مقالات

الحوادث المرورية الأسباب و الحلول : مساهمة لوقف التهور

في كل مرة يحصل حادث مروع تنطلق الحناجر بالدعوة لوضع حلول سريعة لمعضلها و الحد منها و الحقيقة انه لا توجد في كل دول العالم رادع كفيل بتحقيق هذا الهدف في كل مستوياته و من تجربتي التي امتدت على مدى 12 سنة كمحاضر توعية أمنية و مرورية في شرطة ابوظبي  و خضعت لدورات تدريبية مكثفة على يد خبراء مرور و توعية  و قدمت برامج تصل  لعشرات  المحاضرة سنويا ، في كافة المــواقع و مع كافة شرائح المجــتمع ( مدارس من الروضة و حتى الجامعة ) شركات و مواقع و تجمعات العمال ، إدارات حكومية ، تجمعات سكنية ، تجمع و نوادي مرتبطة بالجنسيات ، شركاء إستراتيجيون ( الصحة ، دفاع مدني ، الطوارئ و السلامة ) ، و قمت بدراسة مقارنة شملت الحوادث على مدى 3 سنوات في واحدة من المناطق الشبيهة بالتضاريس الموريتانية و حتى بالعقلية الموريتانية و البنى التحتية (بمستوى معين ) مقارنة بباقي البنى في مناطق أخرى من الدولة التي   أقيم بها  و درست فيها توقيت الحوادث و مواقعها و أسبابها المتداخلة و ظروفها الزمانية و المكانية و البيئية ، من خلال استمارة الحوادث التي يتم تسجيلها و اطلعت على آلاف التقارير و استمارات تخطيط  الحوادث  لدى المرور طيلة ما يقرب من سنة كاملة من المتابعة و الاستنطاق  ..
فقد خرجت من تلك الدراسة بملاحظات لا يمكن الجزم قطعا بصحتها لكن تواردها في كل مرة يثير أسئلة أخرى تسهم في تفادي الحوادث ، لو تم التعامل معها بالمستوى المعقول من التنفيذ و المراقبة  .
إلا أن العودة لبعض الإجراءات الضرورية في البداية هي الطريق الفعلي للحد من الحوادث و تقليلها و نتائجها على المواطن و على الدولة و على العاملين في الحد منها ..
أولا : قواعد المعلومات للمركبة  و العنصر البشري  
أردت أن أدمج في هذا العنوان عناصر هامة في الحادث المروري وهي المركبة و العنصر البشري و ربطهما بقواعد البيانات للعلاقة بينهما كوحدة ففي ظل غياب كامل لقاعدة بيانات لمتابعة المركبات و حصرها و متابعة حالتها الميكانيكية و الترخيصية فإن أي جهود تبقى مضيعة للوقت لأسباب أولها :
– 1- الحالة الميكانيكي :إن مطلب التصليح الميكانيكي السنوي للترخيص هو أحد أهم أسباب تفادي الحوادث و بقاء المركبة صالحة للسير و محافظة على كفاءة وسائل الأمان بها فلا يكفي أن تعمل المركبة و أن تسير على الطريق فحسب ، بل يتطلب أن تكون لديها الكفاءة الفنية و الشكلية- المظهرية – و البيئية  لكي لا تشكل خطرا على مستخدمي الطريق و على قائدها و المرافقين  و حتى على المركبات التي تستخدم الطريق معها و على البيئة فالسلامة مفهوم عام لا يتجزأ ..
2- نظام المخالفات :إن إعادة تنظيم نظام المخالفات و العمل على جعلها رادعة بالمستوى الكافي للحد من تهور و طيش بعض السائقين و ربطها  بقاعدة بيانات تتيح توقيف السيارة عن الخدمة حتى تسديد كافة المخالفات المسجلة  ضدها هو أمر ضروري للغاية فالتكلفة المادية للتهور هي احد القيود التي يمكن ممارستها على السائقين لاحترام القانون و الحفاظ على سلامة الناس ، من خلال ربطه برخصة الفحص الميكانيكي للمركبة و حتى بإعادة تجديد الرخصة من خلال الرمز المروري الموحد لكل سائق تتبعه السيارات المسجلة باسمه و المخالفات و التعاميم الأمنية و هو مسألة بسيطة في ظل وجود أسس فنية و تقنية مثل وكالة الوثائق المؤمنة و خبراتها في المجال  .
3- رخصة السائق : لقد أصبح تتبع رخصة القيادة مسألة بسيطة بوجودها ضمن البرنامج البيومتري وهو ما يسهم في تسهيل مراقبتها و تحديد المدة الخاصة بالاستبدال لها و تقييم كفاءة السائق بدنيا و نفسيا (الرؤية ، السلامة البدنية من العوائق ، اللياقة و فحص النظر ) فالسائق مع تقدم العمر يتعرض لنقص كبير في مستوى الرؤية و التحكم في القيادة نتيجة لعوامل صحية و عمرية مختلفة   و هو ما يتطلب مراقبة صارمة للتأكد من لياقة السائق وهو الأمر الذي يتطلب فحصا شاملا و دقيقا و شفافا يجب أن يحرص عليه السائق و ذووه قبل جهات الترخيص .
4- الحالة الأمنية : إن وجود كافة المعلومات عن السيارة نوعها و طرازها و لونها و كافة متعلقاتها أصبح مسألة أمنية في غاية الخطورة مع تطور الجريمة و تشعبها و التهديدات التي تخلقها عمليات التفجير الإرهابية مما يتطلب التعامل مع هذا الموضوع بالسرعة المطلوبة و إنشاء نظام تسجيل بمستوين الأول على مستوى المنافذ لتسجيل و ( تبصيم ) كافة المركبات المستوردة و ربطها بجهة استيرادها لضمان متابعتها قبل الترخيص للأفراد خشية  استخدامها بطرق تهدد للوطن ، و النظام الثاني هو نظام الترخيص الخاص بالأفراد بعد ترخيص السيارة و نقلها من ملكية جهة الاستيراد ، كما أن هذا النظام يحفظ حقوق الآخرين في التعديل على ممتلكاتهم و سهولة متابعة أي مركبة   .   
 
و لعله من المناسب هنا أن ألفت الانتباه لتلك الظاهرة البشعة التي شاعت في البلاد و المتعلقة بالتعديلات على أرقام (الشاصي) و ربط المركبات بملكيات (بطاقة رمادية ) غير صحيحة لمركبات أخرى لم تعد موجودة بفعل التفكيك كخردة  أو بحادث سير أو ما عرف عند الموريتانيين ب”التروام “و مدى خطورة هذه الظاهرة على الحالة الأمنية العامة للبلاد وسط التهديدات في الداخل و الجيران ، مما يتطلب وقفة مع هذا النوع من المركبات و لعل الحل الوحيد للسيطرة على الموضوع هو العمل على إعادة ترخيصه و قبول حالته لضمان وضعه تحت السيطرة و مراقبة على أن يتم تحديد عمره بعد وقت قصير ليتحول لخردة و قطع غيار لضمان دفنه و تغيبه عن الساحة .
5- ترخيص كرجات التصليح و الورشات الفنية المتخصصة – ربطها بملكية المواطنين-  و خضوعها للرقابة و إنشاء المناطق  الصناعية المستقلة لتسهيل مراقبتها و منع أي تعديلات على المركبات -تستثنى  عمليات تصليح ميكانيكية داخلية في السيارات – لضمان عدم التغيير على هيكل السيارات في حالات الهروب من موقع الحادث و لضمان بقاء الإصابة بجسم السيارة  و ضمان عدم التغيير في المواصفات الميكانيكية لها و الأرقام و اللوحات ، القدرة ، نوعية الماكينة ، التي تتطلب ترخيصا من جهات السلطة المسؤولة ،و لعله من الضرورة ربط ترخيص هذا الورشات الفنية “الكارجات”  باختبارات الكفاءة في الكليات و المعاهد الفنية المتخصصة في الميكانيكا إذ أن أغلب هذه الورشة هي عبارة عن مركز لتجميع المركبات و النفايات و التي تضم في الغالب مشرفا لديه خبرات غير موثقة و العشرات من العاملين الذين لا علاقة لهم بالميكانيكا و لم يتلقوا تدريبا من أي نوع سوى الأوامر الشفهية من المشرف وهو ما يعرض عملية الصيانة للأخطار و يعرض حياة المواطنين و المقيمين للخطر على الطريق ..
6- تدريب العاملين في الحقل المروري
يشكل تدريب العاملين في الحقل المروري و تخطيط الحوادث و التعامل معها أهمية بالغة حيث أن معظم العاملين فيه ليست لديهم الخبرات الكافية بتخطيط الحوادث وفق الطرق العلمية المعتمدة دوليا و الاستفادة من البرامج الحديثة و الدورات التدريبية التي تكسبهم المعارف المتطورة في قراءة مسرح الحادث و كشف منطقة البداية فيه و لحظات الاصطدام و معرفة المتسببين فيه من خلال المسرح وهو ما يتطلب تدريبا دقيقا لهؤلاء لضمان الحصول على التقارير و تخطيطا صحيحا يسهم في قراءة مخاطر الطريق و تحديد الأولويات و إمكانية معالجة الخلل فيها و أسباب الحوادث بها فكثيرا ما قامت جهات الإنشاء الخاص بالطرق باعتماد مخططات خاطئة لا تتناسب مع التضاريس و المكان مثل اعتماد الدورات في مواقع غير مناسبة تناسب أكثر التقاطعات أو الإشارات الضوئية أو المطبات – العراقيل –  مما يتطلب معالجتها بالسرعة المطلوبة لتفادي الحوادث وهو يعتمد في الأساس على القراءة الصحيحة للمخطط و الاستعانة بفروع الهندسة الطرقية و مقارنة النتائج و هذه الأمثلة ليست سوى تقريبا لذهنية القارئ فقط لنقول إن الأخطاء واردة دائما لكن التصحيح و المسارعة فيه هو الحل الأمثل ..  
وهذا ما لا يتأتى إلا بتدريب العاملين و العمل على خضوعهم لدورات تدريبية لتتكون لديهم الرؤية و المبادرة و تفسير الظواهر التي تواجههم يوميا في عملهم لتنعكس على المخرجات و النتائج المطلوبة و إسهام آرائهم و ملاحظتهم في البحث المروري و التوعوي .
ثانيا- نظام منح الرخصة و ترخيص مراكز التدريب و فحص ترخيص المركبات :
-1-  إن غياب الرقابة و الإدارة الممنهجة لدى مراكز تعليم القيادة و التدريب تعتبر واحدة من أكثر الأسباب في ضعف التدريب النظري و التطبيقي لغياب المدربين المحترفين ممن لديهم إلمام كامل باحتياجات السائقين المتدربين و احتياجاتهم التعليمية و الدروس النظرية و الأخلاقية التي يجب أن يخضعوا لها طيلة وجودهم بمعهد التدريب، حيث الغالب هو تعليم كيفية التعامل مع القيادة منفردة (تشغيل السيارة – السرعات او الجير ، التوقف و بعض دروس التحكم في المقود ) ،و من أهم تلك الدروس التي يجب التركيز عليها التعامل مع الطرق و أنواعها  و مستخدميها و التعامل مع مفاجآت الطريق و الاستفادة من وسائل الهروب من الحادث و قراءة لغة الطريقة الثابتة و المتحركة حيث تأثيث الطريق بالإشارات الإرشادية و أنواعها المختلفة هو  لغة عالمية  تدرس و قبل إكمالها و فهمها فإن السائق معرض للخطر حيث توضع في المواقع على الطريق لتوضيح الوضع الآمن للسائق في الوقت و المكان المناسب ..  ، إضافة للطقس و التعامل معه و فعاليات المركبات في مختلف ظروف الطقس و متطلباتها ، و لا يفوتني هنا أن أذكر بضرورة خضوع السائقين لدورة تدريب ميكانيكية للتعرف على الأعطال و ملاحظة التغيرات الحاصلة في أداء المركبة من خلال الصوت و الانسيابية و شاشة السيارة ، و هي ملاحظات تجنب السائقين العديد من الحوادث لو تم التعامل معها في الوقت المناسب ..
 
2- إنشاء لجان الفحص (اختبار الحصول على الرخصة )  المزودة بالمركبات الخاصة بالفاحصين و التي تسهل للفاحص مراقبة السائق و معرفة الأخطاء لديه و توجيهه للتركيز عليها مع ضرورة أن تخضع هذا اللجان للقسم و محاسبة كل منها وفق نظام بيومتري للحوادث التي يتعرض له الخريجون على يده وفق (باركود) على الرخصة بحيث يوقف تحذيريا أو يفصل في حال الوصول لعدد معين على مؤشر الحوادث المتسبب فيها خريجوه و قد يظن البعض أن الأمر صعب لكن الحقيقة لا يتطلب سوى برنامج بسيط و غير مكلف شرط التنظيم و الدقة .
