لقاء مع ملوك الطوائف في غرناطة

محمد الأمين خطاري صحفي مقيم في اسبانيا

كانت السماء تمطر بغزارة محيلة، أزقة مدينة غرناطة إلي جداول مائية طوقت أسوار قصر الحمراء في مشهد مثير، وكأن الماء الذي ارتفع منسوبه يريد استكناه خبايا قصور بني أمية، رذاذ المطر يتسلق جدران نافذة الفندق حيث أقيم، ترى أهي قطرات المطر أم دموع أبو البقاء الرندي ذلك الشاعر الذي سكنتني بكائيته منذ دخولي المدينة العتيقة.

لكل شيء إذا ما تم نقصان، هنا بدت وانتهت سبع قرون من التاريخ، سبع قرون من الشعر والفلسفة والفن المعماري، إنها الأندلس فردوس العرب المفقود، حيث التأمت مجالس ولادة بنت المستكفي، وحمل الحمام الزاجل أولى مراسلات العشق بينها والشاعر ابن زيدون، ذلك الوزير الذي قاده الشعر والطموح إلى غياهب السجن.

هنا ولدت الموشحات وتمايل أمراء بني أمية علي إيقاع زمان الوصل بالأندلس، وشرب ابن عربي آخر كأس على ذكر الحبيب، واخترع الخوارزمي فنون الهندسة والحساب، واكتشف الصفر، الذي غلب علي انجازات أحفاده في العصر الحديث.

هنا أيضا، مكث وكتب ابن خلدون عن العمران، ودوره في قياس مدي تقدم الشعوب، وهنا جالت خيل المنصور آخر قادة الأندلس الأقوياء، ذلك الفارس العصامي الذي تحول من حارس إلى أمير، مستغلا ضعف الملك هشام الصغير وأمه صبح البشكية.

هنا تفاخر الغرناطيون بالحمراء، وتفاخر القرطبيون بالزهراء، وولد سجال شعري وفني بين أبناء المدينتين الأندلسيتين، لم يبقي شيء من نفح طيب الأندلس، سوى هذه البنايات والقصور التي تصارع الزمن بعد أن حولتها الحكومة الاسبانية إلى مزار لملايين السياح القادمين من مختلف مناطق العالم.

ولم يبق لي الكثير من الوقت لمتابعة السفر في التاريخ الذي استيقظت منه علي نداء زميلي المصور انريكي منيانو الذي اخبرني أن علينا مغادرة الفندق لحضور المؤتمر الصحفي بين الوزير الأول المغربي عباس الفاسي ورئيس الوزراء الاسباني خوسي ثاباتيرو، وعند نهاية المؤتمر كنت أقوم بالعمل الاعتيادي كغيري من الصحفيين الذين قدموا إلى غرناطة من اجل تغطية القمة الاورومغربية، قبل أن استقبل اتصالا من الصحفية ماكرينا كوتير مراسلة جريدة لارثون الاسبانية، تخبرني انه علي الجانب الآخر توجد تظاهرت لناشطين صحراويين للتنديد بالتقارب المغربي الأوروبي، عندها انتقلت إلى عين المكان لتقديم صورة متكاملة عن مجريات الأحداث.

لم يخامرني أدني شك حول احتمال تعرضي لمضايقات لقد كنت اعتقد أنني سأقابل بالعناق والسلام علي الطريقة الصحرواية التي افتقدتها منذ غادرت وطني الأم موريتانيا، لكن حساباتي لم تكن دقيقة لقد كانت تسود المتظاهرين حالة من الاحتقان والغضب لازلت حتى اللحظة ابحث لها عن تفسير مناسب.

شرع بعض المتظاهرين في استجوابي عن هويتي بطريقة بوليسية أغضبت زميلي المصور الذي طلب مني عدم الرد علي أسئلتهم، لكنني قبلت بالتعاطي معهم في محاولة لتفادي الأسوأ، وتحدثت بلهجة حسانية واضحة، وشرحت سبب وجودي، ومع من اعمل، وعندها صرخ في وجهي احد المتظاهرين قائلا لماذا تحمل صورة العلم المغربي في بطاقتك، أجبته أن عليه أن يستفسر من الحكومة الاسبانية، التي سلمتنا هذه البطاقات لتغطية أعمال المؤتمر عندها بدأ الحشد في الشتائم والصراخ، إنها أساليب الموريتانيين الحقيرة، إنهم عملاء المغرب، اضربوهم اقتلوهم، كانت تلك آخر الكلمات، قبل أن تنهال علي وعلي المصور اللكمات من كل النواحي.

كان المهاجمون يرددون شعارات جبهة البوليساريو، ويحملون أعلامها التي استخدموها في الاعتداء علينا، ولولا تدخل الشرطة الاسبانية لتحولنا إلى رقم جديد، ينضاف إلى حصيلة قتلى الموريتانيين في حرب الصحراء سبعينيات القرن المنصرم.

لقد صدمت لدرجة الجهل واللاوعي التي قابلني بها المتظاهرون، والتي كانت أكثر ألما من وقع أعلامهم التي انهالت علي من كل اتجاه.

لقد تعلمت في التربية الوطنية رفع العلم ولم أكن اعرف أن دروس الضرب بالعلم هي تطبيق متجذر في ثقافة خريجي المخيمات ورغم ما سببته لي هذه الحادثة من خلط في الأوراق، إلا أنها لم تبعدني عن الرحلة في الزمن الأندلسي، التي لم انقطع عنها منذ وطئت غرناطة، فقد كانت جموع المتظاهرين وشعاراتهم الانفصالية شبيهة بتجمعات ملوك الطوائف الذين حولوا الأندلس إلى دويلات واقتطاعات وعصبيات هزت وحدة الخلافة المركزية، وأسهمت في الإسراع بسقوط غرناطة بعد تحالف بعض ملوك الطوائف مع الملك فرناندو والملكة ازابيلا الذين نكلا بالعرب وانهيا عصرهم الذهبي في الأندلس.

إن ثقافة ملوك الطوائف والانفصال لا تزال حاضرة في أذهان كثيرين وقد تسببت في الحروب، وإنهاك الدول وهي في العصر الحديث لا تزال تقف أمام بناء المغرب العربي، وتعيق مشاريع التنمية، وتبني تحالفات مع الخارج هي طبق الأصل لتلك التي بنية مع ملوك الصلبين الإجهاض توسع الخلافة الأندلسية .

لقد خدعتني يا غرناطة الجميلة، كنت اعتقد أن لضيافتك وجها آخر لم يرسمه ملوك الطوائف، لكن حظي العاثر أوقعني في أسر هؤلاء، ولم يشفع لي عندك، أني حفيد المرابطين الذين مخروا البحر لنجدة عرب الأندلس، خدعتني كعادتك مع كل عشاقك العابرين لكن طباعي المرابطية حتما ستغريني بالعودة إليك من جديد .