شخصيات

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم
ودعت موريتانيا قبل أيام؛ واحداً من أبرز شخصيات الاستقلال الوطني، وصاحب بصمات عديدة في لبنات البناء والتأسيس للدولة الحديثة، فقد شغل الرجل العديد من المناصب الوزارية الحساسة في حكومات الاستقلال.
رحل سيدي محمد ولد محمد أحمد، والذي اشتهر بلقبه (الدَّيَِّـيـنْ)، في صمت وهدوء.. تماماً كما كان دأبه في أغلب أيام حياته، التي بدأت في العام 1917 في منطقة بوتلميت، جنوب شرقي موريتانيا، وإلى مقبرتها (البعلاتية) عاد جثمانه، في السادس عشر مارس، بعد 96 عاما؛ كـرّس أغلبها للعمل العام.
يحتفظ التاريخ المعاصر للدولة الموريتانية بذكريات كثيرة حول هذه الشخصية، خلال عمله في التعليم والوزارة، والقطاع المعدني. وعلى المستوى الشخصي والأخلاقي أيضا.
دخل الراحل المدرسة الفرنسية في بوتلميت، والمعروفة باسم La Medersa de Boutilimit، وحين تخرج منها، أصبح أول موريتاني يلتحق بمدرسة William Ponty الشهيرة في العاصمة السنغالية دكار.
بعد العودة إلى موريتانيا كانت في انتظاره مهمات تعليمية في مناطق متفرقة من موريتانيا، فعمل أولاً مديراً لمدرسة كيفة عاصمة دائرة لعصابة، ثم مديرا لمدرسة بوتلميت، وأخيراً مديرا لقطاع التعليم في شمال البلاد، مقيما في مدينة أطار، عاصمة دائرة آدرار.

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم
الديبلوماسية الفتية
كانت أولى المهام الوزارية للراحل، عام 1958 لسد الفراغ الناتج عن انسحابين اثنين من أعضاء الحكومة، وبعدها تقلد رسميا  منصب وزير التعليم والشباب والشغل، في ثاني حكومة موريتانية بعد الاستقلال الداخلي، والتي شكلت بتاريخ 23 يونيو 1959، وبعد ذلك تولى منصب وزير الداخلية في حكومة 29 سبتمبر 1961، وهي أول حكومة بعد تأسيس حزب الشعب الحاكم.
وختم مشواره الحكومي وزيرا للشؤون الخارجية، في حكومة 6 نوفمبر عام 1963 خلفاً للوزير شيخنا ولد محمد الأغظف، واستمر الديين في منصبه قائداً للديبلوماسية الموريتانية الفتية، حتى عام 1965. تاريخ خروجه من العمل الحكومي، وعودته إلى مسقط رأسه مدينة بوتلميت، مديراً لمعهد الدراسات الإسلامية. في حين تولى الرئيس المختار ولد داداه نفسه وزارة الخارجية، إضافة لوزارة الدفاع، خلال التعديل الحكومي الذي أجري بتاريخ 18 يناير 1965.

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم
قبل أن يتسلم حقيبة الخارجية الوزير محمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود، في حكومة 26 يوليو 1965، ليسلم اللواء للوزير المعلوم ولد ابراهام، في 21 فبراير عام 1966، والذي سلمه بدوره للوزير بيران ممادو وان، في أكتوبر من العام نفسه، وأدارها الأخير لمدة سنتين، قبل أن يكتشف الرئيس المختار من سيكون أشهر وزير خارجية موريتاني : حمدي ولد مكناس، الذي قاد الديبلوماسية الموريتانية عشر سنوات (من 1968 إلى غاية 1978 تاريخ الإطاحة بالحكم المدني).
ترك الديين بصماته في القطاعات التي أدارها، فقد أشرف على إعداد المنظومة التربوية، ونظام قطاع الشغل، ويعتبر الراحل أحد أهم مؤسسي قطاع الداخلية، التي تولاها بعيد الاستقلال، وأعد النظم والقوانين المؤسسة لها.
قاد الديبلوماسية الموريتانية في وقت حرج، ونظم جولات مكوكية في العالم، شرقاً وغرباً، في الأمريكيتين وأوربا، ودول الاتحاد السوفياتي، وإفريقيا، بحثاً عن مواطئ أقدام لموريتانيا الوليدة، والتي تعاني من مشاكل اعتراف في جوارها العربي بسبب موقف المملكة المغربية التي تطالب بضمها، وبسبب المطالب بالانضمام لفيدارلية مالي ـ السنغال.
يقول محمدن ولد إشدو، المحامي الموريتاني المعروف،  إن الديين خاض ملحمة بناء الدولة في “درب التحديات” على أسس ثابتة، رغم الرمال المتحركة، والعواصف الهوج، التي فشلت في كسر تلك الإرادة الصلبة التي لم تتزحزح أو تنثن عن هدفها المنشود، ولم يزغ بصرها أو بصيرتها  “شمالا” أو “جنوبا”!

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم
اختيار النشيد الوطني
اختار الديين كلمات النشيد الوطني (كن للإله ناصرا….وأنكر المناكرا)، من قصيدة توجيهية للشيخ سيدي باب ولد الشيخ سيدي، لكي يلحنه الموسيقار الفرنسي؛ من أصل روسي، توليا نيكيبروتزكي، ويؤديه الفنان الموريتاني سيداتي ولد آبه.
وكان منطلق الديين من اختيار هذه الكلمات بالضبط لتكون نشيدا وطنيا لموريتانيا الوليدة، هو الحرص على الوحدة الوطنية، وينقل عنه الأستاذ الجامعي المقيم في قطر؛ الدكتور عبد الله ولد محمد أحمد (ابن أخيه)، قوله إنه اختار (كن للإله ناصرا..) عن وعي، لتكون نشيدا وطنيا، وجسر تواصل واتحاد ومحبة بين مكونات الشعب الموريتاني.
وكان الراحل يقول : ( لم أجد يومئذ ما يوحد الضفة وباقي التراب الموريتاني إلا الإسلام، فلو أني اخترت أي كلمات أخرى تمجد إحدى القوميتين – كما هو متعارف عليه في كلمات الأناشيد الوطنية العالمية – لأدى ذلك إلى تذمر وغيظ القومية الأخرى).

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم
العودة إلى التعليم
في العام 1965، قدم الوزير سيدي محمد الديين، طلباً للرئيس المختار ولد داداه، بأن يعفيه من الوزارة، وأن يتم تحويله مديرا لمعهد بوتلميت للدراسات الإسلامية، وهو طلب لم يكن مألوفاً حينها.  وكان الراحل يقول إنه قدم هذا الطلب للرئيس المختار لسببين؛ أولهما رغبته في العودة لخدمة التعليم الوطني، من خلال تطوير معهد بوتلميت للدراسات الإسلامية، ليكون مؤسسة تعليمية عصرية تليق بالمكانة العلمية للمدينة.
والسبب الثاني، شخصي، وهو رغبته الجامحة في البقاء قريبا من والدته فاطمة بنت سيديا ( توتو)، وجدته لأمه خديجة بنت السالم (دَوْدَّحْ)، المسنتين، فقد كان برا بهما.
استمرت إدارة الديين للمعهد خمس سنوات، من العام 1965 وحتى العام 1970، تاريخ تقاعده من الوظيفة العمومية. وفي هذا العام انتقل للعمل الخاص، من خلال التعاقد مع بعض الشركات، فأصبح مديرا إداريا لشركة النحاس بمدينة أكجوجت؛ شمال موريتانيا، واستمر في هذا المنصب لغاية عام 1974.
وفي العام 1974 أصبح مديرا لشركة (SAMMA) في نواكشوط، إلى غاية أواخر العام 1978، حين ألم به المرض وأقعده في بيته، ثلاثين عاما.

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم
بعيداً عن الأضواء..!
في نهاية العام 1978، ألم بالديين؛ مرض عارض، بعد شعوره بآلام ناتجة عن وجود حصى بالمرارة، مما تطلب إجراء عملية بسيطة لاستئصال كيس المرارة،  في المملكة المغربية، لكن العملية الجراحية تحولت إلى كابوس، بسبب ما يعتقد أنه إفراط في جرعة التخدير، و تسببت العملية في شلل شبه كامل، أدى إلى فقدانه القدرة على الحركة، والتحدث بشكل واضح، وأقعده في فراشه.
ابتعد الديين عن الأضواء، التي عاش تحتها سنوات طويلة، كان خلالها شاغل الناس ومالئ الدنيا، وتركَ عالماً عرفه عن قرب، وانزوى في ركن من بيته المحاذي للقصر الرئاسي، في حي ilot v، بنواكشوط، ينتقل صيفاً إلى بيته الآخر، على ربوة في زمزم، ببوتلميت.
وطيلة ثلاثة عقود من الزمن، ظل الديين يعيش المرض بصبر أيوب، ورغم المعاناة الصامتة؛ كان يتلو القرآن بمزامير داوود، ويصوم صوم داوود أيضا. ويقول المقربون منه إنه كان طيلة تلك الفترة “صابرا محتسبا راضيا بقضاء الله”.

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم
الدييـن..الإنسان
عرف الديين، بالأخلاق، و يُـروى عن الشيخ عبد الله ولد الشيخ سيديَّ، الزعيم؛ الديني والسياسي المعروف، قوله إن من ذكر اسم الديين فعليه أن يتعبه بعبارة “وخيـــرت”، التي تعبر عن قيمة معنوية مضافة.
يقول الأستاذ محمدن ولد إشدو “..ما نزال نتذكر ذلك الفارس الشهم الفارع الودود الذي يرتدي – ببساطة أقرانه- سروال “توبيت” الطويل، وقميص الكاكي ذا الأكمام القصيرة، مشمرا عن ساعد الجد في حقول التعليم والعلاقات الدولية والاقتصاد”.
كان الديين بحسب من عاصروه، متواضعا، بسيطاً في ملابسه ومظهره، خلوقاً، ديبلوماسياً بالفطرة، ينتمي لجيل كان همه الأول العمل ثم العمل لأجل تشييد صروح دولة في صحراء قاحلة.
ينتمي لجيل ضم مجموعة رجال يصفهم ولد إشدو ـ الذي كان معارضاً شابا حينها ـ بأنهم “لم يغُلّوا فيجمعوا مالا، ويبنوا قصورا.. لكنهم جمعوا أمة وبنوا دولة ومجدا، وحافظوا على قيم معاهدة الفصل بين السلطة والمال؛ تلك المعاهدة التي جعلوها أساس ملكهم، ودستور عهدهم الوطني البهي البهيج”.

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم
الثقافة.. والخمر !
عرف عن الراحل اهتمامه الثقافي، فكان على علاقات وطيدة بكبار علماء البلد ومثقفيه حينها، وكان منتظم الحضور لمجالس السمر الأدبي، في بيت المؤرخ والأديب؛ المرحوم المختار ولد حامدُن.
كان الديين يعبر عن حبه الشديد للثقافة، يعمل على دعم أهلها، إذ كان يقول إن الثقافة هي القاطرة التي تجر قطار التنمية والتقدم، وان أمة لا تمجد  ثقافتها و مثقفيها،  ليست أمة جديرة بالتقدم.
دبج شعراء ذلك العهد قصائد في مدح الديين، ومنهم بعض أعلام الأدب والعلم، مثل العلامة محمد عالي ولد عدود، والمؤرخ الشاعر المختار ولد حامدُن، والشاعر محمد ولد آبو الحسني، والمفيد ولد الرباني وغيرهم.
وقد ذكر المؤرخ المختار ولد حامدُن، مؤلف موسوعة “حياة موريتانيا”، أنه كان من وزراء الاستقلال الذين دعموا الثقافة وأهلها، وأن مجلسه أيام كان وزيرا لا يخلو من رجالات العلم والثقافة. بل إنه كان وصحبه من وزراء الاستقلال لا يجدون حرجا في التنقل لمسامرة أهل الثقافة.
وهذا ما سجله المختار ولد حامدُن نفسه في بيتين مشهورين عندما زاره ذات مساء ـ بغية السمر الثقافي ـ كل الرئيس المختار ولد داداه بمعية كل من الإداري المدني المعروف الداه ولد أقليل العار،  وأحمد ولد المنير العلوي والي نواكشوط حينئذ، والديين ولد محمد أحمد الذي كان وزيرا للداخلية. فقال المختار :
هذا مساء   فيه   قل العار /////   وأتى النفوس مرادها المختار#
فيه المنيرون الأحاسن أوجها /////   والديـينون السادة   الأخيار#

الدَّيـيـن.. وجه موريتانيا الباسم
كان الديين، متديناً، ويمكن تصنيفه بأنه كان يمينيا محافظاً، في وقت سادت فيه قيم الانفتاح وميول الشباب نحو الحياة المفتوحة.
ذات يوم امتنع الديين عن شرب الخمر،  وقال كلمة أصبحت مشهورة “الديين بيظاني”، فصارت مضرب مثل؛ لمن يراد منه أن يقوم بعمل أو فعل لا يناسب مقامه.
وبحسب الباحث الشاب المهتم بالتراث الموريتاني المختار ولد ابراهيم ولد السيد، فإن أصل المثل يعود إلى أن الديين كان خلال إحدى جولاته في الغرب، إبان عمله وزيراً للخارجية، و قدم له الخمر فرفضه بامتعاض، وتفاجئ مضيفوه، فقد تعودوا على الوزراء العرب والأفارقة، يتناولون المشروبات الكحولية. فرد عليهم قائلا بالحسانية : “الديين بيظاني”.
غادر الديين الدنيا، مودعاً حياةً حافلة بالذكريات، والعمل، تاركاً بصماته، في قطاعات ربما لم تعد تذكره.
ووري جثمانه الثرى في مقبرة (البعلاتية) على ربوة شمال مدينة بوتلميت، في المنطقة التي اختارتها عائلته ذات يوم دار مقام لتعيش مع أهلها في الشدة والرخاء، و  ورث الديين علاقات روحية واجتماعية، كان هو نفسه من نتائجها المباشرة.
في البعلاتية رقد الديين، بجانب، باب ولد الشيخ سيديَّ، وابنه الشيخ عبد الله، هناك أيضا يرقد الرئيس المختار ولد داداه، أبو الأمة الموريتانية، ومؤسس الدولة الحديثة،  و سليمان ولد الشيخ سيدي، ومحمد ولد الشيخ ولد جدو، و سيدي الحبيب ولد الحسن، ويعقوب ولد أبومدين، ومحمد ولد مولود، واسحاق ولد الراجل، وأحمد ولد منيه ، وسيدنا ولد سيديا. وغيرهم كثير، ممن لهم أدوار متعددة في دولة الاستقلال.

ملاحظة: اضغط على الصور لمشاهدتها بحجمها الطبيعي

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة