الثقافة العربية وآفاق المستقبل / أ.محمد الأمين ولد الكتاب

إن المنهجية التي سأتبعها في مقاربة هذا الموضوع تتمثل أولا في محاولة تحديد مفهوم  الثقافة على وجه العموم ثم التعرض بشكل خاص إلى مقومات الثقافة العربية وأبعادها مع تبيان العلاقة الجدلية القائمة بين مبلغ نمو وشمولية هذه الثقافة ودرجة التطور الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي والسياسي للكيان الذي يشكل الفضاء العربي.

 

وتسهيلا لتساوق الأفكار فقد جعلت بنية الموضوع تقوم على ثلاثة محاور رئيسية أسميتها:

       ماضي الثقافة العربية (بما فيه مرحلة الاستيعاب والعطاء ومرحلة الركود والخواء) 

       حاضر الثقافة العربية (أو فترة البحث عن الذات وهاجس رسم ملامح الهوية المميزة)

       مستقبل الثقافة العربية (أو ضرورة التأهب لمواجهة تحديات عصر ما بعد الحداثة)

قد لا يكون من نافلة القول في هذا السياق أن نعمد إلى إيراد تعريف عام لمفهوم الثقافة قبل أن نخلص إلى الحديث بإسهاب عن الثقافة العربية وأبعادها ومختلف مراحل تطورها وارتباط  تلك المراحل بخصائص مختلف أحقاب التاريخ العربي منذ شروق شمس الإسلام على الجزيرة العربية إلى حد الآن.

فما هي الثقافة وكيف يمكن تعريفها؟

الواقع أن الثقافة عموما هي الرؤى والتمثلات والمعتقدات والمسلكيات والمنظومات القيمية وأساليب العيش التي تسود في مجتمع بعينه ويرتضيها جميع أفراده ومكوناته كمرجعية تضبط علاقاتهم ببعضهم وبمحيطهم وتتحدد في إطارها نظرتهم إلى ذاتيتهم وتقييمهم لهويتهم. وتشمل الثقافة كلما يقام به داخل ذلك المجتمع من أنشطة ذهنية وفنية وروحية وانجازات وممارسات ذات قيمة جمالية تستهدف المتعة والتسلية والإعلام والتعليم.

ومن هذا المنطلق فإنه يمكن القول أن الإطار المرجعي الذي تحيل إليه الثقافة العربية منذ ظهور الإسلام إلى اليوم يرتكز على ثلاثة أبعاد. بعد لغوي وبعد قيمي وبعد روحي.

 

البعد اللغوي :

إن المادة التي استخلصت منها مضامين الثقافة العربية الإسلامية واستنبطت منها الإيحاءات المتصلة بتلك المضامين والوعاء الذي أفرغت فيه لقولبتها وتحديد ملامحها هي لهجة قريش المتفرعة عن اللهجة المضرية التي كانت تخلو إلى حد كبير من الشوائب الدخلية.

البعد القيمي : 

كانت تسود في المجتمعات العربية الجاهلية، كما هو معلوم، مسلكيات ومنظومة قيمية أقر الإسلام بعضها وزكاها فشكلت المرجعية القاعدية لسلم المعايير الأخلاقية والمثل السامية كالكرم والنبل والصدق والأمانة والإقدام والتواضع...

البعد الروحي :

وقد تمثل هذا البعد في تعاليم القرآن الكريم وإرشادات السنة الشريفة الذين شكلا موضوعا للدرس والاستقراء ومادة للتعلم والاستيعاب. ومع توالي نزول الآيات القرآنية المثيرة للتفكير ومع تراكم الأحاديث النبوية وتعمق الشعور بضرورة استكناهها قصد امتثال التعاليم الدينية والتقيد بالقواعد الشرعية، قامت الحاجة إلى إتقان اللغة العربية والتمكن من قواعدها النحوية والصرفية وضبط مخارج حروفها ومراعاة سلامة نطقها. فشكلت هذه الخطوات اللبنات الأولى من سرح الثقافة العربية الإسلامية الذي أزداد شموخا واتساعا مع تعاقب الأحقاب.

وهذا يقودنا إلى التعرض إلى أول المحاور التي تشكل قوام هذا الموضوع.

1-ماضي الثقافة العربية: (مرحلة الاستيعاب والعطاء ومرحلة الركود والخواء)

أ- مرحلة الاستيعاب والعطاء:

إن المجتمع العربي الجاهلي الذي كان منذ القدم يعيش في الجزيرة العربية كان يتوفر كما أومأنا إليه على تقاليد ومثل وقيم تضبط مسلكياته وتنظم علاقات مكوناته مع بعضها كما كان له تراث فكري شفهي ومكتوب يتمثل في الشعر والخطابة وكانت أغراضه تنحصر في المدح والهجاء والرثاء والتشبيب وإظهار الفصاحة والبلاغة.

 وقد أبقى الإسلام كما ذكرنا على بعض القيم العربية القديمة وأعاد امتلاك التراث الجاهلي بعد تنقيته ممالا يتماشى والتعاليم الإسلامية.

وبالإضافة إلى الموروث الجاهلي القديم، قامت معارف جديدة كونت جوانب هامة من الثقافة العربية الإسلامية الناشئة، وتمثلت هذه الجوانب في تدوين القرآن وتوثيق الحديث وبلورة الدراسات اللغوية وتطوير أساليب الخط وتفعيل أنواع الكتابة.

 

وأدى ظهور النشاطات الثقافية المرتبطة بقيام الدين الجديد، إلى بلورة مواضيع لم تكن معروفة، وإلى تأسيس معارف لم تكن مألوفة. فظهر خلال الفترة الممتدة بين صدر الإسلام وقيام الدولة الأموية في الشام، نظرا لما ميز تلك الفترة من فتوحات، واتساع رقعة دار الإسلام، واختلاط العرب بغيرهم من الأجناس الأخرى، ظهر لون معرفي جديد، يعنى خصيصا بعلوم اللغة تجسد في وضع كتب تتصل بهذا الموضوع مثل : "المثلث" لقطرب و"الكامل" للمبرد و"الكتاب" لسيبويه.

كما نما فن الخطابة واكتسى صبغة سياسية أكثر من ذي قبل وقد اشتهر في هذا الميدان كل من الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وزياد ابن أبيه والحجاج ابن يوسف الثقفي. ومع اتساع أرجاء الدولة الأموية وانتشار نفوذها السياسي ونمو مؤسساتها الإدارية ظهرت الحاجة إلى مزيد من الضبط والتدوين وكان من أول رواده عبد الحميد الكاتب. وعلى الصعيد الأدبي نشأ إلى جانب الشعر لون أدبي جديد هو السرد القصصي. وكان أول من أبدع هذا الفن هو عبد الله بن المقفع.

وفي المجال الديني قاد تدوين القرآن في المصاحف وحفظه وتدارسه وكذا إحصاء الأحاديث النبوية الشريفة والحرص على إسنادها الصحيح إلى ظهور مواضيع معرفية غير معهودة هي الأخرى ألا وهي التفسير والفقه والأصول والسيرة وما يتصل بذلك من علوم اللغة كالنحو والبلاغة والمنطق والبيان. فأشتهر ما بين القرن الثامن والتاسع الميلاديين أئمة أعلام قاموا بتأسيس المذاهب الفقهية المشهورة. وهم على التوالي : الإمام أبو حنيفة والإمام مالك (في القرن الثامن) والإمام الشافعي والإمام ابن حنبل (في القرن التاسع الميلادي).

وعند ما بلغت الانبراطورية العباسية أوجها في عهد الخلفاء هرون الرشيد والمأمون والمعتصم، كان العرب قد بسطوا نفوذهم على فارس وإفريقيا الشمالية وبزنطة وجنوب القارة الاروبية. وأمتد سلطانهم إلى الهند والصين وغيرهما فسيطروا على البحار وعلى العديد من المضايق والجزر والطرق التجارية العالمية.

فصاحب هذه الفتوحات العسكرية والهيمنة السياسية نشاط فكري عظيم وشامل وواكبتها انجازات حضارية رائعة ومتعددة الأبعاد.

فعلى الصعيد الفكري تنوعت المعارف واتسعت مجالاتها وكبرت العناية بالعلم والعلماء وكان الخلفاء يشرفون بأنفسهم على تكثيف النشاطات العلمية ودفعها، وبذل الغالي والنفيس من أجل النهوض بمستواها وتكثيفها.

