ماري تريز: فتاة في العقد الثامن من عمرها..!!
الربيع ولد ادوم - نواكشوط
في اروقة جمعية المختار ولد داداه وسط العاصمة نواكشوط تتحرك سيدة في العقد الثامن من العمر بنشاط وحيوية متدفقة، تعلق لوحة هناك وتسحب صورة مؤطرة من هنا.. وتجلس في مكتبها لتدير أجندة مليئة بالأحداث واللقاءات والأنشطة الثقافية والاجتماعية.. والأسفار..
اليوم تعيش "مريم داداه" كفتاة حالمة، قلبها عامر بالحب الذي يهزم الزمن، تعيش بين ثلاث ملايين نسمة تعتبرهم كلهم عائلتها الوحيدة.. وتفاجؤك هذه السيدة بتجدد روحها الدائم وقدرتها العجيبة على ان تكون حاضرة حينما تتكلم، ونبرتها الشابة التي لا تعترف بإرشيف السنين.
وفي مكتبها، استقبلتنا بابتسامتها الدائمة، فهي موريتانية مسلمة في الصميم، وأول ما يطالعك هو المصحف الشريف الذي يأخذ مكانه المحفوظ على مكتبها الشخصي تماما كما يأخذه في منزلها.
كثيرون يطويهم الزمن بعد ان يخبوا عنهم بريق السلطة، ويخرجوا من نوافذ قصر الحكم في موريتانيا.. ينساهم الناس ويقبعون بعيدا، حيث لا يعكر صفوهم تاريخ ولا مذكرات، ويلملمون أحلامهم ليرتدوا من جديد اثواب البساطة..
مريم داداه تختلف عن هؤلاء.. انها أول زوجة لرئيس موريتاني.. ورغم مرور نصف قرن على مجيئها الى موريتانيا في العام 1959 الى الجمهورية فإنها لا تزال حديث الناس.. وحاضرة في كل الأنشطة وتعمل بشكل دائم على إحياء تراث زوجها.
صور الرئيس الراحل تبعث الدفئ في عقدها الثامن الذي ملأته التجارب، وقلمه الرحيل، وعطره دفئ الاختلاط بين صقيع باريس ورطوبة نواكشوط.. حيث توزعت السيدة بين "أصلها" الثابت في مدينة الأنوار... وفروعها" الممتدة في موريتانيا حيث رزقت بولدين وبنت (محمدن 1966 – فايزة 1968 – عز الدين 1971).
بكت مريم داداه كثيرا بفعل تقلبات السياسة.. وأحبت رئيس البلاد، وعاشت هنا ورحلت عن باريس.. ورحل زوجها الى مثوله الأخير، لكنه باق في وجدانها كما تردد دائما بنبرتها الحكيمة، وكأنها تودع وصيتها الأثيرة في قلوب أبنائها: "ولد داده لم يغب لحظة.. انه حاضر في كل مكان والناس يتحدثون عنه في كل يوم".
في مكتب مريم جلست لتروي قصاصات من حياتها، استقبلتنا على طريقة الموريتانيين.. انها تشرب الشاي الموريتاني وتعنى بضيوفها الموريتانيين بالطريقة التي تعلمتها من زوجاها: "تعلمت من المختار كيف أتعامل مع الموريتانين، كان يقول لي ما يجب فعله وما لا يجب.. لذلك كنت حريصة على استشارته في كل شيئ".
تتحدث مريم عن المختار، كمثال ملهم للأجيال:(سأحدثك عن المختار ليس كزوج وشريك حياة.. بل كإنسان، إنه رائع وشخص نموذجي، ذكي جدا ومستقيم، وشخص أخلاقي ومهذب.. ولفت انتباهي اكثر انه لم يكن ينحني للفرنسيين رغم انهم حينها دولة راقية تستعمر بلاده.. وهو ليس شخصا غامضا، ويتميز بالفصاحة، ورغم انه كان يلبس الثياب الاوروبية دائما، الا انه لم يكن يحبها، كان يتعلق بـ"الدراعة الموريتانية" التي تعبر عن هويته.. وهذا كان مقنعا لي في شخصية هذا الرجل الذي أصبح فيما بعد الرئيس الأول لموريتانيا) .
هل تعرفت السيد الفرنسية على فارس أحلام في سن المراهقة.. ان انها كانت المهمة التاريخية التي هيأتها لها الأقدار بأن تكون شريكة حياة لأب الأمة الموريتانية، لذلك يعلق في ذهنك ذلك السؤال المرير.. ترى هل أحبت مريم او تزوجت قبل المختار.. لكن الإجابة حاضرة في ذهنها حيث تأخذك عباراتها الى عالم العواطف النبيلة التي تعيش عبر الزمن: (نهائيا.. انا عموما انحدر من اسرة متواضعة معنويا وماديا وملتزمة ايضا، لذلك ما كان ليدخل حياتي إلا رجل على مستوى قناعتي، لأنه ليس لدي وقت أضيعه، وكنت أسعى للرفع من شأن عائلتي من خلال دراستي وتفوقي.. والمختار هو اول رجل في حياتي واعتبره نموذجا لكي ترتبط به امرأة مثلي).
طبعا كانت هنالك ابعاد لحب كبير بيننا –تضيف ماري تريز- وكذلك تفاهم كبير حول الكثير من القضايا.. وكنا في جبال الألب ذات مرة.. حيث يقضي المختار مرحلة نقاهة بعد وعكة صحية.. وتقدم لطلب الزواج مني.. ووافقت لأنني رأيت انه الرجل الذي ابحث عنه كشريك.. وكان زواجنا بعد 3 سنوات من تعارفنا في كلية الحقوق بجامعة باريس حيث جمعنا اول لقاء حين كنت اعمل على التنسيق مع طلاب مسلمين لادعوهم الى محاضرة حول الاسلام في إطار أنشطة ناد ثقافي كنت عضوة فيه.
وعن الزواج وتاريخه ويومه تسترجع مريم أحداثا مر عليها اكثر من نصف قرن، كأنها خلصت منها لتوها: (يوم 4 نوفمبر 1958 في باريس تم زواجنا.. وهو زواج إسلامي، وكذلك قمنا بزواج مدني في المقاطعة 14 في باريس.. والحقيقة ان والدتي "ريموند" رحمها الله، كانت قلقة بشأن الزواج، وكانت متحفظة رغم انها تثق في خياراتي، لكنها مع مرور الوقت أصبحت تعتبر المختار في مثابة ابنها).
أثناء الحديث مع مريم لاحظنا ان صورة شخصية للمختار ولد داداه غطت الجدار في مكتبها الشخصي حيث يمكنها ان تكون في مواجهته، وان تتطلع دائما الى ذلك الوجه الذي ألهمها الحكمة وجعلها تؤكد "انا فرنسية وموريتانية.. أصلي هناك وعائلتي هنا.. 3 مليون هم أفراد عائلتي في موريتانيا.. كل الناس في هذه البلاد هم عائلتي، لذلك أنجبت كل أبنائي هنا رغم نصائح الأصدقاء بان أسافر الى فرنسا، لأن موريتانيا ليس فيها بنى تحتية صحية تليق بسيدة أولى".
وهنالك دائما لحظات جميلة أو ملفتة او حزينة تطوي تمدد الأيام والليالي على طول خارطة الزمن.. كأنها وشم على وجه الحياة، نتذكره بشكل دائم.. ولأن مريم هي أول "سيدة أولى" في موريتانيا مارست الرحيل من بلادها مع زوجها فهي تتذكر الكثير من الأحداث، لكن أحداثا بعينها شكلت جزءا من شخصيتها التي تشكلت كما تتشكل رمال هذه الأرض، بفعل الرياح والعواصف والأيام.. فكانت رمال الصحراء وعواصف الانقلابات وأيام السياسة محطات كبيرة في حياة هذه السيدة الوفية للتاريخ والقادرة دوما على الحديث بصراحة مطلقة.
ولأن مريم جاءت الى موريتانيا في العام 1959 كان لزاما ان نرصد جانبا من رؤيتها لموريتانيا في ذلك الوقت والتي كانت مستعمرة فرنسية.. فأجابت:
لم أكن اعرف شيئا عن موريتانيا ولا عن إفريقيا.. وقد جئت لهذا الوطن في فترة مميزة لان مجموعة الدول الإفريقية المستعمرة من فرنسا كانت تعيش في فترة انتقالية وتسير ببطئ نحو الاستقلال.. ولم أكن أتفهم إطلاقا كيف ان دولة تستعمر دولة أخرى بحجة تطويرها او لأنها أفضل منها، وقد التقيت بالرئيس الموريتاني السابق في كلية الحقوق في باريس.. وهو حينها يواصل دراساته العليا ويحضر لان يكون محاميا وانا كنت أواصل دراساتي في اتجاه ان أمارس القضاء.. وتحدثنا حول سياسة فرنسا في افريقيا.. واكتشفت انه وطني وله أفكار متطورة وتبدو أفكارا متنورة وقبل أوانها.. لان موريتانيا حينها ليست بلادا بالمفهوم الحالي.. ومنذ اول يوم كنا متفقين في الافكار.. الشيء الذي لا يعرفه الكثيرون عن موريتانيا هو كون المختار اكتشف هذا البلد وصنع منه بلادا في ذهنه وجعل منه قضية.. وكان يجعل موريتانيا فوق كل اعتبار.. لهذا اكتشفت ان وطنا ينجب أبناء بهذا النوع من الوطنية يستحق ان ينال استقلاله وحريته.
عندما سألت مريم عن حزب الشعب كان الحزب بأفكاره وأبعاده حاضرا في ذهنها بقوة:
كنت في بدايات مقدمي لموريتانيا فتاة مسيحية فرنسية لا تعرف تاريخ هذا البلد ولا عاداته ولا تقاليده.. لكن مع ذلك كنت اهتم بقضايا هذا الوطن وافتخر بذلك حتى اليوم.. ولكنني أحس انني زوجة رئيس أمامه تحديات وان لدي مسؤوليات يجب ان أتحملها.. وفي هذا الإطار جاء حزب الشعب، وهو خلاصة لاتحاد 4 أحزاب، وكان يعكس اهتمام الشعب، وكنت احضر مؤتمرات هذا الحزب بدون استثناء.. كنا مقتنعين بتثبيت مقتنع الديمقراطية.. ومحاربة الفقر والجهل.. وكنا نسعى لتثبيت حقوق المرأة والرفع من مستواها وفتح الحوار مع الشباب.. وكل التطورات التي حصلت في البلاد كنا نؤسس لها في تلك المرحلة.. اذكر في 1963 أي بعد استقلال موريتانيا بـ 3 سنوات قرر الرئيس الاستغناء عن المساعدات التي كانت تمنحها فرنسا، وعندما سأله المستشارون عن ذلك قال: سأسير بلادي كما يسير الرجال أمور عائلاتهم.. ليس بالضرورة ان يكون الرجل غنيا، لكن عليه ان يكون مستقلا ومسؤولا.. الاستقلال يعني المسؤولية.. وموريتانيا تستطيع الإنفاق على نفسها.. كان المختار رجلا مثاليا وطيبا وطموحا، وكان يسعى لتكون علاقاتنا مع كل الدول مبنية على التوازن والاحترام المتبادل.
وحول انقلاب يوليو 1978 تقول مريم: لقد أصبح الموضوع الآن تاريخا.. لكن من الأكيد ان موريتانيا لم تصل الى الاستقرار المطلوب حتى اليوم منذ حدث ذلك الانقلاب، وانا يؤسفني جدا ان تصبح حلول مشاكلنا تأتينا من الخارج.. واعرف جيدا ان المختار ولد داداه لو كان موجودا لما كنا هكذا.. اذكر بعد هذا الانقلاب انني كنت أحاول عبر الرؤساء الأفارقة وخاصة "سينغور" ان أعود الى موريتانيا لكن العسكر كانوا يقولون حينها "إننا نخشى عليها من الغضب الشعبي" (تبتسم مريم معلقة على ذلك).. بعد ذلك تغيرت الأمور كثيرا وعدت الى موريتانيا وربيت أبنائي، اليوم تغيرت أشياء كثيرة وهنالك الكثير من الأحداث التي حصلت على طول هذه الفترة ربما ستصدر في كتاب مذكراتي القادم.
كان علي أخيرا ان اسأل مريم ذلك السؤال الذي تردد كثيرا على السنة الكتاب: هل مريم داداه هي السيدة التي حكمت موريتانيا 18 عاما وملكت قلب الرئيس الأول المختار ولد داداه.. فاجابت دون تردد:
الحقيقة ان من يقولون هذا الكلام ليسوا متعودين على رؤية امرأة تهتم بالسياسة، وكونهم يرونها تلعب دورا الى جانب زوجها هذا يجعلهم يتهمونها بالسيطرة على شؤون الحكم.. ثانيا ربما جهل الكثيرين بشخصية الرئيس "المختار ولد داده" يجعلهم يعتقدون ذلك.. سأقول لكم شيئا: "المختار" شخص محاور، وكان يستمع الى كل الافكار من أصدقائه ومستشاريه وطبعا من زوجته.. وأنا فعلا كانت لدي أفكار مهمة حول بعض القضايا، ولست سيدة منزل فقط، فانا اعمل وأقدم أفكارا ولدي مسؤوليات كزوجة رئيس ولازلت ألعب نفس الدور.. وكونك تعيش قريبا من رئيس دولة، يجعلك تستطيع ان توصل إليه أفكارك، ولكن هذا لا يعني انه دائما يأخذ برأيي، فهو الذي كان يقرر في النهاية.| < السابق |
|---|











