الرأي

الحوار../ السعد بن عبد الله بن بيه

باحث بمجال العلوم السياسية

Saadbayeh_2006@hotmail.com

بداية ليس من أغراض هذه المشاركة (المقال) المزايدة السياسية، ولا الدخول في عراك الغرائز السياسية الذي أصبح شائعا، وإنما تهدف للمساهمة بدل التمادي في اللامبالاة التى تطبع مواقف كثير من النخب، والتي عليها مسؤولية وواجب المساهمة كل من موقعه في حلحلة أزمات بلده إذ البلد لا يقبل الحياد.

فالواقع العنيد أصبح يضغط على كل من يتمتع بذرة من وطنية أن يعبر عن موقفه، وأن لا يتورع عن التغيير بيده ولسانه في فتنة البلد السياسية. فالراشدون من الرجال في هذا البلد قلبوا السياسية إلى لعبة أطفال،فأصبح حال الساحة السياسية لا يسر أحدا، يطبعه التشرذم والارتجالية، وعدم الاتفاق في الحدود الدنيا على تعريف واضح للمصلحة الوطنية، والتواضع على قواعد لعبة سياسية معترف بها، تترفع عن المصالح والإغراءات الضيقة والميول الخاصة، إلى مدى أوسع من العمل لمصلحة الجميع.

فالواقع السياسي يطبعه الكثير من الفوضى، فوضى التنظيم وفوضى الأداء، وفوضى الأفكار والمواقف، والذي من نتائجه الحتمية إرباك الناس والتشويش عليهم وفقدهم الثقة في المستقبل ،فكثير مما نراه من الكلام (التصريحات ) هو لعب بالنار حقيقة، السياسية في مفهومها العلمي والفلسفي والتقني، هي رؤية وسلوك هي معايير وقيم، ومن ثم هي موقف للحياة بالبناء، ومنها بالنقد البناء وبالكد والأرق وبناء الوعي والممارسة ،أما أن تكون بذلك القدر الذي نشاهده أحيانا من العبثية فيجب أن يكون مرفوضا ، نحن في وضع أحوج فيه إلى البحث عن السياسية، وإعادة الاعتبار إليها مما لحقها من التشويه في الرؤية والممارسة، من قبل من لا يرون أبعد من أنوفهم ، والمصرون أن يظلوا عبيدا لأحلامهم الضيقة والمحدودة، والتي تفشل في أن ترقي لتكون بحجم وطن. ، وأول الخطو نحو إعادة الاعتبار لحياتنا السياسية هو أن نتكلم أن نتصافح أن نتحاور،إذ لا توجد قيمة لصيقة بالفعل السياسي وبالسياسة ” كالحوار”، حتى لكأنه لا يمكن أن يغيب أو يتوقف، إلا إذا توقفت السياسة وأندثر السياسيون ،وما نراه اليوم في ساحتنا الوطنية ليس توقفا للحوار ، وإنما هو حوار من نوع آخر “حوار سلبي”، وله من النعوت الأخرى والحقيقية الكثير. والذي أعفي القارئ الكريم من تعداده الآن .، فكيف نعيد الايجابية لحواراتنا ؟ يعلم الجميع أن الحوار قيمة دينية وقيمة حضارية، وقيمة سياسية ومصلحية ، وإذا لم يعطى الكل السياسي فرصة للحوار الإيجابي فإن البديل هو التصادم ، من هنا أهمية أن يكون الحوار الإيجابي قيمة إستراتيجية في حياتنا السياسية ، فالحوار الإيجابي والبناء هو جوهر السياسة، وهو القيمة الأصلية والمضافة للحياة الديمقراطية ، ولذا نتساءل وبشكل مشروع ودون نوا يا مسبقة، من الرابح في قتل هذه القيمة ؟ فالتعنت ورفض الحوار الإيجابي لا يمكن أن يصب في المصلحة العليا للوطن وللمواطنين – الذين ندعي وصلهم- ، وليس من مصلحة المستقبل السياسي للبلد رفض الحوار، ومنطق الأشياء يقول بالرد على الدعوة إلى الحوار بأحسن منها أو بمثلها ، فلا يمكن النظر – عند الأسوياء – للقبول بالحوار والجلوس إلى طاولته أنه دليل ضعف، ولا هزيمة وليس تسليما برؤية أحد ، وإنما الأولى قبوله وبشكل مبدئي والنظر إلى هذه الدعوة كآلية ضرورية للتفاهم والنقاش، وإدارة الصراع السياسي بمنطق الحكمة والتعقل والمصلحة، بغض النظر عن الوساوس السياسية المتعلقة بالتوقيت والنوايا.، وبصراحة كان على المعارضة الوطنية أن تكون أكثر براغماتية و أكثر ديمقراطية .فقد بدت في موقفها من دعوة السلطة للحوار مفتقدة للبراغماتية السياسية المطلوبة، بل ومتناقضة أمام الرأي العام ،والأولى هو التمسك برأس الخيط مهما كان دقيقا وواهنا ،ونظن هنا أن إصرار المعارضة على رفض الحوار سيكون خطئا إستراتيجيا ،فالمهم أن السلطة دعت للحوار بغض النظر عن صيغة الدعوة “فالرائد لا يكذب أهله ” فمن نقل الدعوة هو طرف في منسقية المعارضة .

والخطأ هنا في مقابلة هذه الدعوة ليس وقفا على المعارضة، وإنما يطال أيضا قوى الموالاة ( الأغلبية) لفشلها في ترجمة رغبة وسياسة الرئيس، الذي يدعمونه ( لو صح منك الهوى أرشدت للحيل ) فإعلان ندوة أو محاضرات علنية حول الحوار ،هو في أحسن الأحوال نشاط ثقافي هام ، وليس أسلوبا جديا لاستقبال الدعوة، ولا لنزع الفتيل في ظرف سياسي دقيق كالذي نمر به ،ولا يمكن أن يرقي إلى مستوى جدية طاولة حوار سياسي منهجي ومبرمج ، حوار تحدد أطرافه ومضامينه وأغراضه وجداوله الزمنية بشكل واضح ومثمر، والمنطق العقلاني يدعوا الأغلبية والأقلية إلى التحلي بروح المسؤولية، وأن يشرع كل طرف بإعداد ورقة خلفية تلخص وجهة نظره للحوار المطلوب، ويتم التفاهم والتفاوض حولها ويرافق هذا الحراك المسؤول والجاد تهدئة سياسية ،تطال الكف عن التصريحات والبيانات والكتابات النارية وعدم النزول وعرض القوة في الشارع . ودعوتنا المخلصة لطبقتنا السياسية هي التعجيل بالحوار والتفاهم الذي لا بديل عنه بغض النظر عن “طاولة بروكسل” وللمعارضة أن تجاوب فقط على سؤال واحد ما هو موقفها أمام الناخب الموريتاني في حالة نجاح أو فشل لقاء بروكسل وهي ترفض الحوار؟ فهذا الاجتماع سواء نجح – إن شاء الله – أو فشل – لا قدر الله – فالرهان أولا وأخيرا يجب أن يكون على موريتانيا والموريتانيين وعلى ثروتهم الحقيقية ، الإنسان الموريتاني بحكمته وجلده وتقاليده العريقة في السلم والتفاهم والإيثار.

والمعول عليه أولا وأخيرا بعد الله. هو أن يصل أطراف عمليتنا السياسية إلى بلورة رؤية للسلم والتنمية، تعتمد على مخزوننا الروحي والاجتماعي والإنساني والمادي ،فرغم الأهمية الخاصة للتعاون والشراكة مع العالم، إلا أنها لا يمكن أن تمثل بديلا عن الاعتماد على الذات، و عن السياسات الوطنية الرشيدة والعلمية، التي تقارب واقعنا من داخله وهو سر التنمية الشاملة والناجحة . فالواقع العنيد وطبيعة التحديات الماثلة، يحتم على المنتظم السياسي الوطني بكل أطيافه، انتهاج مقاربة أكثر إيجابية من أجل الحوار الإيجابي فحاجة موريتانيا للاستقرار والشروع في العمل البناء واضحة جدا.

وأخيرا نهيب بأن تقوم بعض الأطراف من نخبنا العلمية والمثقفة والتاريخية ، والتي تجد في نفسها الاستعداد والقدرة إلى تشكيل لجنة مساعي حميدة من العقلاء والحكماء، والذين لهم من الخبرة والتجربة والحكمة والقبول، ما يؤهلهم لتضييق شقة الخلاف بين أطراف اللعبة السياسية ، بل والمبادرة إلى عقد حوار وطني شامل يتصدى لمعالجة القضايا الحيوية ، والتفكير في مختلف الصعوبات التي تواجه مسيرة مجتمعنا دينيا وتربويا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا… لنؤسس فعليا لمنظور قابل للتطبيق يحقق وحدتنا الوطنية ويصون تعايشنا التاريخي ويمثل تصورات منيعة في سبيل البناء والاستقرار المنشود.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة