بالفهم والترغيب يتم التعريب

محمد سالم ولد الداه

..لازلت اذكر جيدا عندما كنت طالبا في إعدادية البنين بنواكشوط ..كيف كان الخصام والجدال الذي وصل في مرات عديدة إلي حد العراك بين دعاة التعريب وأنا منهم ولازلت كذالك ودعاة التغريب الذين لا تزال منهم طائفة قائمة بإذن أربابهم الفرنجة يجادلون عن لغة لم يتركها لهم آباؤهم ولا أجدادهم ...ورغم ذالك يتشبثون بها أكثر من لغة دينهم وأخراهم لان اللغة العربية هي لغة أهل الجنة كما في الأثر..

ولا تزال ذاكرتي حبلي بمواقف نضالية دفعت في سبيلها بعضا من أوج ووهج مراهقتي..ولا انسي انه ذات ليلة من ليالي نيسان القارسة والمعتمة كنت امشي أنا وصديق لي رحمه الله في هزيع من الليل لنبدأ رحلة الكتابة علي الجدران ... وتسطير شعاراتنا باللون الأحمر علي جدران منازل العاصمة ..واذكر من تلك الشعارات شعار ..بالدم واللهيب سيتم التعريب ..ولقد بقي هذا الشعار الذي سطرته بيدي لسنوات عديدة علي جدار فندق شنقيط القديم قبل أن ينمحي قبل ثلاث سنين من الآن.. ومما اذكر كذالك ونحن شباب مراهقون كيف كنا نهرب أو نتخفى عن أي ضوء يباغتنا خوفا من دوريات الشرطة التي طاردتنا لأكثر من مرة .. وكيف وقعنا في شراكها.. قبل أن نؤدي بعضا من مهامنا النضالية ...إنها ارتسامه من شريط ذكريات النضال في سبيل الهوية والقيم التي توجت فيما بعد بالسجون والشجون .. تذكرتها وأنا أتابع عودة الحديث عن اللغة العربية وتعريب الإدارة وخطاب الوزير الأول..وهنا أقول.. انه يمكن أن نتقاسم نشر قيم الاحترام مع الآخر وان نتبادل في إطار التنوع..لكن ليس علي حساب هويتنا وثقافتنا وحضارتنا..فالأمم لا تنسجم إلا مع تراثها وقيمها الروحية..ولن يكون أي شعب جدير بالاحترام ما لم يحترم لغته وينزلها مكانتها حتى تصير لغة عمله وإدارته..أما أن تداس بالأقدام وتحاربها عصائب ولوبيات زرعت بفعل غفلة من التاريخ... فلن يكون ذلك مبررا مقبولا ولا منطقيا لسيادة وترسيم لغة غريبة على كافة مكونات مجتمعنا.. وأنا هنا لا أدافع عن اللغة العربية باعتبارها لغة عرق معين..بل ارفض ذلك ولا أتعاطي مع أي عرق يحتكرها لنفسه..بقدر ما دافع عنها باعتبارها لغة دين وحضارة .. خرجت لعلماء والعباقرة في كافة الفنون ومن كل الأعراق ..من الترك والفرس والأفغان والأفارقة....ولم تكن في أي يوم من الأيام محاربة من أي من مكوناتنا الوطنية قبل ظهور الاستعمار. بل كانت لغة الجميع من فوتا جالون إلي وادان.. لكن المستعمر هو من زرع التنافر ليجعل من لغته لغة تلاقي بين مكوناتنا الوطنية.. وقد وجد للأسف الطريق سالكا لذلك ..إن بقاء اللغة الفرنسية لغة عمل وإدارة يهدد مصير لغتنا العربية ولا يعزز من وجودها بقوة لدي صناع القرار ولا في عالم المال والأعمال مع اعتبار ذلك مخالفة دستورية وهو ما يستدعي استخدامها في كافة المرافق والقطاعات الانتاجية والخدمية والكشف عن قدراتها التعبيرية في شتي الميادين...مع أهمية الاستفادة من لغات وثقافات الآخرين وصولا إلي تلاقح الأفكار لكن مع احترام الخصوصيات. فاللغة العربية ليست اقرب إلي عرق دون آخر وعلينا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح.. فقد ولي عهد التغابن والاصطفاف وأصبح من الضرورة أن نتعلم لغاتنا الوطنية ونكتبها.لنكسر الحاجز الوهمي بيننا ..واختم بلقاء جري بيني وبين الكاتب والمؤرخ المرحوم كان صيدو حين دعاني مع صديقي العزيز بدي ولد ابنو إلي أمسية ثقافية با لبولارية في احدي مقاطعات العاصمة ..وقال حينها لحضور الأمسية إن اللغة الفرنسية ليست لغتنا ولا يمكن أن توحدنا ا نما يوحدنا هو لغاتنا الوطنية فعلي كل منا أن يتعلم لغة الأخر ..وبعد فراغنا من الأمسية صلينا العشاء معا وكان الإمام بولاريا وقرأ الفاتحة وآيات من القران بلسان عربي فصيح ..ولما انتهي من الصلاة دعي بالبولارية ممزوجة ببعض الكلمات من العربية.. فقلت للمرحوم الم تري أننا نستخدم لغتنا العربية كل يوم أثناء صلواتنا فبأي لغاتنا نبدأ؟

قال لي : بهما معا فقلت له لنبدأ بهما معا لأنني لا أريد أن تكون لغة المستعمر هي اللغة المشتركة بيننا..لطفا عزيزي القارئ انه شيء من الكلام لكنه مهم وان كان كثير.