فأنكب الدارسون والباحثون والعلماء على دراسة واستقراء وترجمة التراث اليوناني والعبري والسرياني والكلداني... فاستوعب العرب الفلسفة اليونانية وهضموا علوم الطب والهندسة والرياضيات والتنجيم والكيميا والفيزيا والجغرافيا وعلم النباتات والبيطرة وغير ذلك. فنقلوا هذه المعارف إلى اللغة العربية وجعلوها منطلقا للتجديد والإبداع والاكتشاف والابتكار.

فبرز علماء مرموقون في الرياضيات مثل محمد ابن موسى الخوارزمي وفي الكيميا مثل ابن حيان وفي العلوم مثل البايروني. كما ازدهر الأدب نثرا وشعرا فكان هناك شعراء أفذاذ امثال أبي تمام والبحتري والمتنبي وكتاب متميزون أمثال أبي عثمان الجاحظ وابن قتيبة على سبيل المثال لا الحصر. وتم تداول الفلسفة والمنطق وعلم الكلام على نطاق واسع فوجد العديد من الفلاسفة نذكر منهم الكندي وأبانصر الفرابي. واتسعت المعارف لتشمل التاريخ والجغرافيا والتنجيم...

وازدهرت صناعة الورق ونشطت حركة الاستنساخ فتعددت المكتبات ودور الحكمة كما تم إتقان فنون الاستطباب والجراحة في مارستانات مجهزة ووظيفية. وتطورت الفنون المعمارية والهندسة المدنية على نحو غيرمسبوق. فشيدت القصور والقلاع والحصون والجسور.

وعلى الصعيد الفني عرفت فنون الموسيقى والرقص والغناء تطورا ملحوظا إذ برز مختصون في مجال الطرب والموسيقى تنظيرا وتطبيقا. نذكر منهم إسحاق ابن إبراهيم الموصلي وابن جامع المكي وزرياب.

ولم يقتصر ازدهار الثقافة العربية بكل أبعادها على الشرق وحسب بل عرف اشراقة باهرة كذلك في الأندلس خلال الخلافة الأموية التي دامت من القرن العاشر الميلادي إلى أواسط القرن الحادي عشر.

خلال هذه الحقبة الزمنية عرفت الحضارة العربية طفرة رائعة ورقيا باهرا شمل المعمار والفنون والآداب والفلسفة والعلوم والطب وأساليب الحياة المتألقة.

فعلى الصعيد المعماري كانت كبريات حواضر الأندلس العربية تزخر بالقصور الزاهية والمساجد الرائعة والحدائق الغناء والجسور المحكمة. وكانت شوارعها مبلطة ومتوفرة على شبكات صرف متقنة الصنع وعلى مصابيح إنارة عمومية لألاءة.

وعلى الصعيد الفكري كانت الأندلس محجة للعلماء والأدباء والفلاسفة، وقبلة للدارسين والباحثين والعلماء الوافدين من الشرق والشمال الإفريقي ومن مختلف أصقاع أوروبا. وقد أشتهر بالأندلس شعراء كبار أمثال : ابن هاني وابن زيدون وابن خفاجة والمعتمد بن عباد. وظهر بها فلاسفة ومتكلمون ومناطقة عظماء أمثال : الأشعري وابن حزم وابن باجة وأبي حيان التوحيدي. إضافة إلى أطباء متبحرين ومهرة أمثال : ابن سيناء وابن رشد. كما أعطت جغرافيين حاذقين ورحالة كبارا جابوا آفاق الدنيا أمثال : ابن عبيد البكري والحسن الوزان المشهور بلقب ليون لافريكان (Leon l’Africain) وغيرهم.

يضاف إلى ذلك فنانون لامعون أبدعوا في مجال الموسيقى والرقص والطرب فكان من ضمن ما ورث عنهم هو فن الموشحات وفن رقص الفلامينكو الذي تمتاز به اسبانيا عن بقية الدول الاروبية.

فكانت الأندلس بحق منارة علم عمت أضواؤها كل البلدان المجاورة لها مما جعل الدارسين يولون وجوههم شطر جامعات غرناطة واشبيلية وقرطبة وطليطلة لينهلوا من معينها. وكانت جامعة طليطلة تضم مركزا إسلاميا متميزا للترجمة، كان على مدار السنة مكتظا بالطلاب العرب والأسبان والايطاليين والفرنسيين والانجليز الذين كانوا يدرسون الآداب والعلوم والطب والرياضيات والهندسة باللغة العربية على أيدي أساتذة عرب.

وكانوا يترجمون كل هذه المعارف إلى اللغة اللاتينية ثم إلى اللهجات الأوروبية المحلية، بيد أن اللغة العربية ظلت هي لغة العلوم والفنون والبحث العلمي. ولقد تمكن الطلاب الأوروبيون من خلال دراساتهم بجامعتى قرطبة وطليطلة وغيرهما من الجامعات الأخرى، من الاطلاع على التراث اليوناني واللاتيني والعبري والسرياني إلى جانب التراث الإسلامي العربي بمختلف أصنافه. وكان العديد منهم يحتفظ بعد تخرجه بعلاقات حميمة مع الجامعة التي درس بها بل قام بعضهم بإنشاء مدارس لتلقين العلوم بالعربية في وطنه بعد أن عاد إليه.

وهكذا فقد أنشئت أكبر مدرسة للعربية خارج الأندلس بمدينة روما وقد أنجزت بهذه المدرسة أول طبعة باللغة العربية لكتاب "القانون" لابن سينا.

كما قام البابا سلفستر الثاني الذي درس بجامعة طليطلة لفترة طويلة بإنشاء مدرسة للعربية بباريس بعد أن طرد من البابوية بتهمة اعتناقه للإسلام سرا.

وكان أول من وضع قاموسا للغة الانجليزية هو وليام بادويل وهو أيضا من خريجي الجامعات الأندلسية. كما أن الكاتب الانجليزي المعروف Geoffrey Chaucer الذي يعتبر أب للغة الانجليزية قد أمضى عدة سنين يتابع دراساته بالجامعات الأندلسية. فلا غرابة والحالة هذه أن تضم اللغة الانجليزية آلاف الكلمات ذات الأصول العربية. وفي هذا الصدد أوضح الدكتور نبيل حسن الجنابي في كتاب اسماه : "الجذور العربية للغة الانجليزية" أن ما يربو على 18000 كلمة انجليزية هي ذات أصول عربية وبرهن على ذلك بإيراد قوائم طويلة للألفاظ ذات الجذور وحتى الجرس العربي نورد منها الآتية :

Candle             قنديل

Syrup              شراب

Idle         عاطل

Earth       أرض

Guilt       غلط

Good               جيد إلخ...

ب- مرحلة الركود والخواء:

بعد أن بلغت كل من الخلافتين العباسية في المشرق والأموية في الأندلس ذروة المجد وقمة الازدهار ووصلت الحضارة والثقافة فيهما درجة عالية من التألق والاتساع، بدأ الضعف يدب في أوصالهما بسبب الخلافات البينية والصراعات السياسية وذلك اعتبارا من أوائل القرن العاشر للميلاد حيث قامت الدولة الطولونية في مصر والدولة الصفارية في فارس وقامت الدولة الفاطمية في تونس ثم في مصر.

 

وفي أواسط القرن الحادي عشر ميلادي تداعت الخلافة الأموية بالأندلس وقامت على أنقاضها إمارات صغيرة  كان يقودها أمراء متهورون عرفوا بملوك الطوائف وكانت تلك الإمارات تخوض ضد بعضها حروبا مريرة كانت تذكيها وتؤجج أوارها الممالك المسيحية المتاخمة لها.

ولقد تزامن ذانكم التفكك والتمزق مع نزول كوارث قاصمة بساحة الدولة العربية شرقا وغربا. حيث تم استيلاء الصليبيين على القدس ودام احتلالهم للمنطقة كلها زهاء 190 سنة.

كما استولى المغول بقيادة هولاكو على بغداد خلال القرن الثالث عشر للميلاد فقوضوا الخلافة العباسية بقتلهم للخليفة المستعصم. ثم استولى المماليك على مقاليد الحكم بعد أن طردوا المغول.

ومن أواخر القرن الثالث عشر إلى أوائل القرن العشرين بسط الأتراك العثمانيون نفوذهم على الأمة العربية التي تشر ذمت إلى كيانات صغيرة مفككة الأوصال ولم تنزح السيطرة العثمانية عن الأمة إلا لتفسح المجال للاستعمار الأوروبي، حيث احتلت فرنسا كلا من الجزائر وتونس في النصف الأخير من القرن التاسع عشر واحتلت بريطانيا بلاد مصر في نفس الفترة. واستولت إيطاليا على ليبيا في بداية القرن العشرين في حين فرضت كل من فرنسا وبريطانيا حماية جبرية على موريتانيا والمغرب وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان والعراق خلال العشريات الأولى من القرن المنصرم ونتيجة لهذه الأوضاع المزرية دخلت كافة البلدان العربية، ما ذكرناه منها وما لم نذكره، في فترة تاريخية حالكة أتسمت بالتخلف الاقتصادي والركود الفكري. فانكمش النشاط الثقافي وتلاشى الإبداع في مجالات الآداب والفنون والعلوم وسائر المعارف.

فسادت الأمية وتبلدت الأذهان وتدنت الذائقة العامة وسيطر العقل الخرافي وانتشرت الخزعبلات والشعوذة وانحسر الإنتاج الفكري في لوك قديم التراث واجتراره وتغلبت عقلية المحاكاة والتقليد على ذهنية الإبداع والتجديد فأمست كل بدعة ضلالة وكل ضلالة هي بطبيعة الحال في النار.

وهكذا دخلت الأمة العربية عن بكرة أبيها مرحلة ركود اقتصادي واجتماعي وفترة بيات فكري وعلمي فترتب عن ذلك انفصام تام بين المستوى الحضاري الذي كانت قد ارتقت إليه في سالف عهدها والذي شكل المنطلق الأساسي للنهضة الأوروبية اعتبارا من القرن الخامس عشر وبين واقعها المرير الذي حال بينها وبين الارتقاء إلى المكانة السامقة التي أوصلت إليه ثقافتها أمما غيرها وهذه لعمري مفارقه غريبة.

2-حاضر الثقافة العربية (أو فترة البحث عن الذات و هاجس تحديد الهوية)

يمكن القول بأن ثمة عاملين أساسيين يرجع الفضل إليهما في إعطاء الدفعة المحركة الأولى للأوضاع العربية التي كانت ولزمن طويل تراوح في مكانها. وفي كسر الجمود الرهيب الذي ران على الأمة العربية طوال عدة قرون ألا وهما حملة نابليون على مصر وتولي محمد عالي باشا مقاليد الأمور فيها.                                            

 حيث ترتب عن ذلك صحوة فكرية وهبة اجتماعية ويقظة سياسية. وقد ساهم في تعميق هذه الصحوة وتجذير تلك اليقظة النشاط الثقافي والعلمي والسياسي الذي اضطلع به أعضاء البعثات العلمية الذين أوفدهم محمد عالي إلى أوروبا بعد عودتهم إلى أرض مصر حيث نشطت الترجمة والتأليف في مجالات الآداب والفنون والعلوم.

 ونشطت حركة الصحافة والنشر وكبرت العناية بالتدريس والتدريب والتكوين. فظهر مثقفون كبار انكبوا على ترجمة ونشر أمهات الكتب المتداولة في أوروبا.

 وتناولوا بالبحث والاستقراء المواضيع والأصناف الأدبية والفنية الجديدة على التراث العربي مثل الرواية والمسرح والشعر الملحمي والنقد الأدبي ومختلف ألوان الفنون الجميلة مثل الرسم والنحت والأبرا والباليه والسينما وغير ذلك. ومن مشاهير رجالات الرعيل الأول من رواد الانبعاث الثقافي العربي : رفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي وسليم البستاني (القصة) ومارون نقاش (رائد المسرح العربي).

ولقد مهد هؤلاء الرواد السبيل لقيام حركة النهضة الفكرية والحضارية العربية التي كانت إرهاصاتها الأولى قد بدأت تلوح في الآفاق منذ نهاية القرن التاسع عشر، والتي تضافرت جهود العديد من رجال الثقافة العرب في مصر وبلاد الشام وفي المهجر والشمال الإفريقي من أجل قيامها ومضيها نحو تحقيق أهدافها.

وقد ساهم رائدا الإصلاح الديني جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في رفد حركة النهضة العربية برصيد فكري هام.

والجدير بالذكر في هذا المضمار أن العلماء الشناقطة كانوا قد أسهموا في رفد النهضة العربية بإنتاجهم الفكري المتميز. ومن بين هؤلاء : العلامة محمد محمود ولد اتلاميد الذي عمل إلى جانب محمد عبده وشاركه في نشاطه العلمي. ونذكر منهم أيضا مؤلف كتاب الوسيط، احمد بن الأمين الشنقيطي والرحالتين المشهورين الطالب احمد ولد اطوير الجنة ومحمد يحي الولاتي الذين أثرا في الساحة الفكرية خلال تلك الفترة وبعدها.

ولقد أسهمت الصحافة الأدبية والسياسية في إثراء الساحة الثقافية وإنعاش الجو العلمي. ولعل من أبرز هذه الصحف والمجلات هي مجلة الضياء التي كان يشرف عليها إبراهيم اليازجي وجريدة الأهرام التي كان من أوائل القيمين عليها بشار تقلا.

ونتيجة لتعدد البعثات الطلابية إلى أوروبا وتكثيف الترجمة ونمو حركة الاستشراق وانتشار الصحافة بكل أنواعها والتلاقح الفكري الذي أنجر عن ذلك، قامت تعددية فكرية لم تكن مألوفة عند العرب ونشأت مدارس أدبية ونقدية وتيارات فكرية واديولوجية وسياسية أدت بسبب تفاعلها إلى احتدام النقاش على الصعد الاكادمية والفلسفية ولاديولوجية والسياسية.

ونما وعي سياسي تولدت عنه مشاعر قومية ومطامح تحررية ومشاريع مجتمعات جديدة عصرية. وظهرت اتجاهات سياسية مختلفة مثل القومية والليبرالية والاشتراكية كما برزت تيارات اديولوجية متباينة مثل السلفية والعلمانية.

وأفضى اختلاف المشارب وتباين الآراء إلى إذكاء النقاش وإثراء الساحة الثقافية العربية. وهذا الغليان الفكري إن كان أفضى بشكل مباشر أو غير مباشر إلى التحرر من السيطرة الاستعمارية فإنه لم يتوقف بعد قيام الحكومات الوطنية العربية بل استمر على نفس الوتيرة.

إلا أن جل الحكومات العربية ضاقت به ذرعا وعملت أحيانا على إخماده وتحجيمه عن طريق قمع وترهيب الطبقة المثقفة أحيانا وترغيبها وتدجينها أحيانا أخرى. وربما يكون في محاكمة طه حسين وعلي عبد الرزاق ومصادرة كتابيهما "في الشعر الجاهلي" و"الإسلام وأصول الحكم" مصداقا لهذا القول.

وعموما فإنه يمكن القول في هذا المضمار أن الهاجس الذي سيطر على الفكر العربي ولاهتمامات التي ألهمت الثقافة العربية وانعكست فيها منذ بداية النهضة إلى حوالي أواخر السبعينيات من القرن المنصرم تتمثل في إشكالية تحديد الهوية العربية وسبل رسم ملامحها.

فالسؤال الملح الذي طرح نفسه باستمرار والذي حاول المثقفون العرب بمختلف مشاربهم ومن شتى منطلقاتهم أن يجيبوا عليه هو : من نحن بالنسبة للآخر؟ وهل لنا وجود خارج الآخر وبمعزل عنه؟ أم إننا والآخر متداخلان ومتماهيان؟

وثمة تساؤل آخر لا يزال موضوعا للتفكير والبحث والنقاش وهو: كيف يجب أن نكون بالقياس للآخر؟ ما هي المرجعية الفكرية والأطر المؤسسية التي يجب أن نختارها؟ وما هو مشروع المجتمع الأمثل الذي يجدر بنا تجسيده على أرض الواقع؟

إن الإنتاج الفكري العربي والثقافة التي تمخض عنها لا زالا يعكسان هذه الإشكاليات التي ما فتئت تستقطب تفكير جانب كبير من النخبة المثقفة العربية.

3-مستقبل الثقافة العربية (أو ضرورة التأهب لمواجهة عصر ما بعد الحداثة)

إذا كان هاجس الانعتاق والتحرر وإرا دة إثبات الذات وإشكالية تحديد الهوية قد شغلت تفكير النخب المثقفة العربية منذ عصر النهضة إلى فترة السبعينيات من القرن العشرين فإن ماهية الثقافة العربية وجوهرها وقابليتها لمسايرة عصر ما بعد الحداثة والعولمة يجب أن يكون الشغل الشاغل والهاجس الرئيسي للنخب العربية.

ففي عصر الثورة الرقمية والانفجار الإعلامي وغزو الفضاء والهندسة الجينية والاستنساخ البيولوجي والروبوتية وفي عهد السيطرة الكاسحة للشركات العابرة للحدود والرساميل المتوثبة وانعدام الحدود المحصنة فإنه أضحى من الضروري بل ومن الحيوي إقامة التعددية السياسية والفكرية في كافة البلدان العربية وصولا إلى تحرير العقول وإطلاق العنان للعبقريات بالوطن العربي حتى يتم حشد كافة الطاقات الذهنية العربية.

 

وهذا بطبيعة الحال يقتضي قيام الديمقراطية السياسية والاجتماعية وتكريس حرية الرأي والفكر والتعبير مما سيضع حدا للركود الفكري الناجم أساسا عن تكبيل العقول وتعطيل جانب كبير من الطاقات الذهنية التي لا سبيل إلى تطوير وتفعيل الثقافة العربية بدون إفساح المجال لها وتشجيعها على الإبداع والعطاء.

لكن دمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية لا يعني بحال من الأحوال اعتماد وتبني المنظومة القيمية الغربية التي تتسم بالفردانية الأنانية والإباحية الأخلاقية التي تناهض الزواج الطبيعي وتشرع كل مظاهر الشذوذ المخالفة لنواميس الطبيعة.

وتحول المرأة إلى بضاعة تستعمل في الإشهار والاتجار بالجنس كما أنها لا ترى غضاضة في محو الفوارق الجسدية والنفسية بين الجنسين و تشرع الاستهلاك العلني للمخدرات.

إن الثقافة العربية في فترة مابعد الحداثة، تلكم الفترة التي بدأت مع مطلع القرن الواحد والعشرين الجاري، يجب أن ترفض الاستلاب الفكري والتغريب وأن تقاوم القولبة والتنميط والهيمنة الثقافية والتبعية الفكرية. وإذا كانت العولمة الاقتصادية ظاهرة يستحيل تفاديها وكل ما بالإمكان هو الاستعداد لها ومراعاة شروط مسايرتها، فإن العولمة في بعدها الثقافي ليست سوى طمس للهوية وتمييع للذاتية وإذابة للمقومات الحضارية.

 ولذا فإنه لا ينصاع لها إلا من ليس له تراث يخاف ضياعه ولا حضارة يخشى اضمحلالها. وهذه الوضعية لا تنطبق على الأمة العربية كما هو معلوم لدى الجميع.

ولقد تعرض العديد من المثقفين العرب المعاصرين إلى ما يمثله البعد الثقافي للعولمة من خطر ماحق على الخصوصية الثقافية العربية وعلى المقومات الدينية والأخلاقية والحضارية للعرب. ونذكر من بين هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر الدكتور الطيب التيزيني ود. غالي شكري والدكتور المهدي المنجرة.

والثقافة العربية إذ يجب إن تشكل حاجزا متينا وسدا منيعا في وجه التغريب والمسخ والانسلاخ من الذات والانصهار في قوالب أجنبية، فإن عليها بالمقابل الانفتاح على العلوم والتكنولوجيا والإعلاميات وأقنية التواصل. وعليها كذلك العمل على المزاوجة بين الحفاظ على المقومات العربية الإسلامية ومقتضيات العصرنة والتحديث. كما أنها مطالبة إن هي أرادت البقاء والديمومة والقدرة على التنافس أن تستوعب وتدمج كل أنواع التسلية والترفيه من أشرطة وأقراص مضغوطة  و رقائق والعاب الكترونية وبرامج حاسوبية.

وعليها أيضا أن تدمج تقنيات الاستشراف بهدف استبيان ملامح المستقبل والاستعداد له والتهيؤ لمسايرته والانسجام معه.

 

وخلاصة القول فإن أهداف الثقافة العربية في المستقبل المنظور يجب أن تتمثل في صيانة الذات والحفاظ على الهوية مع الانفتاح والأخذ بكل أسباب التقدم والحداثة والحرص على مواءمة كل ذلك مع المنظومة الأخلاقية والمميزات الفكرية والقيم الدينية والمقومات الحضارية للأمة العربية وصولا إلى ربط حاضرها بماضيها وسعيا إلى تحديد ملامح المستقبل الكفيل بتقوية كيانها وترسيخ وجودها وإطالة بقائها وديمومة بصمتها على صفحة الوجود.