تقارير

أمبود.. ذاكرة “العبيد الأحرار” وقصة طوفان متجدد

على بعد مائة كلم من مدينة كيهيدي، عاصمة ولاية كوركل، تتراءى من تحت مرتفع جبلي مقاطعة أمبود، المدينة التي لم تُبقِ منها الرامسات والأمطار غير مبان متهالكة يخيّل إليك وأنت تستند إلى جدرانها الخائرة وتتجول بين دروبها وأحيائها التائهة في عوالم النسيان، أن أبنيتها الطينية تهمس لك؛ وتستغيث بملء صوتها الجهوري لعلها تخترق وقر الآذان الصماء لتروي مأساتها مع فيضانات شردت عشرات الأسر؛ ودمرت أزيد من سبع مائة منزل.
 
في السنة الماضية استيقظت أمبود على وقع أمطار طوفانية، خلفت أضرارا ورعبا لدى السكان، فقد أدى انهيار سد المدينة الرملي إلى تدفق كميات كبيرة من المياه؛ تسربت إلى المنازل وجرفت أكوما من الحجارة والوحل.
 
دمرت الفيضانات مئات المنازل وخلفت خسائر مادية جسيمة؛ إضافة إلى تشريد ونزوح عشرات العائلات؛ فيما لم يكن تدخل السلطات يتناسب مع مستوى حجم الكارثة التي لا يزال شبحها المخيف ينشر جناحه فوق المدينة المنكوبة.

المقابر العائمة
 
زيدان ولد معطلل أحد الشهود على حجم المأساة التي ضربت المدينة، يروي لـ”صحراء ميديا” قصته المخيفة مع السيول؛ حيث يقول: “فوجئنا في تلك الليلة بهياكل عظمية؛ تجرفها السيول وتقتحم علينا المنزل؛ فتبين أنها رفاة لمقبرة المدينة التي لم تسلم من الطوفان”.
 
جرفت السيول مقابر المدينة بعد أن شردت الأحياء فيها، وفي تلك الفترة أصبح الأموات الجدد معلقون بين علمين؛ يقول زيدان: “وجد أهالي المدينة صعوبة كبيرة في دفن موتاهم خلال تلك الفترة؛ وعاش السكان حالة من الرعب من تجدد الأمطار، لقد كنا خائفين وننتظر أن تتدخل الحكومة بشكل حقيقي وفعّال”.
 
كان السكان يطالبون السلطات بالتدخل من أجل إصلاح وترميم السد؛ حتى لا تكرر الكارثة؛ وجددوا مطلبهم لدى وصول الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى مدينتهم يوم الأحد الماضي.
 
كانت المطالب التي رفعها سكان أمبود في وجه الرئيس عديدة، في مقدمتها إحصاء السكان المتضررين وتعويضهم عن الخسائر؛ بالإضافة إلى مساعدتهم على تشييد منازل إسمنتية صالحة للسكن، وهنا يقول انجبان ولد محمود: “بيوت الطين؛ والأعرشة الخشبية لم تعد مكاناً صالحا للعيش؛ ولا ينبغي لدولة تمتلك موارد ضخمة أن تقبل لمواطنيها أن يسكنوا في ظروف غير ملائمة”.
 
وبعيداً عن آثار ما أصبح يعرف بـ”طوفان أمبود”، تبقى المدينة كجميع المدن الموريتانية تعاني من نواقص رغم بعض التحسن، يقول انجبان: “لقد شيدت الحكومة طريق كيهيدي- سيلبابي الذي يمر من مدينة أمبود؛ وساعد ذلك في فك العزلة عن مدينتنا؛ وساهم في تحسين ظروفها؛ لكن المقاطعة وخصوصا أحياءها القديمة لا زالت بحاجة إلى مساعدات كبيرة؛ تتمثل في إنشاء مدرسة عصرية؛ فالتلاميذ يتكدسون في حجرات ضيقة ومتهالكة؛ ويتلقون تعليمهم على يد معلمين عقدويين لا يمتلكون مؤهلات وهو ما جعل التلاميذ دون المستوى”، وفق تعبيره.
 

في حي “العبيد الأحرار”
 
ما إن تتجاوز الأحياء الجنوبية للمدينة حتى يستقبلك (حي ليبريتى) وتعني “حي الحرية”، الذي أسس مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، وتتحدث بعض المصادر والمراجع التاريخية أن الاستعمار الفرنسي أسسه ليكون ملاذاً آمنا للفارين من نير العبودية وسطوة الأسياد، وهكذا خرجت إلى النور مدينة أمبود التي لا يزال حيها القديم يحتفظ بنفس الاسم.
 
لكن سكان المدينة لديهم رواياتهم المختلفة والمتباينة حول نشأة المدينة،، وإن كانوا يتفقون على أن أول من سكنها هو رقيق أسود يدعى “أمبود”؛ شرع في استغلال أرضها وزرع فيها صنوفا مختلفة من البذور؛ فبدأت تتجمع حوله الناس وحملت المدينة الجديدة اسمه، وفق ما يقوله بلال ولد أعمر، واحد من رجال المدينة.
 
يفتخر بلال بأن مقاطعته اليوم تمثل نموذجا في التعايش والتآلف بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني؛ ويؤكد أنه “لم تفلح جميع المحاولات في كسر الانسجام وإفساد التلاحم ودق إسفين بين مكوناته”.
 

ويقول بلال إن “آثار الرّق ومخلفاته تتجلى فقط في انعدام فرص التشغيل للشباب؛ وغياب خطط لتحسين الظروف المعيشية للسكان وهو ما دفع العديد من شباب ورجال المدينة إلى الهجرة منذ نهاية الثمانيات إلى نواكشوط وبعض المدن الكبيرة بحثا عن فرص العمل”.
 
أما من قرروا البقاء في المدينة فيعتمدون في حياتهم اليومية على مداخيل الزراعة بوصفها الرافد الاقتصادي الأول للمدينة، وذلك من خلال ما يوفره هذا النشاط من حركة تجارية مهمة؛ وتنتج مزارع المدينة الخضروات والفاصوليا والقمح؛ وتصدره إلى داخل البلاد؛ رغم أن موسى ولد الزين يؤكد أن “ذلك لم ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين”.
 
وبين الصراع لتوفير قوت يومهم، والبحث عن إجابات لأسئلة النشأة ومطالب التحرر والتعايش السلمي، يبقى السؤال الأهم بالنسب لسكان مدينة أمبود: هل ستتكرر مأساة الفيضانات مع موسم الأمطار الجديد ؟
 
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة