تقارير

الحوار.. رحلة من “قاعة المناديل” إلى “قاعة الذكريات”

أخيراً بدأ الحوار.. قرابة الثلاثين من رجال السياسة توافدوا فرادى وجماعات على قصر المؤتمرات كما في كل مرة، تبادلوا الابتسامات والمجاملات كما في كل مرة، الجديد فقط أنهم تبادلوا الخطب الرسمية واقتسموا المشهد من أوله.

لم يكن مشهد القاعة التي غصت بالمفاوضين يوحي بارتفاع محتمل في درجات الحرارة، غير أن ذلك لم يمنع من وضع أكياس مناديل على الطاولة، تلك الطاولة التي ستطرح عليها ملفات كافية ليتصبب “العرق السياسي” من كل فصيل، حينها ستلعب المناديل دوراً مهماً في حوار ينظم في شهر إبريل متقلب المزاج.

مع وصول المشاركين في الحوار، وإقبال الصحفيين على تغطية الحدث، عجزت القاعة المجهزة عن احتضان الجميع، فاقترح أحدهم -على عجل- نقل الجلسة الافتتاحية إلى قاعة أكثر اتساعاً، وقع الاختيار على إحدى القاعات لم تكن سوى القاعة التي احتضنت إعلان الحكومة فشل الحوار الذي سبق انتخابات نوفمبر الماضي، لتحضر لغة التطير السياسي بين أطراف سياسية لا يثق بعضها في بعض؛ انتقلت الوفود من “قاعة المناديل” إلى قاعة أزيحت فيها الستائر عن أشعة الشمس لتزيد الدفء والتهوية، ووفرت قدراً كافياً من “وضوح الرؤية”.

على غير العادة اختلطت مجالس القوم، وغابت المراسم الشكلية لليسار واليمين، وهو أمر قد يعود إلى كثرة أعداد الوفود، أو ربما إلى مزحة أطلقها أحد الصحفيين وهو يقترح عدم احترام المواقع و”الاختلاط في القاعة”، وهو ما استجاب له الجميع عن غير وعي، وهم لا يستحضرون منع “الترحال السياسي”، يتندر أحد الحاضرين.

أمام فوضى المواقع في القاعة، اختار وزير العدل سيدي ولد الزين أن يجلس حيث انتهى المجلس، في الصف الثاني خلف قادة وفد الأغلبية الرئاسية، أمر لم يقبله وزير الاتصال ليأخذ بيده ويجلسه في الصف الأول وأمامه مباشرة.

“اختلاط” اليسار باليمين، والمعارضة بالموالاة، والنقابيين برجال الأعمال، كل ذلك شكل فسيفساء قاعة الحوار، وفي وسط المشهد الملحمي، كانت سيدة واحدة تجلس على طرف الطاولة، وحدها بين عشرات الرجال، دون أن تشارك في مجالسهم الجانبية أو نكاتهم الممزوجة بشيء من الدبلوماسية المبتذلة، بدت السيدة في موقع المراقب لحوار قد تغيب عنه “الدبلوماسية الناعمة”.

بصعوبة وصلت الأطراف إلى طاولة الحوار، وبكثير من الشك اقترب بعضها من بعض، وضعية كان وزير الاتصال شاهداً على تفاصيلها، ما جعله يدخل رفقة وزير العدل في اجتماع مغلق مع رؤساء الوفود الثلاثة، لوضع اللمسات الأخيرة على افتتاح حوار جاء بعد عملية قيصرية، لعل ذلك يمنع أي نوع من المفاجئات.

بعد طول انتظار بدأت أولى جلسات الحوار، كان وزير الاتصال أول المتكلمين، فبدا واثقاً مما يقول وهو يتحدث بلغة وصفت بالتصالحية، مبدياً استعداد حكومته لتطبيق ما تتفق عليه الأطراف، كالعادة كان خطاب ولد محم رصيناً وقوياً يحمل في طياته الكثير من الرسائل المبطنة، ما صعب مهمة عضو وفد الأغلبية محمد المختار ولد الزامل، وهو يترجمه بشكل فوري وارتجالي.

وفد المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة دخل الحوار بقوة، ورمى بثقله منذ البداية، حيث وضع على الطاولة ومن أول وهلة مطلب تشكيل حكومة توافقية، ضارباً عرض الحائط بتصريحات الرئيس الأسبوع الماضي؛ فقد حاول الخطاب الذي ألقاه رئيس وفد المنتدى يحي ولد أحمد الوقف، أن يلبي طموحات مختلف أطياف المنتدى، فكان خطابه الأكثر تشعباً والأطول من بين خطب رفاقه الآخرين.

تباين الخطابين في ظل حضور خطاب المعاهدة التوفيقي، وغياب افتتاح رسمي للحوار على غرار حوار ألفين وأحد عشر وما رافقه آنذاك من تغطية إعلامية وحضور رسمي ودبلوماسي، كل ذلك لم يمنع الاحتفاء به.. فأخيراً بدأ الحوار، يقول أحدهم !

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة