم الذين يبنون الأمم، وعند مراجعة التاريخ نفهم ببساطة كم من أمة استطاعت تحقيق معجزة بتعيين مسؤول واحد على مستوى لحظتها التاريخية.

ومجنون من يشكك في قدرة آلاف الكفاءات الموريتانية التي تستطيع تحقيق المعجزات إذا شعرت بالأمان الوظيفي ولقيت دعم مؤسسة الرئاسة.

والشعور السائد الآن في "صالونات نواكشوط"، وما أدريك ما تلك الصالونات، أن على الرئيس محمد ولد عبد العزيز التحرك وبسرعة لاجتذاب الطاقات الفعلية القادرة على تسيير الإدارة واختراق المجتمع المالي العالمي، وهنا يبرز سؤال قد يكون خارجا عن السياق نوعا ما. ولكن بأس، ما فائدة السلك الدبلوماسي الموريتاني الذي لا يعمل إلا في "التجارة المنقولة".

ماذا يعمل سفراؤنا في الخارج؟ هل جلبوا تمويلات، هل قدموا محاضرات عن بلدهم، هل شاركوا في أنشطة ثقافية وعلمية، هل جلبوا منظمات غير حكومية لتمويل مشاريع إنمائية، عل رتبوا لقاءات لقادة أحزابنا مع قادة الأحزاب في الدول الأخرى، هل جلبوا رجال أعمال ومستثمرين، هل "حتى" حلوا مشكلة مواطن واحد في الخارج.. لا أعتقد ذلك.. فأغلب السفراء في الخارج هم من "التيفايه"، وفواتير هواتفهم في الحديث مع "جانين" تدل على أنهم موظفون من الطابور الإداري الخامس.

***

إن عوامل التعرية تغير الجغرافيا أحيانا، لكن التعرية السياسية تغير الأمم، وزعيم المعارضة أحمد ولد داداه قال هذا الأسبوع إنه لا يتدخل في شؤون الأغلبية ولا يهمه إن كانت مختلفة أو كانت على "قلب رجل واحد".

وأنا أقول إن كل واحد في الأغلبية ليس حتى على "قلب نفسه" وإنما على الخوف والطمع.

خوف من هذا الجنرال الذي لا يتراجع ولا يرحم، والكل بالنسبة له سارق، أو مشروع سارق، وطمع في ما يسد خلة "أم العيال" والعيال بعد أن كانوا يأخذون عطلتهم الصيفية في أبهى فنادق العالم وجزره.

طريفة هي حكاية الموريتانيين.. أوفى الناس للفقر.. كانت الدولة – وبشق الأنفس– تحصل على ملايين الدولارات من الممولين، وتذهب هذه الملايين كملابس داخلية وخارجية لزوجات المسؤولين.

كان الممولون يعرفون ذلك، فلا يتكلمون، وكان الشعب يعرف ذلك فلا يحرك ساكنا، وكأن الأمر لعبة متبادلة يشجع من خلالها الطرفان تجارة الملابس والسياحة.

الآن ترى المعارضة أن الأمر تغير نحو السالب كليا، إذ كان الجميع يستفيد من الفساد في ظل الأنظمة السابقة، والآن تمت خوصصة الفساد.

أما النظام فهو يتحدى المعارضة بالبرهان على الفساد، بل ويسخر من الذين كانوا يبنون خطابهم على الفساد فإذا هم اليوم يحاربون الحرب على الفساد. وبالتالي فهم مفسدون سياسيون على الأقل.

عندما تختلط رائحة العطر برائحة الجيف. يجب لا أن يكون الحل بالتخلص من الأنف.

ولكن دعونا نتجاوز هذا الموضوع، بدون موضوعية، لنخلط الأوراق أكثر، والأفكار يجب أن لا تختلط إذا اختلطت الأفكار.

قبل أسبوع سمعنا سفير اليابان يتحدث عن فرحه بكونه أول سفير مقيم لبلده في موريتانيا.

اليابان بلد "تويوتا" معشوقة كل موريتاني، وكانت قبل ذلك بلد "الكاميكاز" و"السموراي" ولا تزال بلد "ابن الشمس".

السؤال الذي لم يطرحه سفير اليابان على نفسه ما الذي يعلمه الشعب الموريتاني عن الثقافة اليابانية القديمة والحديثة بل ما الذي تعلمه شعوب هذه المنطقة الإقليمية عن الثقافة اليابانية؟

الجواب لا شيء.. ففي موريتانيا لا يوجد ديوان شعر ياباني واحد ولا رواية واحدة، وكل ما هناك هو القصيدة اليابانية التي نعرفها جميعا باسم "تويوتا" أو "ميتسيبيشي" أو "نيسان".

وعلى فكرة لا تقوم الشركات التي يصرف الشعب الموريتاني ملايين الدولارات سنويا في شراء بضائعها بأي خدمة اجتماعية في البلد، لا مركز تكوين، ولا تمويل مشروع تغذية، ولا توزيع أدوية، ولا منحة لطالب، ولم تقم بذلك لا "تويوتا" ولا "مرسيدس" ولا "مارلبورو"، ولا شركة الحليب "روز"، ولا أي شركة أخرى. خلافا للأعراف الأخلاقية للتجارة، هذا إذا كان للتجارة أخلاق.

أشير فقط على السيد سفير اليابان بأن الموريتانيين يحبون سيارات بلاده أكثر من حبهم لزوجاتهم فحسب، وقوم الموريتانيون أيضا بإحياء التراث الياباني عبر "الكاميكاز" الجهادي.

والسبب هو طبعا الفقر والبؤس وحتى القنوط الذي اتخذ من نفوس شبابنا الأعزاء خزانات قابلة للانفجار في أي لحظة.

والسبب لا يعود للرئيس ولا زعيم المعارضة ولا مثلث اليساريين والقوميين والإسلاميين.. إنما يعود لوجود دولة أقسمت أن تولد من دون رحم، وشعب مصمم على أن لا توجد أبدا.. والحل هو أن تصبح "دولة المهاجرين السريين".. فنحن نهاجر عنها وهم يهاجرون إليها.. والهجرة كانت دائما بداية لتغيير التاريخ و"تفعيل" الجغرافيا.

أحيانا يكون التعامل أصعب مع الأشياء البسيطة، فيتحول كل شيء إلى عبثية ماكرة.. وأحيانا نعمل من خارج الذاكرة وذلك أسهل طريق للخروج من التاريخ.

elmoctar@gmail.com

 

صحراء ميديا على الفيس بوك