الرأي

آلفا يعود إلى وطنه/ عبد الله محمدي

آلفا يعود إلى وطنه/ عبد الله محمدي

 

عندما وصلت إلى نواكشوط لأول مرة كان ذلك في منتصف السبعينيات.. ابن الريف الذي كنته بدا مشدوها بكل شيئ.. أضواء أعمدة الكهرباء، ومبني الإذاعة ومقر جريدة الشعب ومطعم زبيده.

حضرت آخر المهرجانات التي عقدها الحزب الحاكم آنذاك، والذي أشرفت عليه حرم رئيس الجمهورية مريم داداه في إطار الحملة الشاملة للإعداد لتطبيق الشريعة الإسلامية.
سيركب كل الحكام؛ لاحقا، ذات الشعار كلما أرادوا التقرب للشعب أو محاولة إلهائه عن وضع صعب وجلل.
وجدت نفسي مشغولا بأشياء كثيرة في الوقت المتسع للعطلة الصيفية التي أفسدت متعتها حرب الرمال القاتلة التي وصلت قذائفها أبواب نواكشوط.
 وزعت وقتي بين المهرجانات الحزبية وزيارة الإذاعة وجريدة الشعب، مفتونا بهواية مهنة كانت تتسلل كالفيروس إلى جسدي الفتي.
سأستحضر فيما بعد ما قاله  غابريل غارسيا ماركيز؛ وهو يتذكر ماضيه، بأن الصحافة هي أجمل مهنة في العالم.
في نواكشوط الفتية، والتي كان عمرها وقتئذ عقدين من الزمن، كانت الشوارع نظيفة، والمحلات التجارية مرتبة، والمطاعم قليلة، لكنها تستهوي الأجانب أكثر من أبناء البلد.
كنت أتسلل إلى المطعم القريب، أبحث عن مذاق التوابل، عن الطعم الذي لا تستوعبه مطابخنا الريفية اللهم إلا في المناسبات القليلة.
 كان اسم ذلك المطعم  باسم صاحبته “زبيده”؛ معلمة اللغة الفرنسية  في احدي مدارس نواكشوط الابتدائية، التي أصبحت صاحبة أكثر المطاعم شهرة في نواكشوط في تلك الأيام.
طباخ المطعم ونادله الأشهر هو شاب غيني طويل القامة اسمه “ألفا”، يظل اسم ألفا يتردد في الصالة الطويلة مشفوعا بطلبات كثيرة ومتنوعة يكافئ الفتي الغيني زبائنه بابتسامة عريضة وربما بإضافة مزيد من المرق أو الأرز؛ حسب نوع الطلبات.
كلما تردد اسم ألفا كلما شعر أصحاب المطعم بالرضى، وازدادت المداخيل، وتوسع الرزق، الغيني المنتمي لقبائل الفلان العريقة اختصر تاريخا من الهجرة إلى موريتانيا.
كان الآلاف  من مثله الذين سد عليهم  الرئيس الغيني الراحل احمد شيخو توري أبواب الرزق وحاصرهم، رحمه الله، في أرزاقهم فسلكوا طرق الهجرة إلى أوطان شتي  منهم الطلبة والسياسيون  والعمال البسطاء، يغسلون اللباس ويطبخون في البيوت ويبيعون الطعام الرخيص في المطاعم الشعبية.. مع مرور الزمن سيطلق عليهم الموريتانيون جميعا اسم “جلوات”.
نسيت ألفا، فقد جرت مياه كثيرة في نهر الزمن، وربما أصبح المطعم الذي عمل به بيتا عائليا، أو شققا مفروشة.
نقلت زبيده عملها إلى فندق جديد في احد أحياء نواكشوط الحديثة العهد بالعمران، وضاع ألفا في أروقة المطبخ، لكن رسائله ظلت تصل إلى اللسان والمعدة دون إيضاح اسم المرسل في مطعم الفندق الجديد.
الطعم لم يتغير، والغيني الذي شاخ لم يعد يظهر إلى العلن، فقد تغيرت أشياء كثيرة من طريقة العرض وحتى أسلوب تقديم الطعام إلى الزبائن.
في رحلة إلى داكار وجدت زبيده؛ صاحبة فندق حليمة، في صالة الركاب وقد بدت متأثرة تذرف دموعا غزيرة.. وقبل أن أباغتها بالسؤال عن دوافع البكاء عرفت السبب، وجدته هو ذات الغيني العجوز  في مقعد متحرك وقد اصفرت عيناه، وبدا المرض في وجهه الشاحب وابتسامته الخافتة.
الرحلة إلى داكار  ومن بعد إلى كوناكري ستمضي به إلى المستقر الأخير، وجدتني أجلس بجانبه.. لم يعد الرجل قادرا علي الإفصاح، فلغته الفرنسية متكسرة، والابتسامة انتزعت منها أسنان بقيت لثتهما فارغة.
قال لي آلفا، بمزيج لغوي بين الفرنسية ولغة الفلان، إنه ذاهب إلى مرتفعات الفوتاجالون، حيث تنتظره الأسرة التي افتقدها منذ أربعة عقود، وانه سيستقر هنالك لبعض من الوقت  دون أن يذكر المرض الذي يأكل جسده المترنح.
كان آلفا مشغولا بمضغ الطعام الذي قدم له على متن الطائرة الموريتانية، طعام بارد يفتقد لأي طعم.. ربما كان بإمكانه إبداء بعض الملاحظات على طريقة الطبخ، ولكن هيهات.. ماذا عساه أن يقول وقد وصلت محطات العمر إلى النهاية.
قلت في خاطري: هذه هي غينيا.. لا يصلها آلفا إلا في محطته الأخيرة، يستوي في ذلك آلفا القادم من موريتانيا، وآلفا الذي غدا رئيساً في عقده السابع، كلاهما تقاسما الهجرة وصعوبة الحياة والأحلام العصية علي التحقيق.
آلفا كوندي أصبح رئيساً في خريف العمر، وآلفا الطباخ لن يجد متسعا من الوقت ليروي تجربة عمر ضاع سدي بين الطعوم والصحون كان بإمكانه هو الآخر أن يكون رئيساً… ولو للطباخين.
أكبرت في السيدة وهي تودع الغيني العجوز وفاءها، فهو نادر في هذه الأيام.. راقبت ألفا، وهو يمضي وحيدا إلى غربته الجديدة التي كانت وطنه الأول،  فما هي فائدة الوطن حين يصله المرء ولم يبق من العمر متسع.. غير انه بدفء الأحبة ربما يكتب للرجل عمر جديد.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة