قالت المواقع

الأزمة السورية بين” العربي” و”الدابي ” و”العرعور”

 مجزرة حماه  1982: رواية ” شاهد عيان “
استقطبت  الأزمة السورية  هذا الأسبوع  أنظار الجميع  وذلك تحت تأثير التصعيد  الإعلامي الكثيف   والمنسق  الذي  شنته  القنوات الفضائية ضد النظام السوري، تزامنا  مع تصعيدين آخرين أحدهما  سياسي تمثل في رفع المبادرة العربية لإقرارها  في مجلس الأمن،  و ثانيهما عسكري  تمثل في نقل  المواجهات المسلحة إلي  مشارف العاصمة  السورية   دمشق.

جاءت هذه التصعيدات المتزامنة بعد تقديم الفريق الدابي، رئيس لجنة مراقبي الجامعة في سوريا،  تقريره إلي اجتماع مجلس وزراء العرب الذي عقد في القاهرة يوم 22 يناير ،  والذي قال فيه بالحرف الواحد إن العنف الدائر في سوريا هو عنف متبادل بين طرفين هما :  السلطة  الحاكمة والمعارضة المسلحة .  غير أن  الدابي  لم يكن يدور في خلده    وهو يقدم  التقرير  الذي يحمل إسمه ،والذي  أعدته مستفيضة يستحيل تواطؤها علي الكذب،  تتكون  من 179 مراقبا  من كل الأقطار  العربية  من مختلف  المشارب و التوجهات، هو   أن هذا التقرير سيعرضه لسهام النقد والتجريح ويفتح عليه أبواب جهنم  الفضائيات ، ويوغر عليه صدر العربي  و القطريين الذين اتهموه  بخداعهم وبخيانة مهمته .
والسؤال الذي يطرح  لماذا  خدع الدابي  القطريين  الذين  تربطه بهم علاقات وثيقة خلال فترة عمله في قطر والتي  امتدت  ثماني سنوات  بالتمام والكمال،  قضي نصفها ملحقا عسكريا ومثلها سفيرا ، وهم الذين أتوا به ليترأس بعثة المراقبين ؟  لماذا  سلخت ” حية دارفور” – وهو الإسم الذي يطلقه السودانيون علي الدابي – جلدها واختارت أن تقدم تقريرا  يضعف الخطة القطرية في الجامعة العربية- علي غير ما كان متوقعا ومخططا له –  ويؤكد الأطروحات السورية ؟ .
الجواب الأول يقدمه الدابي ومجموعة المراقبين المرافقة  وهو قولهم  :  ما شهدنا إلا بما رأينا ، وما كنا  لما تقوله الجزيرة والعربية  بحافظين .
أما الجواب الثاني فتقدمه المعارضة السورية التي تقول إن السلطات السورية قد أغرت الفريق الدابي بالمال ، وهو جواب ضعيف لأن  الليرة السورية في أدني مستوياتها منذ عقود بسبب العقوبات الإقتصادية المفروضة علي سورية ، ولأن الأموال القطرية  المخصصة لإسقاط النظام بشار الأسد – حسب ما يقول السوريون-  تقدر بمائة مليار دولار ، يمكن للدابي أن يأخذ منها الكثير ، وييقي الكثير  .
أما  الجواب الثالث  فيقدمه  الشيخ العرعور  يقول فيه إن  السوريين  يمتلكون سلاحا  أقوي من سلاح  المال وهو سلاح النساء ، ويؤكد أنهم  قد أغووا بنسائهم جميع المراقبين العرب وخصوصا الدابي الذي حظي بنصيب ” الأسد ” ! . ولهذا أفتي الشيخ العرعور بإباحة دم كل هؤلاء المراقبين .
نُذكِّر بأن ما أورده الدابي في تقريره من وجود مسلحين ضد النظام القائم،  ومن تحيز في وسائل الإعلام ،   هو نفسه ما قاله ” أريك شفالييه ”  سفير فرنسا في دمشق  ثلاثة أشهر بعد إنفجار الأزمة،  فما كان من وزارة الخارجية الفرنسية إلا أن استدعته إلي باريس،   وتم تبكيته هنالك     وسكت بعدها ولم ينبس ببنت شفة .
 وكان تقرير الدابي حاضرا بقوة  في المنازلة الكبري التي دارت  رحاها  يوم الثلاثاء  في مجلس الأمن  بين حمد بن جاسم ونبيل العربي من جهة،    وبشار  الجعفري سفير سوريا  لدي الأمم المتحدة  من جهة ثانية،    والتي  حضرها  أكبر حشد  دبلوماسي غربي عرفه مجلس الأمن  منذ احتلال العراق حتى الآن  .
الأزمة السورية : الظاهر السوري والباطن الروسي
وقد خصصت أغلب الصحف  العربية والعالمية الصادرة يومي الأربعاء والخميس حيزا كبيرا من اهتمامها للأزمة السورية في مرحلتها الجديدة : مرحلة ما بعد الجامعة العربية ، وأخذت الأنظار تتجه من جديد إلي الموقف الروسي الذي يملك مفاتيح الحل هنا و أقفال التأزيم هناك . بعض الكتاب  رأي أن إحالة  الملف السوري إلي مجلس  الأمن هو  جزء من  الحرب الباردة  التي اشتعلت بين الغرب وروسيا بوتين  ، وأن الهدف الآن   ليس هو  دعم المبادرة العربية ، ولا إسقاط  نظام الأسد  ولا  حتى دعم الشعب السوري ونشر الديمقراطية  فليست تلك إلا مظاهر لباطن أعمق وهدف أبعد  من ذلك وأكبر وهو إسقاط   بوتين   الذي يستعد لخوض  معركة  الإنتخابات الرئيسية.   فترحيل الملف السوري إلي مجلس الأمن سيحرج  بوتين في هذه المرحلة الحساسة من حملته الإنتخابية التي بدأت بالفعل . فهو إما أن يقف مع المبادرة الغربية – العربية ، ويفرط في المصالح الإستراتيجية الروسية لحساب الدول الغربية ، وإما أن يقف ضدها وبالتالي ضد  تطلعات الشعوب ، ومبادئ الديمقراطية ، وحرية الرأي ، وتداول السلطة …إلخ . في الحالة الأولي يكون ضعيفا .. وفي الحالة الثانية يكون مستبدا  .
 ويكاد يجمع أغلب الكتاب الذي طَرقوا هذا الموضوع – وهم كثر – أن الروس سيصوتون ضد المشروع الغربي –  العربي في صيغته الحالية ما لم تؤخذ ملاحظاتهم بعين الإعتبار.  فالأمر  هنا  مصلحة استراتيجية ، بحجم  المبدء،  وليست تكتيكا .
لكن انسداد الأفق أمام المبادرة العربية وتعثرها في مجلس الأمن لا يعني بالضرورة – كما يري  جورج سمعان في صحيفة الحياة – أن حبل الحوار انقطع  أوأن سوريا مقبلة علي حرب أهلية ، أو أن الروس لا يزالون متمسكين ” بالرئيس بشار الأسد إلي الأبد ”  كما يقول أحد الشعارات المرفوعة  في شوارع  دمشق ،  فالأمر  عكس ذلك تماما . لكن  الأوضاع ليست جاهزة حتى الآن لهذا الحل ، وليست جاهزة بالخصوص  لتصب في المصلحة الروسية ، فالمعارضة المهيئة لتسلم الأوضاع بعد رحيل الأسد هي معارضة  تركية المنشأ ، إخوانية الهوي ، صعدت علي السطح بدفع غربي – خليجي ، والعديد من القوي السياسية  اليسارية  المتواجدة علي الساحة السورية   تناصبها العداء ، وهي قوي مرتبطة تاريخيا بموسكو .
  ويري الكاتب أن روسيا تسعي إلي مرحلة انتقالية في سوريا  تضمن ثلاثة أمور:
  أولاً:  الحفاظ على الحد الأدنى القائم من مؤسسات، خصوصاً الجيش.
 ثانياً : ضمان مشاركة جميع مكونات المجتمع في إدارة شؤون البلاد حفاظاً على السلم الأهلي ووحدة البلاد.
 ثالثاً:  الاطمئنان إلى أن تركيبة من هذا النوع تضمن لها مصالحها وموقعها الوحيد الباقي في الإقليم .  وهذه الأمور الثلاثة لا يمكن تحققها إلا في ظل مرحلة انتقالية  يقودها الأسد نفسه .
 غير أن بعض  المقالات الأخري  التي ظهرت في الصحف هذا الأسبوع تبدو أكثر تفاؤلا  ويري أصحابها  أن الأزمة السورية  أصبحت الآن أقرب إلي الحل من أي وقت مضي  بعد أن خرجت من التجاذب  العربي  لتدخل في  بورصة  المساومات الدولية  علي يد السماسرة  الكبار، وهؤلاء يعرفون مصلحتهم جيدا أكثر من العرب ، ولهم خبرة قديمة في إطفاء الحرائق  كما لهم  خبرة  قديمة  في إشعالها،  ومصلحتهم في الوقت الراهن هي في حل الأزمة السورية نظرا للأزمة الإقتصادية التي يمر بها العالم .  وفي هذا الإطار  كتب   ” رينو جيرار ” في  مقال   بصحيفة  ” لفيغارو”  الفرنسية  مقترحا يدعو فيه كلا من  تركيا وروسيا للتدخل لحل الأزمة قبل فوات الأوان ، وحذر من أن  الأوضاع إن تفاقمت فستتراجع  الطائفة العلوية إلي حصونها القديمة حول الاذقية وحلب  لتقاتل فيها وتدافع عن نفسها ،  وسيترتب علي ذلك تطهيرا عرقيا في تلك المنطقة شبيها بما حدث في  يوغسلافيا  في سنوات 1991-1999 والعراق 2006-2008 .
  ويقول الكاتب إن مبادرة تركية – روسية  مشتركة   سيكون لها الكثير من القوة والنفوذ  وفرص النجاح  ، فالأتراك يمكن أن يضغطوا علي حلفائهم  في المعارضة والروس يمكنهم ايضا أن يضغطوا علي حلفائهم في السلطة .
حلول الذكري الثلاثين لمجزرة حماه  : رواية شاهد عيان
 تحل هذه الأيام الذكري الثلاثون لمجزرة حماه التي وقعت سنة 1982 ،  والتي  قتل فيها  الآلاف من المواطنين السوريين  ، وكان الصحفي الإبريطاني وربرت فيسك  من الصحفيين القلائل – إن لم يكن الصحفي الوحيد الذي  زار تلك المدينة  سرا ، ونقل ما شاهد أنذاك  إلي  العالم عبر جريدة ” التايمز ” التي كان يغطي لها أحداث الشرق الأوسط .
       وقد نشر قصة  تلك المغامرة الصحفية  المثيرة  في كتابه  الشهير  ” ويلات وطن ”  وصف فيها  مشاهد مرعبة : نساء  يبحثن عن أزواجهن في المقابر ،  أمهات جائعات  يتصارعن مع أطفالهن  علي قطعة شوكلاتة،!  بيوتا تحترق علي اهلها ، قوات المخابرات الجوية تحرس الجنود وهم  يقصفون  المدينة  بدبابات ت62 المتطورة .
 بعض المشاهد  والرويات تشبه ما يحدث اليوم من أحداث علي الساحة السورية ، شبه الغراب بالغراب :  انشقاقات في الجيش،  مستشفيات ميدانية،   عمليات إنتحارية  هنا وهناك ، اغتيالات متبادلة ، تفجير  لمقار المخابرات العسكرية ، والمخابرات الجوية ، استهداف   البعثات العسكرية الروسية  .
يصف ” روبرت فيسك  ” الأحداث التي شاهدها في حماه عندما زارها في خريف 1981 وكان الصراع بين الإخوان وحافظ الأسد قد بلغ مراحل متقدمة من العنف والشراسة ، إلا أنه لن يبلغ   الذروة  إلا في شهر فبراير من السنة الموالية . وفي 17 من فبراير سنة 1982  أخذ روبرت فيسك   سيارة  أجرة من دمشق  لزيارة  بعض أصدقائه  الأرلنديين الذين يعيشون في حلب ، وكان يعرف أن الطريق إلي حلب تمر عبر حماه ، وعندما اقترب من مشارف المدينة ، استوقفه بعض الجنود وطلبوا من السائق أن يوصلهم إلي وسط المدينة  …و هنا يبدأ شريط الرعب ….
… قال  أحد الجنود لريفقه  الذي يجلس أمامي   : “…لقد انضم بعض جنودنا إلي الجانب  الآخر ..هل تعلم أننا كنا نحارب تحت الأرض …إن هؤلاء المتعصبين ( يقصد الإخوان المسلمين ) يحاربون في أقبية تحت الأرض ويستخدمون الصواريخ .. وأمس وجدنا مستشفي تحت الأرض .. وفي صفوف الإخوان فتيات ،  جرحت إحداهن  في الليلة الفائتة ، وعندما هممنا بالقبض عليها فجرت نفسها وقتلت عشرين  من أصدقائنا  … في الطريق رجانا ضابط آخر أن نحمله معنا  ، وتبين أن الضابطين يعرف أحدهما الآخر وأن لكليهما بيتا في حماه ، فقال الضابط الجديد لزميله : كم وددت  لو كنا نحارب في الجولان بدلا من هنا ” .
أما عن عدد الضحايا فيقول : ” .. وبالرغم من أن زيارتي تمت في غاية من العجلة  فإنها كانت كافية لإثبات أن  الإصابات كثيرة .. السوريون يقدرونها بالمئات ، والصحفيون يقدرونها بعشرة آلاف ، وما نؤكده أننا عندما زرنا حماه  بعد ذلك  في عام 1983  كانت المدينة القديمة – بما فيها الأسوار والشوارع الضيقة ومتحف بيت العظم – قد اختفت وسويت الآثار القديمة مع الأرض  وحولت إلي مرآب كبير للسيارات !.
” ..وعندما وصلت إلي دمشق سعيت للحصول علي تعليق من وزير الإعلام  أسكندر أحمد أسكندر  وهو رجل ذكي من كبار البعث  ويدخن السجار .. وكانت المسافة بيني وبين وزارة الإعلام قصيرة  ولا يستغرق قطعها بالسيارة  أكثر من عشر دقائق . وبينما كنت في طريقي إليها وقع انفجار رهيب ، وتصاعدت من مبني الوزارة  سحب الدخان . وتبين أن الإخوان قد نسفوها بطن من المتفجرات . ونجا أسكندر  الذي أصيب في خدوش بجسمه ، ولم يعد الإتصال به ممكنا ، فكتبت تقريري  للجريدة وأرسلته بالتلفون .. وبعد يومين    شجبت الإذاعة السورية ” أكاذيبي الشريرة ” وقالت إن “روبرت فيسك” لم يزر حماه،  ولم يشهد أي قتال،  ووصفت كل ما قلتُه عن المنشقين،  والجائعين،  والقصف العشوائي، بأنه مجرد تلفيق .. اتصلتُ بالوزير أسكندر من بيروت،  وأصررت علي العودة إلي دمشق لمقابلته ..وفي دمشق وجدته جالسا في مكتبه الثاني،  في مبني الإذاعة، وكانت الضمادات لا تزال تلف جروحه ، واعترض علي بعض ما أوردته في تقريري عن حماه،  لكنه لم ينكر زيارتي لها . وتساءلت إن كان سيستمر في اتهامي بالكذب . لكنه قال :” روبرت.. أنا لم أقل إنك كاذب”  قلت: لكن الإذاعة قالت ذلك .فقال : “الراديو لم أستمع إليه “. ثم ابتسم وقدم لي سيجارهافانا وقال :” روبرت .. روبرت ، إن هذا الحوار لا يجري إلا بين الأصدقاء . “.. وهكذا رضيت سوريا عني  ..”.
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة