تم في قسم اللغة العربية بجامعة الشيخ آنتا جوب السنغالية، مناقشة رسالة دكتوره حول "علم أصول الفقه في ولاية اترارزة" قدمها الاستاذ محمد الحنفي ولد محمد المختار ولد دهاه منسق خلية التصوف وأستاذ مادة الفكر والحضارة الإسلامية بقسم الفلسفة في جامعة نواكشوط رسالة دكتوراه .
وكانت لجنة المناقشة مكونة من
الاستاذ الدكتور استاذ كرسي روحان باي رئيسا
وبعضوية كل من:
ـ الاستاذ الدكتور صيدو جوف مبرز في التشريع الاسلامي استاذ بكلية الحقوق جامعة الشيخ انتا جوب.
ـ الاستاذ الدكتور بابكر صامب استاذ الحضارة الاسلامية بقسم اللغة العربية بكلية الاداب جامعة الشيخ انتا جوب (سفير سابق في مصر).
وحضر المناقشة السفير الموريتاني في داكار محمد فال ولد بلال، وجمع غفير من الاساتذة والباحثين والمهتمين بالشان الثقافي، كم حضرها كذلك عدد من افراد الجالية الموريتانية بالسنغال ولفيف من الطلاب.
وقسم الباحث الموضوع إلى ثلاثة أبواب كل باب قائم بذاته ويتضمن فصولا تعالج مسائل متمايزة وان كانت متعالقة من ناحية المضمون.
الباب الأول من هذه الأبواب خصصه الباحث للتعريفات والتبيينات الحدية والتصورية، وقد أراده بذلك أن يكون توطئة ومدخلا ينفذ من خلالها القارئ إلى الموضوع المدروس.
تحدث الباحث عن ولاية اترارزة وذكر بأنها تحتل الركن الجنوبي الغربي من الجمهورية الإسلامية الموريتانية بمساحتها البالغة 67800 كلم تطل غربا على المحيط الاطلسي بساحل ممتد من مصب نهر السنغال قرب انجاكو حتى جنوب رأس تمريس ويبلغ طوله 400 كلم، كما يحدها من الجنوب نهر السنغال الذي تشغل الولاية الضفة اليمنى لمجراه الأدنى، بينما تحدها من الشمال والشمال الشرقي ولايات انشيري وآدرار وتكانت اما حدودها الشرقية فتمثل الحدود الغربية لولاية لبراكنة، وتشكل هذه الحدود الامتداد التاريخي لامارة اترارزة.
واترارزة نسبة الى تروز بن هداج (الجد الجامع لفرع بنى حسان المعروف باسم اترارزة) الذين استقروا في اقصى الجنوب الغربي من موريتانيا حيث اسسوا بداية من القرن السابع عشر الميلادي امارة كان لها بحكم موقعها الجغرافي دور بارز في تاريخ البلاد السياسي والثقافي، وتضم هذه الولاية على الخصوص الجزء الغربي من منطقة "الكبلة" التي انتشر العلم افقيا وعموديا في كل احيائها علما بانها منطقة بادية يعتمد اهلها على الماشية والحرث، مما انعكس سلبا على صحة القولة المشهورة التي مفادها ان العلم ربيب الحضارة وسليل العمران.
كما تم تركيز المدرسين والعلماء في هذه المنطقة على علوم الالة والمعقول، وتطورت بها علوم اللغة مما اعطى دفعا قويا للمنتوج الشعري على مستوى الكم وعلى مستوى الكيف.
وقد تطرقت الاطروحة لعلم اصول الفقه باعتباره يمثل قمة العطاء العقلاني في التراث الاسلامي والمميز النوعي لثقافة المسلمين، وباعتباره كذلك النافذة الكبيرة التي تنفتح عن طريقها مغاليق الفقه وغيره من علوم الشرع، فتحدثت عن نشأته واول من دونه، وعن مدارسه التي حصرها الباحث في:
أـ مدرسة المتكلمين التي تقوم على تحرير قواعد الاصول لتكون دعامة للفقه.
ب ـ مدرسة الفقهاء القائمة على اساس استقراء الفروع للخروج بتعميمات تكون هي القواعد الاصولية
ج ـ مدرسة المتاخرين وهي التي جمعت بين المنهجين.
وبالرغم من هذا التقسيم الذي درج عليه جميع المهتمين بتاريخ علم الاصول فقد تبلور منهج رابع لم ير الباحث من تطرق اليه قبله، وقد تميز هذا المنهج باهتمامه البالغ بتقريب علم الاصول الى اذهان الناشئة والمتعلمين واعادة صياغته بشكل تربوي، يسهل فهمه وتطبيقه على اساس ان يكون مقررا في الكليات المتخصصة والمعاهد الدينية.
وبخصوص اصول الفقه في ولاية اترارزة فقد ذكر الباحث بان المصادر التي بين يديه لم تسعفه بتاريخ مضبوط لدخول هذا العلم الى هذه الولاية الا انه استطاع ترصد دخوله عبر جملة من القرائن والادلة من اهمها:
1 ـ انتقال محظرة القاضي عبد الله بن محمد بن حبيب العلوي من شنقيط في اواسط القرن الحادي عشر الهجري الى ارض اترارزة التي اخذ عنه فيها جل قبائلها وقد كان لهذه المحظرة الوافدة دور كبير في نشر العلوم العقلية بهذه المنطقة.
2 ـ وجود فتاوي بهذه الولاية يرجع تاريخها الى نهاية القرن الحادي عشر الهجري تدل على تمكن اصحابها في علم الاصول.
3 ـ ظهور التأليف في الاصول في بداية القرن الثاني عشر الهجري أي بالتحديد سنة 1125 هـ وخلص الباحث الى نتيجة مؤداها ان الاهتمام بعلم اصول الفقه في عموم البلد بدأ مع نشاط المحظرة ابتداء من القرن 10 هـ.
أما الباب الثاني فقد خصصه الباحث لوصف وتقديم المؤلفات الاصولية التي استطاع انتقاءها ( نظم محنض بابه بن اعبيد سلم الوصول الى علم الاصول، نظم امحمد ولد احمد يورة سلم الوصول الى مهمات من علم الاصول، أو عنبر المستاف وجوهرة الاصداف، شرح محمد فال بن بابه لمرتقى الوصول)، وقد حاول في هذا الميدان اعطاء لمحة عن مؤلفي هذه الكتب ـ أي الكتب المنتقاة ـ من حيث تكوينهم ومسعاهم العلمي واخيرا اشعاعهم ودورهم في اثراء المنطقة المدروسة من الناحية المعرفية، واشفع ذلك بعرض مفصل عن كل كتاب على حدة تتبع فيه الجانب الشكلي للكتاب أي كيفية صياغته، حجمه، المباحث التي تطرق اليها والاحياز التي خصص لكل مبحث اصولي.
كما تعرض الباحث للجانب المضموني لكل واحد من هذه الكتب من حيث اهميته ، ومدى اكتماله ومدى تقاطعه مع مؤلفات اصولية اخرى سواء بالاقتباس او بالاحالة او بالتناص او بالاستئناس، وقد استجلى كذلك في هذا الباب اخبار ما استطاع العثور عليه من الشخصيات ذات الاهتمام باصول الفقه في ولاية اترارزة كما تبدى له من المراجع التاريخية ومن آثارهم المتاحة.
واشار الباحث الى ان العلماء الاخرين الكثيرين الذين لم يصنفهم في عداد الاصوليين كان لهم سهمهم في هذا الفن، ولكن يحتمل ان تكون آثارهم قد اندرست بفعل عاديات الزمن وحياة الظعن والترحال التي طبعت نمط عيش اهل هذه البلاد في اغلبهم الاعم.
والنتيجة التي حصل عليها الباحث من هذا الباب ان المؤلفات الاصولية التي درسها فضلا عن محتواها الاصولي الواضح بنيت وصيغت بشكل تربوي مهم ساعد كثيرا في تعليم الناشئة ، فكانت المنظومات سلسلة يسيرة الحفظ بينة الامثلة غير معقدة التراكيب، وكان منثورها جلي العبارة واضح الاستشهادات والتمثيلات، مفسرا للميهمات ومفصلا للمجملات.
اما الباب الثالث فقد خصصه للجانب التحليلي والتقييمي لانه كما قال يرى ان أي عمل لا يتجاسر صاحبه على النظر بعين التقييم والتقويم للموضوع يبقى رهين الوصف البسيط الفوتوغرافي الذي لا يقدم كثيرا في البحث العلمي من اجل ذلك حاول النظر في اثر هذه الانشغالات الاصولية على الاثار العلمية الاخرى التي صاغها الفقهاء وخلفوها كالفتاوى والنوازل التي لمس فيها مواضع تعالق بين المتغير الاجتماعي، والقواعد الاصولية انجر عنه نوع من الابداع والتميز عند الشناقطة يستحق الوقوف عنده، فمثلا في المسالة الفلانية نجد احد العلماء الافذاذ يعيد النظر في مجموعة من المسائل لكي يجد مخرجا شرعيا لنكاح تم ولا يوجد شهوده، وكانت المرأة من حظيات اهل زمانها شرفا وحالة ، وقد استخدم هذا العالم للوصول الى غرضه جملة من القواعد الاصولية من بينها: قاعدة استتباع العقد الصحيح اثره، وشروط العمل بالضعيف، وحكم ما منع سدا للذريعة...الخ.
كما حاول الباحث في هذا الباب ان يبين ما مدى اعادة صياغة مؤلفي الكتب المنتقاه لتتماشى مع المذهب الذي يدينون به ويتعبدون بواسطته، وبتعبير آخر: هل ارتسمت عندهم خطة لصياغة ما عندهم من اصول فقه في قالب مالكي كما هو المفترض.
وتوصل الباحث في هذا الباب الى ان اسهام الشناقطة في مجال علم الاصول له حظ لا بأس به من الاضافات وليس كما يتبدى بالنظرة العاجلة من انه مجرد اجترار وصدى لما كتب من قبل.
| < السابق | التالي > |
|---|





