مقالات

الدر الثمين في نسب وتاريخ الحسنيين : قراءة أولية مع بعض الملاحظات والاستنتاجات

أصدر الباحث الأستاذ حبيب الله بن أحمدو بمبه الحسني مؤخرا كتابا جليل المعنى والمبنى عنوانه” الدر الثمين في نسب وتاريخ الحسنيين”، وكان الكتاب من بين الكتب التي استهوتني فقرأتها، ومن عادتي حين يستهويني كتاب فأقرأه أن أدون عنه بعض الانطباعات، وإن عنت لي ملاحظة أو استنتاج ذكرته تنويها أو استدراكا، أو هما معا.
صدر كتاب الدر الثمين في طبعة أنيقة عن دار المنار، في مجلد واحد مكون من 435 صفحة من الحجم الكبير: (a4)، ويضم ستة أبواب، وأكثر من عشرين فصلا. وفهارس للموضوعات وبعض القبائل والأعلام.
تضم الأبواب الستة من الكتاب بسطا مفصلا لتاريخ مجموعة الحسنيين، وعلاقاتها بالقبائل الأخرى، وإثبات شرف بطونها الثمانية ومكانتها العلمية والأدبية بين قبائل الزوايا.
 وقد حشد الكاتب لإثبات ماتوصل إليه مجموعة كبيرة من الشهادات شهد بها مؤرخون بارزون،وعلماء وشعراء وأدباء مبرزون تثبت كلها شرف ومكانة الحسنيين، كما جمع الباحث نصوصا تربوا على المائة من القصائد والمقطوعات لشعراء من هذه المجموعة توحي بتصدر شعرائها، ومكانة علمائهاومحاضرها.
الباحث حبيب الله قدم لنا باقة فريدة من الرسائل والمساجلات التي أثبتت بما لايدع مجالا للشك أواصر المحبة والترابط العميق بين مكونات مجتمع الزوايا بمختلف فروعه وقبائله رغم الخلافات والمشادات التي تنشب هنا وهناك، وحتى الحروب التي ذكر منها البعض، فإنها رغم ماسببته من شروخ، فإن العلاقة بين المجموعات المتحاربة عادت إلى متانتها وقوتها بعد الصلح.
ولقد فاجأني الكاتب بحقيقة تاريخية ماكنت أعلم عنها شيئا، وهي أن الحرب التي جرت بين الحسنيين والعلويين، ودامت فترة طويلة، وكنت أقدر قتلاها إن لم يكن بالآلاف فبالمئات، هذه الحرب لم يتجاوز قتلاها من الجانبين واحدا وتسعين شخصا. بمعنى أن الجانب الإعلامي فيها كان أكبر بكثير من آثارها.
وخلاصة الحديث في هذا الجانب أن الكتاب جمع الكثير من الحقائق التاريخية، وأبرز جملة هامة من الوثائق، ولم يهمل المرويات الشفهية التي تعتبر مصدرا مكملا وهاما في المدونات المتعلقة بالحوادث، لأن الذاكرة الجمعية تحتفظ بالحدث الأصلي، وإن أضافت إليه فإنما لسد الثغرات، ومحاولة إعادة التأسيس التي هي شكل من أشكال كتابة التاريخ؛ فلا ضير فيها خاصة إذا كانت مظللة ببطانة انتربولوجية.
وقبل إنهاء هذا الحديث فلابد من إبراز بعض الملاحظات والانطباعات:
أولا: لقد أفادني هذا الكتاب إفادة بالغة، وسد ثغرة كنت أبحث عنها منذ فترة ، تتعلق بقصيدة الأديب الشاعر هبة الله، وهي ميميتهالتي يهجو فيها بنوع من عدم التحفظ اعتزال بعض أبناء عمومته الحربالتي نشبت بين الحسنيين وخاصة منهم أبناء أعمر أكداشوبين العلويين، وكنت  قد بحثت عن هذه القصيدة في مظانها فلم أجدها رغم البحث الدؤوب، فوجدت منها الأساس الذي كنت أبحث عنه  في هذا الكتاب القيم، وسر اهتمامي بها هو أن هذا الشاعر الجريء والمفلق كان تلميذا مقربا ومحببا للعالم المحدث  الشيخ محمدو ولد أغربظ، الذي شرح كتاب الشمائل للترمذي شرحا مفصلا، وقد استرعت جودة شعره وطرافته انتباهي فبدأت بجمعه، وكان لدي طموح أن أجري عليه دراسة سيسيولوجية، وهذه القصيدة بالذات كانت مهددة بالاختفاء لما تثيره من حساسيات  مفرطة  لكنها لاتهم الباحثين كثيرا.
ثانيا: في الهامش  123، الصفحتان: 246و247، أورد الباحث حبيب الله تعليقا على تعليق للأستاذ الدكتور والأديب الناقد والباحث المحقق  محمد المختار ولد أباه، وخلاصة التعليق على هذا التعليق هو قلق لدى  صاحب هذا الكتاب من أن الأستاذ الدكتور محمد المختار “يضمر بعضا من مخلفات حرب العلويين والحسنيين” بدليل أنه أورد بيتين من قصيدة مشهورة للشاعر محمد فال بن عينين هما:
إنا بني حسن دلت فصاحتنا أنا إلى العرب العرباء ننتسب
إن لم تقم بينات أننا عرب  ففي اللسان بيــــان أننا عرب
في سياق تدليله على أن الانتماء للحضارة العربية أولى من أي انتماء سلالي وأورد استشهادا في هذا الهامش نقلا عن كتاب “الشعر والشعراء في موريتانيا ” جاء فيه بصدد الحديث عن إحدى القبائل الموريتانية:
“وسواء صح انتماؤهم العرقي أم لم يصح فإن انتماءهم الحضاري للعرب جعل أمر انتسابهم السلالي أمرا ثانويا، وهذا مايؤكده شاعر موريتاني من قبيلة بني حسن” إدا بلحسن” حيث يقول: وجاء بالبيتين.. وانتهي الاستشهاد.
لكن صاحب الكتاب فهم هذه الملاحظة على أنها إنكار ضمني لعروبة الحسنيين بالنسب،وأفاض في هذا الأمر، وجاء بحجج افترض فيها منذ البداية أن الأستاذ الدكتورمحمد المختار اقتطع البيتين ليصل إلى هذه النتيجة.
وبما أن الأمر يحتاج إيضاحا يفهمه القارئ ويطمئن الباحث صاحب الكتاب فإنني سأورد بعض الإيضاحات والحقائق التي يعرفها الكثيرون؛ ولو من باب التذكير:
الإيضاح الأول: حين كتب الدكتور محمد المختاركتابه “نماذج من فنون الشعر الشنقيطي القديم” اختار خمسة شعراء حسنيين من بين أربعة وعشرين شاعرا لكل بلاد شنقيط، وهو أمر لا يحتاج إيضاحا أكثر لأنه لو كانت لديه موجدة أو في نفسه شيء عليهم لوجد ألف عذر لإهمالهم ، أو وضعهم في مكانة ثانوية، وهو أمر شاهدناه لدى بعض الباحثين، والمؤرخين  للأدب الشنقيطي لاعتبارات يصعب فهمها، ويستحيل تفسيرها.
الإيضاح الثاني: يتعلق بالروابط التي نسجها التاريخ بين العلويين عموما والحسنيين، وهي روابط مشهودة  يشهد عليها الأدب والعلم وتبادل المعارف، وخاصة أسرة أهل أباه ، واستشهد على ذلك بما قاله لي أستاذي الدكتور محمد المختار، بأنه تربى بين أصدقائه من أبناء أجفغ أحمد من الشقرويين، وإنه كان على صلة صداقة حميمة مع الشيخ محمد بن إبراهيم بن الشيخ الحسن،وأنه يعرف هذه المجموعة وتربي بشعرها وآدابها..
وفي هذا المعنى  أستشهد بما أورده مؤلف كتاب “الدر الثمين في نسب وتاريخ الحسنيين” يقول في معرض حديثه عن متانة العلاقة بين المجموعتين  الصفحة 202 :” حدثني العلامة محمد فالبن عبد الله العلوي الملقب أباه قال ” نحن لم نأت لهذه الأرض اختيارا وإنما أتيناها بسبب موجدة على إخواننا في تجكجه وشنقيط، وقد كان كل ما يلزم إدوعلي يلزم إدابلحسن، وكل مايلزمإدابلحسن يلزم العلويين سواء تعلق الأمر بالديات أو بالمواساة(…) في معرض حديثه عن الحرب بين العلويين والحسنيين قال: ” إن للحسنيين والعلويين يومين قويين يوم حرب ويوم سلم حدث عنهما ولاحرج”..
 جئت بهذا الاستطراد الطويل نسبيا للتذكير فقط بأن الصلات والروابط بين الأسر والعائلات تبعد كل البعد من هم عاديون من الفريقين من النيل من الآخر أحرى من هو في مستوى ومكانة الأستاذ الدكتور محمد المختار ولد أباه علما وفضلا ومكانة أدبية، وفي مستواه البحثي الأكاديمي المجردالسامق.
الإيضاح الثالث:سابسطه للقارئ بدون رتوش وهو ماكتبه الأستاذ الدكتور محمد المختار في تقديمه لكتاب “مذكرات محمد الأمين فال الخير الحسني الشنقيطي” نشر مكتبة البابطين للشعر العربي، تحقيق الأستاذ عبد الرحمن بن صالح اشبيلي : يقول الدكتور محمد المختار في تقديمه لهذا الكتاب:
” ولقد مرت حياة بن فال الخير بمراحل لكل منها خصائصها، فالمرحلة الأولى بدأت منذ نشأته في العُقْل في جنوب بلاد شنقيط، حيث ولد سنة1293هـ، وترعرع في وسط قبيلته الحسنيين الذين اشتهروا بعلوم القرآن الكريم ، والتبحر في اللغة العربية ، وجودة الشعر حتى قال شاعرهم:
إنَّا بَنِي حَسَنٍ دَلَّتْ فَصَاحَتُنَا    أنَّا إلَى العَرَبِ الْعَرْبَاءِ نَنْتَسِبُ
إنْ لَمْ تَقُمْبَيِّنَاتٌ أَنَّنَا عَرَبٌ      فَفِي اللِّسَانِ بَيَانٌ أنَّنَا عَرَبُ
ويقول الشيخ الشنقيطي راويا عن الشيخ سيديا باب:” إن الشعر بني بيته في قبيلة الحسنيين وفرق أبناءه في القبائل الأخرى،” ومما يفخر به أحدهم قوله:
 مِصْدَاقُ أنِّي كَرِيمُ الْعيصِ مُنْتَسِبٌ   إلَى قُرَيْشٍ بُيُوتِ العِزِّ وَالْجَذَلِ
حَوْكِي الْقَرِيضَ وَإحْكَامِي قَوَافِيَهُ     وَلاَ أمَيِّزُ بَيْنَ العَطْفِ والْبَدَلِ
لقد تربى  محمد الأمين ااشنقيطي في هذه البئة، ورضع من أخلاقها مآثِر أجداده وعلوم اسلافه واستوعب مقررات مدرسته المحظرية، فحفظ القرآن الكريم ودرس المتون التي تتناول مبادئ المباحث الفقهية والسيرة النبوية، كما قرأ دواوين الشعر القديم مثل الشعراء الستة المشهورين وحفظ مختارات شعر قومه الكثير(…) وهكذا أتيح لمحمد الأمين الشنقيطي أن يقري آذان المصريين بروائع أشعار قبيلته الحسنيين، الذين كانوا سدنة اللغة العربية في بلاد شنقيط، وكما يقول الشنقيطي إن الشعر أكثر فيهم من غيرهم، وذكر بعض هؤلاء الشعراء  أمثال عبد الله بن أحمد دام ومحمذن بن السالم الذي يقول:
النحو علم كفاني من تعلمه   ملج الثدي ثدي الهيف من حسن
فهو يفخر برضع لبان العربية من أمهاته، والمختار بن المعلى صاحب اللامية المشهورة التي أولها:
ألما على دور بعمار من جمل   وأخرى لدى الوادي إلى جانب الرمل
عفتهن أيدي الدهر بعدي وإنما    يد الدهر خرقا ما تجد كما تبلي
ولعل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي لم تدركه شهرة ابن المختار بن المعلى الشاعر المعروف أمير الشعراء في عصره ألا وهو محمد النان الذي نافس ابن حنبل في رمليته وهي قصيدة طويلة يقول فيها
بالأخاديد رسوم وديــــــم   غيرتهن مربات الديـــم
وبشرقي الأميليـــــح إلى    جنبة الغربي آي كالرمم
لعبت بعدي يد الدهر يهاإن للدهر صروفا وشيم ….
إلى آخر القصيدة”
ولعل القارئ الكريم فهم من هذا الإيضاح المفصل أن من يكتب كلاما كهذا وهو غني عن كتابته ، ولن يؤثر؛ إن لم يكتبه؛ في علاقته الحميمة بهذه المجموعة، مؤشر واضح على أنه بعيد كل البعد عما وسم به في تلك الملاحظات، وأنه يقدر ويحترم تللك المجموعة شأن آبائه ووسطه الاجتماعي والثقافي، وشأن المجموعات المشابهة من زوايا شنقيط والمنطقة، وهي المجموعات التي يعتبر انتماؤها الثقافي للحضارة العربية  أوضح وأرقى وأهم من أي انتمائي سسلالي وعرقي، ولاتهم الباحثين والمهتمين إلا بحملها لهذا اللواء الحضاري الثقافي.. إذ من المعلوم في تاريخ الثقافة الإنسانية أن المجموعات البشرية في مشارق الأرض ومغاربها إنما تذكر وينوه بها بحسب ما قدمته للحضارة والثقافة الإنسانية أيا كانت.
الإيضاح الثالث والأخير سيعود بنا إلى الجزء الثاني من هذا الهامش ويتعلق بما وصفه الكاتب من أن الأستاذ الدكتور محمد المختار في كتابه “رحلة مع الشعر الشنقيطي” قد اختار شعراء  من ضمنهم  الشاعرمحمد فال بن عينين لكنه ” تحامل عليه “بأن جاء بنص لشاعر آخر، وهو ابوبكرن الفاضلي الملقب (بكن)، فجاء بقصيدة يسخر فيها من إطالة بعض شعراء الحسنيين لقصائدهم…
وأظن أن في الأمر بعض اللبس وقع فيه الباحث فالناقد إنما يهمه من النص أوجه الطرافة فيه بغض النظر عن مضامينه وأغراضه، والأستاذ حبيب الله يعلم كيف كان هو والطلاب في المحظرة وغيرهم يتناشدون شعر (بكن الفاضلي) بدون أي حرج، ويتناشدونه لمجرد طرافته.. وهنا سأسوق حكاية رواها لي الأستاذ الأديب والشاعر الكبير أحمدو بن عبد القادر، وهو أنه زار مرة الأديب الكبير محمد عبد الله بن الحسن الفاضلي رحمه الله، وفي معرض حديثهما طرح عليه سؤالا وهو لماذا يتعاطى الحسنيون شعر ابوبكرن، وينشدونه دون حرج، فقال له الشاعر أحمدو هذا السؤال لن أجيبك عليه، لكن حين يجيء الأستاذ التقي بن بلا يمكنك  طرحه عليه، وحين جاء التقي سأله الأستاذ محمد عبد الله بن الحسن نفس السؤال فأجابه بأن ضحك، وقال”بكن شخص طريف، (امعيدل) وشعره لايغيظ”..
لن أزيد هنا على طمأنة الباحث والكاتب حبيب الله  بأنالأستاذ الدكتور محمد المختار  بدأ مشواره الأدبي باحثا ومنقبا عن الأدب الموريتاني، وبأنه حمل الريادة في تعريف الحضارات الأخرى بهذا الأدب، قبل ان يقدمه للعرب وللمشارقة خاصة.. لذلك لامجال للشك في أمانته العلمية.
أخيرا أشكر هذا الباحث على ما بذل من جهود مضنية ليقدم لنا مادة ثرية ومتنوعة، شكلت لبنة لتصحيح بعض المفاهيم، وسجلت بعض الأحداث المنسية ، وأنارت القارئ حول المدونة الثقافية والأدبية لمجموعات أسهمت إسهاما كاملا وفعالا في حضارة وثقافة هذا البلد.
وقد جاء هذا التعليق من أجل إعادة الاعتبار للمفهوم الذائع الصيت وهو:” الإنصاف من شأن الأشراف!”
محمد الأمين بن أحظانا.
 
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة