نواكشوط ـ محمد ناجي ولد أحمدو
رمضان ممطر؛ هو الثاني على التوالي، بيد أن المطر لم يغير تقاليد الحياة الليلية لساكنة نواكشوط في شهر الصيام، ما زال الليل أكثر حركية من النهار، خصوصا وأن رمضان الحالي يأتي في أوج العطل المدرسية.
تبدأ الحياة الفعلية في نواكشوط مع سويعات العصر الأولى، حين يندمج الجميع في معركة التحضير للإفطار، تعيش شوارع العاصمة تحت رحمة اختناقات مرورية مملة، فالعمال غادروا مكاتبهم ومقرات عملهم، والجميع دخل في ماراتون العودة.
يحرص الموريتانيون على أن تكون موائد الإفطار غنية بألوان المأكولات، متعددة الجنسيات، وعامرة بضيوف مختلفين.
بعد التراويح مباشرة، تبدأ حياة "خارج المنازل" في الأحياء الفقيرة يجلسون خارج المنازل اقتناصا لنسمة هواء، فهو رمضان حار، وفي الأحياء الموسرة رحلات شم هواء.
استقطبت الشوارع الهامشية خارج العاصمة أسرا وشبابا جعلوا منها مقر استراحة "مجاني"، "فنادق" شارع عزيز والصكوك، كما يسميها روادها، هي موضة رمضان الحالي، وهناك يحلو السمر..
هنا في هذين الشارعين الخلويين تزدهر تجارة بيع لبن الإبل.. حيث تتقلص المسافة الفاصلة بين أماكن العرض، ليمارس رعاة القطعان المتجاورة سمرهم حول نار واحدة، يحتسون كاسات الشاي، ويتندرون... ويلبون حاجيات الزبناء.
السياقة الاستعراضية وكرة القدم ما زالتا تحتفظان بجمهورهما الرمضاني، كما أن للدراما التركية واللبنانية متابعيها ومتابعاتها في ليالي نواكشوط.
يزدهر كل ليلة ابتداء من ليلة رمضان الأولى، "ديربي" لممارسة تقنيات التحكم في المحرك الخطرة غالبا، لا يعتبر هذا الميدان غريبا على شوارع نواكشوط، فهناك أعلام برزوا في فنون القيادة برجل واحدة، وهناك شباب يتقنون لعبة الدورات الصغيرة المتتالية.
تقف بعض النسوة مشرئبات متابعات للمسابقة الضارية في ميدان تقنيات السياقة، التي يقوم بها شباب يستعرضون مهاراتهم في "اتكاسكادي"، كما يسمى محليا في نواكشوط، على جنبات هذا الشارع في مقاطعة لكصر العتيقة.
تلقى الشباب أولى معارفهم على أرضية حلبة الشاطئ، التي تكتسب زخما أسبوعيا وتعج بنظارة من الجنسين، يتابعون وبحماس ألعاب الشباب، "تحتاج هذه الممارسة إلى قدر كبير من الصداقة مع المحرك، وإلى قليل من الشجاعة"؛ يقول محمد سالم وهو يضع يده على الزناد، أقصد على مقود سيارته استعدادا لجولة جديدة من المرور بين العجلات المتقاربة التي وضعت على الشارع.
سيدي وزملاؤه يجرون آخر إحماءاتهم قبل دخولهم مباراة في كرة القدم مع فريق من الشباب، منذ سنوات قليلة تعج ليالي نواكشوط بدوريات كروية محتدمة، تكتسب هي الأخرى متابعة جماهيرية لافتة، هنا يتنافسون على مبالغ نقدية رصدت بجهود هواة الكرة.
تعلق خداجه السيدة الأربعينية التي تقع أمام بوابة منزلها الساحة التي تتحول مع تسليمة صلاة التراويح وحتى أذان السدس ملعبا صاخبا على شاكلة ملعب سان برنابيو العتيد في مدريد "أعتقد أن هؤلاء الشباب والصبية لو اكتتبوا في فريق المرابطين لمحت موريتانيا تاريخ هزائمها وإلى الأبد".
بينما لا يخفي مرزوك العامل اليدوي الذي كتبت عليه ضرورات توفير لقمة العيش لأسرته المكونة من أربعة صبية وفتاتين التبكير للضرب في الأرض في معركته المفتوحة مع حاجيات الحياة تبرمه بلاعبي الكرة الذين يحرمونه بصراخهم وتصفيقات جماهيرهم من ساعات نوم ثمينة.
يلعب الشباب في ملاعب نواكشوط عادة وفق طريقة "المرمى الصغير" التي يكون فيها جميع اللاعبين مهاجمين ومدافعين وحراسا للمرمى في نفس الوقت، "إنه أسلوب جيد، نستهلك فيه كل مقدراتنا البدنية، وتقوم كل العضلات بدورها فيه، و يفتح شهيتنا للسحور حتى آخرها، خصوصا أن رمضان نواكشوط هذه السنة ملتهب؛ يقول جمال وهو يمسح حبيبات عرق تناثرت من جبينه.
| < السابق | التالي > |
|---|