3- نظام سحب الرخص مدى الحياة أو وفق أجندة زمنية في حال الاشتراك في حوادث مهما كان نوعها يتم تسجيلها في ملف السائق ، على أن تكون المحاسبة سنويا ..
4- مراكز الفحص الفني للمركبات : إن غياب وجود مراكز فنية للفحص للمركبات وفق المواصفات الدولية هو أحد الأسباب المؤدية للحوادث حيث أن وجود المركبة على الطريق لا يعني ملاءمتها  للسير و لا يعني أنها فعلا لا تشكل خطرا ، بالعكس فإن 80% من المركبات على طرقنا لا تعتبر آمنة نهائيا و لا يمكن استخدامها في أي من طرق  العالم لما قد تسببه من تهديد بفعل الضعف الميكانيكي و غياب وسائل الأمان و الفحص الفني لمختلف القطع و المكونات . مما يتطلب النظر بسرعة لإقامة مراكز حكومية أو خاصة ذات مصداقية تخضع هي الأخرى و المشرفين عليها للتفتيش من خلال ربط ملفاتها المرورية بملفات السائقين و المركبات لكشف أي تلاعب ممكن في نتائج الفحص من خلال نتائج الحوادث المسجلة ، و في إطار الفحص الفني لا يفوتني أن أذكر بأن أغلب الحوادث التي تحصل هي ناتجة عن عدم الصيانة الاعتيادية الدورية خاصة  قبل السفر حيث أن السيارة تتطلب فحص تدقيق على الكفاءة بعد كل استخدام طويل زاد على خمسة ألاف كلم مما يتطلب من مالك السيارة إخضاعها لفحص في ورشة او عن طريق فني الفحص كل الأجزاء قبل السفر و ضرورة تجربتها قبل مباشرته و لا يمكن الاقتصار على فحص الترخيص السنوي كصيانة .  
 
5- إنشاء محطات الأوزان المحورية : تحتل محطات مراقبة الوزن المحوري و الحمولة عند مخارج المدن و مداخلها  أهمية بالغة ليس فقط على المركبة نفسها و ضمان عملها بكفاءة عالية بالقياس مع حمولتها المحددة بل أيضا في أداء وسائل الأمان بها عملها بالصورة الطبيعية و الحيلولة دون وقوع حادث بسببها ، حيث أن للحمولة تأثير كبير على المركبة و كفاءتها ، و كذلك على الطريق حيث تتسبب في ثقل إضافي عليها مما يؤثر على الطريق و كفاءته المستقبلية حيث يتم التخطيط على توقعات معينة بتناسب الطريق مع عدد المركبات و حمولتها وهو ما يتطلب رقابة صارمة ، إضافة لتأثير الحمولة الزائدة على الحوادث كمسبب فيها .
 
6-  نظام الرادارات و كاميرات : يعتبر نظام الرقابة الالكترونية واحدا من أهم أنظمة الرقابة على الطرق و تخفيف الضغط على الأجهزة الشرطية في نقاط المراقبة و تنظيم السرعات في مختلف الشوارع الداخلية و الخارجية و ضمان التزام السائقين به نظرا لغلاء مخالفاته خاصة بعد وضع قواعد البيانات الخاصة بإحصاء و  تحديد المركبات و ملكياتها و ربطها بالرمز المروري الخاص بكل سائق أو مؤسسة او هيئة حكومية او غيرها ، مما يحد من تهور بعض السائقين و يسهم في ضبط السرعة من خلال الرادارات الثابتة و المتحركة التي يتم وضعها في سيارات تجوب الطرق   لقنص السرعة الزائدة .
 
 7- البحث و التفكير  المروري : أن إنشاء قسم أو مركز خاص بدراسة الحوادث المرورية و الطرق و الأخلاقيات و متابعتها و إيجاد الحلول المناسبة لها بالتنسيق مع جهات الإنشاءات الطرقية و إدارات النقل العمومي و الخصوصي و توحيد الجهود لتوفير البدائل و الحلول الملائمة للحد من هذه الحوادث و إنشاء إستراتيجية موحدة تقوم على التفكير و الحلول هو أحد أهم الأسباب لمواجهة النزيف الدموي اليومي على شوارعنا على أن يعهد به لأصحاب الكفاءات و التخصص أو تدريب و تطوير العاملين في الشأن المروري على العمل عليه لتوفير دراسات و بحوث ميدانية و نظرية و مقارنة معيارية  تأخذ بعين الاعتبار كافة المجالات التي تمس الشأن المروري و الطرقي و الحوادث  و التنسيق مع الشركاء في العملية و تبادل وجهات النظر فيها و الإسهام في وضع الحلول ..
8- دمج التوعية الأمنية و المرورية ضمن المناهج الدراسية و العمل على تدريب المدرسين على نشر ثقافة الوعي المروري أو بالتنسيق مع الجهات المرورية او الجهات المهتمة سواء كانت ثقافية او اجتماعية لخلق وعي مروري لدى الفئات العمرية المختلفة في المدارس و الجامعات بدء من رياض الأطفال و حتى الجامعة . 
9- سن قوانين خاصة بالقيادة بدون رخصة و عقوبات المراهقين السائقين و تغريم و حبس أولياء الأمور المساهمين في طيش أبنائهم و العمل على دعم قوانين المرور و تشديدها و التشدد في التنفيذ و لجم التدخل و الوساطة في قضاياها  و تنفيذها من خلال إنشاء محكمة المرور أو القضاء المروري للإشراف على قضايا الحوادث و تبعاتها و دعمه بالطب الشرعي و البحث و الفحص الجنائي مما يسهل انسيابية الأحكام و تطبيقها .
 
ثالثا : الطريق
إن غياب التخطيط الفني السليم للطرق و كفاءة  المواد المستخدمة في بنائها و سيطرة الهندسة على رأس المال المنفذ و المقاول هي واحدة من أهم أسباب الحوادث حيث تغيب المواصفات الآمنة في مستويات الطريق و ارتفاعها و هبوطها و تناسب أجزائها وفق التضاريس التي تقع فيها مما يتطلب تعاملا خاصا معها لتتناسب معها و تقلل الخطر فيها على المركبة وهو لا يغيب بدون شك عن المهندسين لكنه يُغيب بتأثير المقاولين و المنفذين للأسف ، مما يؤدي لتأثيرات خطيرة في حالة الحوادث و مستوى الرؤية الأفقية للسائقين و حتى السيطرة على المركبات في حالة الصعود و النزول وفق التضاريس حولهم و لعل الملاحظ البسيط غير المختص يمكن بسهولة أن يلاحظ الفوضوية في تشييد الطرق و صيانتها و عدم خضوعها لمقاييس فنية دولية معتمدة ، ففي كل طرق العالم يمكنك أن تسير بالسرعة المعقولة و أن تأخذ أكثر المنعطفات حدة دون أن تتعرض مركبتك للانزلاق أو تفقد السيطرة عليها بل لا تشعر أحيانا انك تأخذ منعطفا أو تصعد جسرا أو تنزل منها أو تدور مع دوار أو تدخل من طريق جانبي أو تستبدل حارة بأخرى لسهولة التخلص و الانسيابية في الطرق  و من أهم الأخطاء المرتكبة في الطريق :
1- نهر الطريق : و يقصد به المنطقة المعبدة ضمن المسار وهو عرض الطريق للمسار اوحاديا كان أو بأي عدد من اتجاهات المسارات حيث أن الطرق الخارجية (سريعة ) تختلف عن الثانوية   و المحلية  و لكل مواصفات لا يمكن أن تقل عنها دون أن ننسى علاقة ذلك بالسرعات التصميمية للطرق و الجريان و السرعة اللحظية و الحمولة  و هي مصطلحات معروفة و مقاييس يهتم بها في دراسة الطريق و تصميمه وهو ما يتم التعامل معه لتحديد الأعمار للطرق و كفاءتها و توقع صيانتها و سعتها و مستوى الخدمة ، علما أن لكل الطرق الثلاثة المذكورة أعلاه علاقة هامة جدا فيما بينها كأنها انهار تصب في بعضها بعضا مما يؤثر على انسيابية حركة السير من الخارج للداخل و بالعكس و يعكس سلاسة الدخول و الخروج دون ملاحظة أي اختناق في مستوى من مستوياتها ..
وهناك الكثير من المتطلبات و المواصفات التي تتعلق بالفنيين و المهندسين وفق حسابات فيزيائية و رياضية هندسية  ( مسافة الرؤية – الأفق – التوقف -التجاوز – المنعطفات ، المنحدرات ، المرتفعات ، تأثير الميل ، الجسور بمختلف أنواعها ،  و الدوارات و هندستها ، و الإشارات و التقاطعات و المثلثات ،الرجوع ، الخروج للطرق الجانبية ، منكب و أكتاف الطريق ، المواقف ، الجزر ، المطبات ……. الخ ) و اي خلل في أي من هذه المتطلبات فإن نسبة الحوادث تكون قائمة بنسبة كبيرة جدا و غير متوقعة و هي مواصفات للأسف تفتقر لها طرقنا فلا يمكن للرائي أن يلمس أي اختلاف بين نوعيات الطرق سواء الخارجية آو الجانبية آو المحلية و غياب اعتماد المواصفات الدولية فيها حيث لم تعد عملية إنشاء الطرق مقتصرة فقط على المهندس على الأرض بل مرتبطة بالأقمار الصناعية و الاستفادة من عمليات المسح في كل أجزاء الطريق ..
2- تأثيث الطريق : يقصد بتأثيث الطريق كافة الإضافات المتعلقة به و هي ضرورية لكي يكتمل الأداء و من أهم هذا الأثاث .
أ- الإضاءة الكهربائية أو البديلة  :  تعتبر الإضاءة إحدى أهم مواصفات الطريق بما تشكله من أهمية في كشف الطريق و تسهيل قراءتها و التعامل مع مختلف المركبات و السائقين المستخدمين لها و بما تشكله من أهمية في ظل الظروف المناخية المتغيرة و المفاجئة وهو ما تفتقر له مجمل طرقنا الخارجية و الجانبية و المحلية للأسف إذا استثنينا شوارع محددة داخل المدن مع عدم كفاءة في الإضاءة التي لا تخضع للصيانة الدورية و تشهد الانقطاع المتكررة للأسف ، أما على الطرق الخارجية فلا يتعلق الأمر بالكهرباء فقط بل تشمل الفسفوريات و العاكس الضوئي أو ما يطلق عليه “عيون القط المشعة ” مما يشكل تهديدا حقيقيا للسائق في عدم إدراكه للطريق و أبعادها و مسافات التجاوز و أطراف الشارع وهو ما يجب ان يدمج في شروط التنفيذ و إعادة صيانة الطرق لإضافته .
ب- الإضاءة العاكسة : تعتبر الإضاءة العاكسة  واحدة من أهم الأثاث البديل لإنارة الطريق بما تحققه “عيون القطط المشعة” على جنبات الطريق و تحديد المسارات النهرية و حتى تخطيط الإشارات الأرضية بها ، و تعتبر  من أهم الأدوات التي تسهل على السائق التعامل مع الطريق في الظروف العادية و الاستثنائية بما توفره من تحديد لسلاسة التعامل مع انعطافات الطريق و صعودها و هبوطها و المحافظة على المسافات الفاصلة والمسافات الجانبية مع السيارات الأخرى و الحواجز على الطريق و تتيح فرصة المناورة لدى السائق في كل الظروف بما توفره من إضاءة بصرية و حسية ..
وهي نوعيات مختلفة فمنها العاكس الأرضي التي تكون مثبتة  في الشارع أو على أعمدة ولوحات كأصباغ و ولاصق أو عاكس بصري ..
ج- اللوحات الإرشادية و التحذيرية  : تشكل اللوحات الإرشادية و  التحذيرية  أهمية قصوى في تأثيث الطريق لما تشكله هذه اللوحات من مساعد للسائق و تعريفه بمختلف تضاريس المنطقة التي يشقها و ما لم يتقن السائق هذه اللوحات – وهذا ما يتطلب تركيزا من مراكز تدريب السائقين نظريا – فإنه تعامله مع الطريق يبقى ناقصا بسبب عدم فهمه لمقاصدها بل يذهب بعض الخبراء إن السائق المستخدم لطريق دائم إن لم يحفظ و يتوقع الإشارات الإرشادية قبل الوصول لها فإنه يعتبر جاهلا بالطريق و معرض للحوادث أكثر ممن يتعاملون بحرفية معها  و ما يتطلبه الموقف منه كإجراء احترازي لتفادي الخطر سواء تعلق الأمر بالأرض أو المناخ العام للطريق أو غيره .
رابعا : التأمين و العقوبات  و الديات 
شكلت الفوضى العارمة التي اجتاحت قطاع التأمين بعد الخصخصة إشكالات عديدة تعددت بمستوياتها من النمط التجاري الربحي بل و تهم الثراء على حساب المؤمنين مع التهرب من تنفيذ الأحكام و حتى من الصيانة و التعويض البسيط  وغياب التنمية في رؤيتها للاستحواذ على حقوق المؤمنين و بروز قضايا عدلية في أروقة المحاكم بين هذه الشركات و العملاء مما يؤكد أن خللا كبير تعاني منه هذه الشركات و هو ما يتطلب تصرفا سريعا و إعادة تعديل دفتر الالتزامات و تحديد لائحة التأمين على مختلف أجزاء المركبة و إلزامها بالإعلان عن الورشات الفنية للتصليح في الدفتر لضمان حقوق المؤَمِنين و تسريع تعويضاتها للضحايا و حقوق الورثة بطريقة اقرب لاعتماد دليل الإجراءات  و اقتصار تخطيط الحادث على الأجهزة الأمنية المخولة فقط و المتسببون في الحادث ،فتدخل شركات تأمين كطرف حضور لإثبات الحادث ، هو خلل بين يجب إلغاؤه لما لذلك من تأثير على الحقوق  ,  إلا أن المعضل الأكبر و الذي يجب التوقف عنده هو موضوع الديات و التعويضات للمصابين في الحوادث فهو ما يجب أن يعاد النظر فيه من خلال رفع قيمة الدية بأعلى قدر ممكن و أن يتم فصلها عن التأمين و أن تحدد مسؤوليتها في السائق فقط و إن كان ولابد من شريك للتعويض فليكن صندوقا للتكافل الاجتماعي تقتطع له عائدات من التأمين و الترخيص و ضريبة الجمركة على المركبات على أن يكون بنسبة لا تتجاوز 30% و الباقي على قائد المركبة فقط دون مالكها .. وهو أمر سيثير ضجة كبيرة خاصة في ظل تدني الرواتب الخاصة بالسائقين في النقل و عوائد وهو ما يجب ان يعاد التفكير فيه من خلال حصولهم على حقوقهم المناسبة وفق الخطوط و المركبات التي يقودونها و عوائدها المتوقعة سنويا ، وهو أمر بلا شك سيمكن من ضبط سلوك السائقين و إعادة تكوينهم على الالتزام بالقانون و احترام السرعة على الشوارع .  
و لعله من الضروري في هذا الإطار الإشارة لأهمية عقوبة السجن في حوادث الإصابات الجسمانية و تقنينه و ربطه بالحق العام قبل حقوق التعويض و تسديد القيود و تعويض أثاث الطريق التالف للدولة عند الخزينة باحتساب قيمته السوقية أو الشرائية أو السعر الأعلى لهما   ، مما يشكل ضاغطا على قائد المركبة و محافظته على حريته و وقته و ماله و خشية قضاء فترة العقوبة الملزمة على المتسبب في الحادث .   
و في الختام لهذه العجالة التي جمعتها من دون الرجوع لمصادر أو عناوين و إنما من تراكمات و قراءات و عمل ميداني كنت اشرف عليه و تواصلت فيه مع مختلف الفاعلين في الحقل المروري و مراكز العمليات و مهندسي الطرق و الذين تعاملت معهم لصقل مهاراتي في الميدان و الحصول على اكبر قد من المعلومات التي تساعدني في عملي المهني فإنني أؤكد على أن العمل على الحد من الحوادث المرورية ليس عملا حكوميا فحسب بل هو عمل يشترك فيه جميع الفاعلين في الميدان بدء من سلطة المرور و الترخيص و ووزارة التجهيز و النقل و الفاعلين في الحقل التوعوي و العاملين في الحقل التعليمي و حتى التجار و شركات السيارات و قطع الغيار و ورشات التصليح ، إنه نشر لثقافة كاملة في كل مستويات المجتمع و خلق وعي حقيقي بالمعاناة لدى الجميع ليتحمل كل واحد دوره و العمل على تحقيق الجزء الخاص به لنحصد النتائج و لنعمل على تخفيض هذا الهدر في كل المجالات فنتائج الحوادث المرورية لا تتوقف على البعد المادي فحسب بل تتعداه للتأثير على الحالة الاجتماعية بكافة أبعادها من الأسرة و حتى المجتمع من الصحة و حتى التعليم ،إنها تلقي بظلالها على كل شيء في حياتنا من خلال خطأ واحد لندفع ثمن أخطاء عديدة ..
محمد عبد الله ولد أبو ( اسلم )
    صحفي مقيم بالإمارات
 
 
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة