مقالات

أراجيف السبت والعبر المستخلصة: “وقد خاب من افترى”

أراجيف السبت والعبر المستخلصة:
لا شك أن هناك بعض اللحظات التي قد تتطلب من الجميع وقفة شهامة وفروسية ووطنية وإيمان وإخلاص؛ وأن ينسى الجميع أو يتناسوا كل الأطماع أو الأحقاد أو الأماني والمطامح الجامحة…؛ ذلك أنه ما من أمة إلا وسيجري عليها حتما ما كتب لها من محن وابتلاءات؛ قال الذي بيده الملك حقا وحقيقة جل جلاله وعم نواله وتبارك اسمه وتعالى جده؛ في محكم كتابه المنزل إلينا شرعة ومنهاجا إلى يوم الدين: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ (التوبة/ 51). وسواء تعلق الأمر بكوارث طبيعية أو أضرار أو إصابات مادية أو بشرية أو استهداف لرموز وطنية أو غير ذلك مما لا يمكننا حصره؛ فإنه يمكننا عموما أن نعتبره أفضل فرصة ومحك لإبداء روح الوطنية والشهامة والإخلاص.
لكن ما يهمنا الآن في هذا السياق هو بالذات حادث “أطويله” الذي أصيب من خلاله وبطريق الخطإ السيد رئيس الجمهورية محمد بن عبد العزيز -شفاه الله- يوم السبت 13/ 10 / 2012؛ وما أعقب ذلك من عملية ناجحة في المستشفى العسكري بانواكشوط ثم مواصلة العلاج بفرنسا. وعلى العموم فقد كان من الممكن أن تمر الأمور كلها كما ينبغي وكما بدأت عفويا؛ في جو طبيعي يملؤه التعاطف والشعور بالمسؤولية. كان ذلك قبل أن يشرع بعض المرجفين في المدينة منذ مساء السبت الماضي (27/10/2012) في تجربة أساليب قديمة جديدة منافية لتعاليم ديننا السامية وأخلاق مجتمعنا الأصيلة وما تمليه علينا اللحظة التاريخية الراهنة من أمانة ومسؤولية عالية وترفُّعٍ عن كل الأغراض الآنية وتشبث بالوحدة الوطنية وحفظ للاستقرار والسكينة العامة للبلاد وصيانة لمكتسباتها وإنجازاتها الثمينة. ومن ثم اجتناب استخدام الأكاذيب المحاكة والقيل والقال والإشاعات المغرضة؛ والتي لا يخفى على أحد ما تحمله من محاولة خائبة بفضل الله تعالى وحسن تدبيره ولطفه بنا جميعا؛ للعودة بنا للوراء من خلال إرباك دوائر القرار والسلطة في البلاد والتي تعمل كلها بتوصيات وتوجيهات من رئيس الجمهورية رغم وجوده في فرنسا لاستكمال علاجه. وقد تمثلت تلك المحاولات المشينة بالأساس في تحريض جيشنا الوطني وقادته الأوفياء وإثارة الأسئلة غير الضرورية في هذا الوقت بغرض خلق جو من التشاؤم والإحباط لدى عامة الناس؛ كما هي طبيعة عمل المرجفين في كل زمان ومكان؛ قال جل من قائل: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أَو الخوف أذاعوا بِه ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾ (النساء/ 83).
وقد نسي هؤلاء أو تناسوا قول المولى جل جلاله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (الإسراء/ 36) وقوله تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ (ق/ 18).
وغابت عن هؤلاء –هدانا الله وإياهم- تلك الصورة المروعة التي نقلها لنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم نصحا وتخويفا وزجرا وبيانا لما أعد الله لمن يطلقون الإشاعات الكاذبة من خزي وعذاب؛ فقد أخرج البخاري من رواية سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: {هل رأى أحد منكم من رأيا؟}؛ فيقص عليه من شاء الله أن يقص؛ وأنه قال لنا ذات غداة: {إنه أتاني الليلة آتيان؛ وإنهما ابتعثاني؛ وإنهما قالا لي: انطلق؛ وإني انطلقت معهما؛ وإنا أتينا على رجل مضطجع؛ وإذا آخر قائم عليه بصخرة؛ وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه؛ فيثلغ رأسه؛ فيتهدهده الحجر ههنا؛ فيتبع الحجر فيأخذه؛ فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان؛ ثم يعود عليه؛ فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى!}؛ قال: {قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟؛ قالا لي: انطلق؛ انطلق؛ فانطلقنا؛ فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم على رأسه بكلوب من حديد؛ وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه؛ ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه؛ ثم يتحول إلى الجانب الآخر؛ فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول؛ فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان؛ ثم يعود عليه؛ فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى}؛ قال: {قلت سبحان الله! ما هذان؟} قال: {قالا لي: انطلق انطلق؛ فانطلقنا؛ فأتينا على مثل التنور…إلخ} وفي آخره: {أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب؛ يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق؛ فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة…إلخ}. (أخرجه البخاري في الصحيح).
ولعل أعظم وأخطر أنواع الكذب والافتراء -بعد الافتراء على الله ورسوله- نوعان:-
أحدهما؛ ما كان ضرره يستهدف الأمن والسكينة العامة في البلد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا﴾ (الأحزاب / 60). قال البغوي في تفسيره عند هذه الآية: “والمرجفون في المدينة “بالكذب؛ وذلك أن ناسا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقعون في الناس أنهم قتلوا وهزموا ويقولون قد أتاكم العدو ونحوها”
والثاني ما كان صاحبه يظهر ببعض الصفات الدينية ويتظاهر بقدر من المسؤولية. وأخطر من ذلك إذا اجتمع الوصفان أو الشرطان كليهما؛ أعني تعلق الافتراء بالأمن والسكينة العامة في البلد وهذا الوصف الثاني.
وعلى كل حال يعتبر المفتري على الله الكذب مهما كانت صفته ظالما من الدرجة الأولى قال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (الصف / 7). فقوله تعلى: أظلم صيغة مبالغة والاستفهام استنكاري:أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام…وقوله تعالى: يدعى إلى الإسلام قرأها طلحة بن مصرف يَدَّعي بفتح الياء والدال المشددة؛ ذكره القرطبي في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن”.
وكذلك فإننا عند تتبع الآيات التي تتحدث عن الافتراء أو المفترين فإننا لا نجد لهم نصيبا في القرآن إلا في الصفات غير المحمودة إطلاقا فهم الظالمون وهم المجرمون وهم الكاذبون وهم الفاسقون…حسب سياق الآيات الواردة فيهم؛ وليس هذا فقط؛ بل إن المولى جلت قدرته قد لعن الخراصين المفترين في محكم كتابه وضمن خيبتهم؛ حيث يقول جل من قائل: ﴿قتل الخراصون﴾ (الناريات/ 10) قال الطبري وغيره معناه: “لعن المتكهنون الذين يتخرصون  الكذب والباطل فيتظننونه” ويقول سبحانه وتعالى على لسان نبيه موسى عليه السلام: ﴿…ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى﴾ (طه/ 61) قال ابن القيم رحمه الله: “وقد ضمن سبحانه أنه لا بد أن يخيب أهل الافتراء ولا يهديهم و أنه يسحتهم بعذابه أي يستأصلهم” (الصواعق المرسلة/ 4/ 1212).
وأخيرا فإن كل ما يرد من نصائح وزواجر حول الإفك والافتراء وإثارة الفتن والشائعات الكاذبة ومن يتلقونها بألسنتهم –وبأقلامهم وبمواقعهم- و السعي إلى زعزعة الاستقرار العام والنيل من أعراض المسلمين الأبرياء وأذاهم في غير حق شرعي…؛ فإن نصيحتي الخالصة لكل الإخوة العاملين في الحقل الإعلامي ولاسيما أصحاب المواقع الإلكترونية هي الاستماع باهتمام خاص إلى تلك النصائح؛ ليعرف كل واحد منهم أين هو من ذلك؛ فيحمد الله ويطمئن على نفسه؛ أو يرى من نفسه ما لا تحمد عقباه؛ فيسعى للعمل على تغيير منهجه وإصلاح حاله ليتدارك نفسه قبل فوات الأوان.
وإني والله لممن يجلون مهنة الإعلام النبيلة ويقدرون أصحابها أيما تقدير؛ وذلك إن كانوا ممن يأخذونها بحقها وشروطها من صبر وتضحية وتجرد وتثبت..؛ ولم يصبح الإعلام في عصرنا يشكل بأركانه الثلاثة وأهدافه (الإخبارية والتوجيهية والترفيهية) سلطة رابعة؛ إلا لأن الناس انتبهوا إلى الدور الكبير الذي أصبح يلعبه في توجيه المسار الاجتماعي وقدرته على التغيير في مجريات الأمور؛ ولكن هذا التغيير لا ينبغي ولا يجوز بطبيعة الحال ولاسيما في الدول الإسلامية غير العلمانية كدولتنا أن يكون إلا بالطرق الإيجابية الشرعية التي تراعى فيها حدود الله وضوابط شريعته السمحة؛ فذلك حقا هو الإعلام الإسلامي. وليس إعلاما إسلاميا كل إعلام لا تراعى فيه الضوابط الشرعية والمنهج الإسلامي؛ وإن كان في دولة إسلامية أو كان القائمون عليه مسلمين أو حتى إن كانوا من أعلم العلماء؛ وهذا أمر ينبغي أن ننتبه له جميعا.
وعلى الرغم من الطفرة الإعلامية في بلادنا بشقيها الرسمي والحر وما حملته إلينا من شخصيات عديدة قديمة وجديدة متميزة في مهنيتها عالية في أخلاقها؛ إلا أنني قد أطلعت بنفسي على بعض المواقع نرجوا من الله الهداية لأصحابها؛ فإنهم لا يتقون الله فيما ينشرون؛ ولا يسألون أنفسهم أو غيرهم فيما يجوز لهم نشره وما لا يجوز؛ بل إنهم كحاطب بليل؛ فلم أتبين في الحقيقة على أي معيار ينشرون؛ فإن كانوا يقترفون ذلك عن قصد وتعمد فهي مصيبة في إعلامنا؛ وأما إن كان يقع منهم ذلك عن جهل وعدم وعي فالمصيبة أعظم كما يقال؛ فهؤلاء إن تمادوا على هذا النحو المسيء إلى هذه المهنة الشريفة قبل أن تتعدى إساءته لغيرها؛ فإني قد أرى من الواجب على أهل العلم أن ينبهوا على أمثال هؤلاء ويحذروا من التعاطي معهم أو التعاون بأي شكل من الأشكال؛ لقوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان؛ ولكن المهم قبل ذلك هو: كيف يرعوي هؤلاء ويتراجعون عن غيهم وعدوانهم؛ فيا حسرتهم وندامتهم يوم تحين منية أحدهم فيجد نفسه فجأة وهو ملقا لقفاه ورجل يقف على رأسه بكلوب من حديد يشرشر به شدقيه الواحد بعد الآخر…؛ هذا إن لم تتداركه العناية الإلهية فيبادر إلى التوبة بشروطها المعروفة…فالله تعالى يحب التوابين؛ وقد قال جل من قائل: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ (الزمر/ 53).
ولعلنا من خلال الحلقة القادمة من هذه السلسلة التي أثارتها لدينا تلك الأراجيف السبتية نتطرق بعون الله تعالى إلى بعض الأسئلة والإشكاليات ذات الصلة؛ وتحديدا: ماذا نقول عن الوضع السياسي في البلاد ؟ وهل هناك أزمة حقا؟
(مقاربة في فقه السياسة الشرعية)
وختام المسك: ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين﴾ (النور/17)
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة