تنويه: نلفت انتباه الزوار الكرام أن نطاقنا الصحيح هو دائما: saharamedias.net



عناية الموريتانيين (الشناقطة) بعلوم اللغة العربية وجهودهم الجبارة في خدمتها

محمد ولد محمد فال التيجاني

لقد اعتنى علماء القطر الشنقيطي الموريتاني اعتناءا بالغا بعلوم اللغة وفنونها وسائر أصنافها وأقسامها من مفردات ونحو وصرف وبلاغة وعروض وأولوها اهتماما خاصا إذ بذلوا النفس والنفيس في خدمتها بإحيائها ونشرها بالتدريس والبحث وتأليف الكتب القيمة النافعة.

إن الباحث المطلع والقارئ المتأمل بإمعان في نصوص كتابات الموريتانيين في علوم اللغة ليعرف بحق تمام المعرفة ويدرك بجلاء ووضوح ذالك المستوى المعرفي العالي الذى وصل إلى مقامه هؤلاء الأئمة الأعلام الذين بلغوا في الخبرة بفنون اللغة الذروة القصوى والقمة العليا حتى كاد ينعدم وجود نظراء وأمثال لهم في المستوى العالي الذي وصلوا إليه في المعارف اللغوية في شتى اقطار العالم العربي التي بلغت في الثقافة العربية بمختلف أطيافها اوج نهضتها وازدهارها.

إن هؤلاء الأئمة الفطاحلة النابغين والأعلام الجهابذة اللامعين الذين أشرقت شمس علومهم وفاض شعاعهم الفكري داخل البلاد وخارجها لجديرون بان يقارنوا بأئمة اللغة الأقدمين الذين احتضنتهم القرون الماضية القديمة حيث كانوا من رواد اللغة الحائزين على قصب السبق فيها وقد تركواخلفهم أصناف أمهات كتب اللغة والنحووسائر المعارف اللغوية إذ يعود لهم الفضل العظيم في وضع أصولها وقواعدها ومصطلحاتها حفظا لها من اللحن وسائر عيوب اللغة كسيبويه والخليل بن احمد والمبرد وثعلب وأضرابهم .

وقد كان مصب اهتمام العلماء الموريتانيين بالعربية يرجع إلي أمد بعيد منذ قرون طويلة فقد عنيت المدارس التعليمية (المحاظر) بنشر العلوم عموما وفنون اللغة خصوصا فوقفت في مسعاها ونشرت اللغة خالصة ونقية من اللحن والخلل وأقبل الطلاب في دراسة سائر فروع اللغة بتعمق وتوسع كماوجد طلبة نجباء وعباقرة أذكياءحفظوا متون اللغة وبعض المعاجم العربية.

هذاوقد نوه بعض الكتاب الغربيين وأشاد بمكانة اللغويين الفائقة في المعارف العربية قائلا:(إن بلاد شنقيط كانت في القرون الثلاثة الاخيرة مختصة بالدراسات اللغوية والأدبية مع سائر البلاد العربية).

ومن أكبر الشواهد وأوضح الدلائل على انتعاش سيرحركة اللغة بكافة علومهاوفروعهاوخاصة في حقبة القرن الثالث عشر الهجري مايصوره لنا العلامة الأديب ابن الشيخ سيدي الأبيري في نصوص شعره من نشاط الحركة الثقافية اللغوية الأدبية مع تلك المذاكرات التي يتسامر فيها مع أقرانه من الفتية الأدباء قائلا:

وكم سامرت سمارا فتوا إلى المجد انتموا من فرقدين

حوواأدباعلى حسب فداسوا أديم الفرقدين بأخمصين

إلي أن قال:

وأقوال الخليل وسيبويه وأهلي كوفة والأخشبينن

نوضح حيث تلتبس المعانى دقيق الفرق بين المعنيين

ونحو الستة السعراء ننحوا ونحو مهلهل ومرقشين

وشعر الأعميين إذا أردنا وإن شئنا فشعر الأعشيين

ونذهب تارة لأبى نواس وتارةلأبى الحسين

كما يحدثنا العلامة اللغوي أبده الضغير في بديع شعره عن قوة اللغة العربية وما وصلت إليه من ازدهار في قومه ومحيطه فبقول:

يخوضون في النحو يفشون شره فلا حفظ يطبيك عنهم ولافهما

يخوضون في مهما امهما بسيطة يخوضون في لولا وفي ام وفي اما

وذا منشد(بان الخليط)ومنشد (أمن ام أوفى)أو(صحا القلب عن سلمي)

يخوضون في الأعشى وغيلان مية يخوضون في حسان وابن أبي سلمي

وأكبردليل وأوضح شاهد على شروق شمس الشناقطة في علوم اللغة وفنونها وآدابها لمعان أسماء نخبة ممتازة من فطاحلة رجال العلم والفكر رحلت من بلاد شنقبط (موريتاني) وحطت أقدامها في أرض المسرق العربي وخاصة قي الحجاز ومصر حيث عرفتهم حلقات الحرمين الشريفين واحتضنهم رحاب الأزهر ورواقه ومن أشهر هؤلاء النخبة اللامعة في المعارف اللغوية :العلامة اللغوي الكبير والنحوي الشهير محمد محمود بن التلاميد التركزي ومعاصره العالم الأستاذ الباحث المؤرخ الأديب أحمدالأمين العلوي مؤلف كتاب الوسيط المرجع الرئيسي المعتمد في الأدب و التاريخ عند الشناقطة الموريتانيين.فهؤلاء العلمان الكبيران اللذان سطع كوكبهما في الديار المشرقية قد كانا القدوة المثاى والمرجعية العظمى في القطر المصري إذاعتمدت عليهما دور النشروالطباعة هناك وخاصة في تحقيق ذخائرونفائس كتب التراث العربي والأسلامي لما عرفه المصريون من غزارة علومهما وطول يدهما في المعارف والعلوم.

ورغم التفوق الباهروالمستوى العالي النادرالذي وصل إليه أعلام اللغة الموريتانيين يبقى السؤال مفتوحا والإستفسارمطروحا:متى دخلت اللغة بعلومها المختلفة ربوع القطر الشنقيطي الموريتاني؟ لكن الجواب النهائي الحاسم والشافي للغليل مازال شبه منعدم بسبب قلة المعلومات وشحة المصادر التاريخية التي تسعفنا في هذا الموضوع.وإن كان من الممكن الحصول على معلومات جزئية محدودة تختص بأماكن معينة من البلاد فبعض المصادر التاريخية تفيدنا بأن اول من أدخل عاوم اللغة الى مدينة تيشيت مؤسسها العلامة الشريف عبد المؤمن تلميذ القاضي عياض الذي جلب إليها المعرف اللغوية ضمن ماجلب اليها من مختلف انواع المعارف والعلوم. كماكان زمبله ورفيق دربه في العلوم الحاج عثمان مؤسس قرية ودان أول من أدخل علم النحو اليها من ضمن ماجلب من فنون العربية.وقدذكر العلامة اليدالي أن أول من أدخل النحو الي المنطقة الجنوبية الموريتانبة محمد سعيد بن تكدي في القرن العاشر الهجري.

ومن ملامح عناية الموريتانببن واهتمامهم الشدبد بمعارف اللغة ان العلامة اللغوي والشاعر المفلق امحمد بن الطلبه اليعقوبي رائد المدرسة الجاهلية في الأدب والذي تتجلى نزعته الجاهلية في نصوص شعره كان لايحط رحله إذاحمل عصا التسيار إلا في حي يوجد فيه المرجع اللغوي (القاموس المحيط) كما اشتهر وتمبز شيخه واستاذه إمام اللغة مولوبن أحمد الجواد بالتوسع في استخدام غريب اللغة في قصائده مع جودة شعره الفائقة

هذا ويعتبر المجتمع الموريتاني في نظر العارف به والخبير بأحواله مجتمعا ثقافيا لغويا حيث بسيطر معظم الشناقطة الموربتانيين على ناصية اللغة العربية بمختلف علومها وفنونها وآدابها.

وقد حظيت الثقافة العربية الموريتانية بغاية الإعجاب والتقدير من رموز الفكر والثقافة من العالمين العربي واالغربي فهاهو الدكتور عبد العزيز بن عبدالله السبيل نائب المدير العام لمنظمة التربية والثقافة والعلوم يشيد بالمستوى المعرفي اللغوي العالي الذي وصل إلى قمة هرمه العلماء الموريتانييون رغم كونهم يعيشون حياة بدوية صعبة وشاقة في صحراء قاحلة مترامية الأطراف فيقول:(إنك تدهش لو مررت على راع الإبل في صحراء موريتانيا الواسعة وهو يحدو لإبله بشعرامرئ القيس وعنترة والأعشى).وفي نفس الموضوع ينوه المفتش الفرنسي العام أيام الإستعمار(جيك بيري) بمكانة الموريتانيين في اللغة بل صرح أنه لايوجد بدوي بلغ مبلغ البيضان الشتاقطة في العلم وعلوم اللغة.

وقد بلغ من الموريتانيين من الإهتمام باللغة والإشتغال بها أن ظهرمنهم رجال ونساء لامعون ونابغون في المعارف العربية قد حفظوا بعض الموسوعات والمعاجم اللغوية أوأتوا على جلها ومن أبرزهؤلاء الحفاظ العلامة اللغوي الشهيرعبدالله العتيق اليعقوبي مصنف الكتب النفيسة في فنون اللغة ت1339ه والذي اشتهر أنه كان يحفظ لسان العرب لا بن منظور وكذلك إمام اللغة محمدو بن فتى العلوي ت1337ه فقد كان فريد عصره في علوم العربية وألف فيها الكتب القيمة فكان يحفظ القاموس المحيط وجل المعاجم اللغوية كما برزت السيدة مريم بنت أمين المباركية في مجال اللغة واشتهرت بحفظها لمتون اللغة وقواميسها.

وقداشتهرت بعض المحاظر في القطر الموريتاني بالتخصص في اللغة والندو والصرف إضافة إلى المشاركة في العلوم الأخرى مثل محظرة العلامة المختاربن بونه الجكني ـ1220ه والعلامة حرمه بن عبد الجليل العلوي ت1243ه وبلا بن الفاضل الشقروي ت ه1270وعبالودود بن عبدل والحسن بن زين القناني ت1315ه وسيبويه عصره يحظيه بن عبد الودود ت1358ه

ومن شدة اعتناء الموريتانيين باللغة حثهم الشديد على تعلمها والتوسع في معانيها لأنها آلة ووسيلة لفهم النصوص التشريعية من المصدرين الرئيسيين:القرآن الكريم والسنة المشرفة حتى أن بعض أهل العلم أوجبوا تعلم علوم اللغة على العبادة الربانية ويتجلى ذلك في قول العلامة الولي:

تغلم اللغة شرعا فضل على التخلي لعبادة الجلى

 

صحراء ميديا على الفيس بوك