مقالات

الصفحة الأولى على الصفحة الأخيرة

لقد استمعت كغيري من الموريتانيين إلى حلقتين متتاليتين من برنامج الصفحة الأخيرة الذي يقدمه الدكتور الشيخ ولد سيدي عبد الله، وكان ضيف البرنامج العميد الأستاذ محمد المصطفي ول بدر الدين، وبعد الاستماع إلى ما قال وردت على ذهني بعض الخواطر أردت أن أسجلها كما يلي: لست من اللذين يرون مجابهة الفكر بالشتم ولا بالتهجم، فمن طرح فكرا ينبغي أن يواجه بفكر، وإلا فإن ذلك سيعتبر ضعفا في الحجة ووهنا في العقل وأزمة في الخلق؛ أسجل اعتذاري للأستاذ الدكتور وللعميد الوالد المحترم محمد المصطفي ولد بدر الدين عن كل كلمة نابية قيلت في حقكما أو في حق أحد من أعلام هذا البلد بسببكما.

وبعد فإنني أريد أن أسجل بعض الإضافات على كلام العميد: ذكر العميد فيما ذكر أن الرئيس المختار لم يذكر المقاومة في خطابه في حفل الاستقلال وأنه مجد الرئيس ديكول ووعد فرنسا خيرا في المستقبل إلخ؛ أما أن الرئيس لم يذكر المقاومة فلأن فرنسا لها مع بلادنا قبل الاستقلال مرحلتان مرحلة أولى هي مرحلة الغزو ومحاولة الدخول وبسط النفوذ، ومرحلة ثانية هي مرحلة الاستعمار وإكمال السيطرة؛ فالمرحلة الأولى هي التي شهدت مقاومة من طرفنا للمستعمر واستشهد فيها أبطال مقاومتنا المعروفون بكار ولد اسويد أحمد وسيد أحمد ول احمل عيده وسيدي ول ملاي الزين رحم الله الجميع، مع غيرهم من المقاومين؛ أما المرحلة الثانية فلم تحدث فيها مقاومة ولا استشهد فيها أحد يعرف وهي الأقرب زمنيا إلى الاستقلال فلا داعي لذكرها حيث خلت من مقاومة والتي قبلها أيضا لا مبرر لذكرها مادامت هذه لم تذكر.

والأهم من ذلك أن خطاب الرئيس لم يكن موجها إلى الماضي في أي جزء من أجزائه بل خطابا سياسيا استعطافيا لديكول ولفرنسا لأنه من وجهة نظر الرئيس فإن موريتانيا لا تزال بحاجة ماسة إلى دعم فرنسا، بل وجودها كدولة يتوقف على ذلك بسبب أطماع أهل الجيرة وذوي القربى، فالخطة المختارية أن نعتمد على فرنسا حتى نتخلص من خطر المطالبين بانضمامنا والهيمنة علينا من أهل الجوار، وكذلك القضاء على التشرذم الداخلي من جبهات وشخصيات سياسية لا تؤمن بإمكانية قيام دولة مركزية وطنية على هذه الأرض، ومن إمارات وقبائل ألفت الاستقلالية والشوكة الذاتية ولا تريد وجود سلطة تستتبعها وتهيمن عليها إلى غير ذلك من التهديدات التي من شأنها أن تنسف إمكانية تدولنا، ثم بعد الخلاص من كل هذا أو زوال خطره على قيام الدولة نبدأ تدريجيا في التملص من فرنسا والاعتماد عليها، وهذا هو ما فعله بالضبط بدليل استغنائه عن الدعم الفرنسي للميزانية المعروف وبدئه في تسريح الموظفين الفرنسيين وإبدالهم بزملائهم من الموريتانيين وذلك في شتي المجالات العسكرية والمدنية وكذلك الفنية والإدارية.

أما قياس العميد لنا على الجزائر والمغرب وتونس فهو إلى التنكيت أقرب منه إلى التحليل، فهذه دول عريقة في التدول والحضارة والعلم والتنظيم والمأسسة، ونحن على النقيض من ذلك تماما، ولا أدل على ذلك مما ذكره العميد عن نفسه حيث لم يستطع أن يقدم الدرس الأول لتلاميذه ولا علم له بطريقة ذلك حتى أغاثه الفرنسي ل نوبل وأخذ بيده، وهذا الدرس هو ما استفاد منه ومن أمثاله الرئيس المختار بحصافة وبعد نظر واستعلاء على مركب النقص فرأى الواقع وقرأه وعمل به، في حين غاب الدرس المذكور عن عقول ووعي من فعل بهم من أمثال العميد وأترابه من أبناء الوطن.

أما جبهة التحرير الجزائرية التي ضربها العميد لنا مثلا فإن البون بيننا وبينها شاسع لا يقل عن المسافة بين وعينا ووعي الرئيس المختار، حيث أن الجزائريين كانوا يقاومون المستعمر قبل دخوله إليهم وبعده وظلوا كذلك حتى أجبروه على الرحيل عنهم، تاركا فراغا في السلطة فقط وليس في الدولة ولا في النظام ولا الحياة العامة، فكان المجاهدون والمناضلون من أصحاب البندقية هم الأقرب إلى الكرسي الشاغر فاستولوا عليه، أفترى سيادة العميد أننا في موريتانيا كنا كذلك ؟

أما ما ذكره مما يتعلق بحادث العمال في مدينة ازويرات فإننا لم نقرأ ولم نسمع فيما قيل أو كتب من طرف المختار أو معارضيه أنه رحمه الله، هو من أمر بإطلاق النار على المتظاهرين وقتلهم، إلا أننا نصدق العميد فيما روى وذكر، فنقول مستفسرين هل وجد على ظهر البسيطة منذ أن كانت الدولة المركزية من فجر التاريخ إلى الآن دولة واحدة أو نظام واحد مهما بلغ من العدل والرحمة أن يسمح بوجود تحرك منظم وعنيف يشكل خطرا على كيان الدولة واستقرارها، خاصة إذا كان هذا التحرك في الأطراف نائيا عن العاصمة مركز الوعي والفهم مختلطا بالغوغاء والعوام والسذج، مع أن العميد ذكر أن السلطة فاوضت وأنذرت وضربت بالغاز المسيل للدموع قبل ذلك، فماذا يراد منها أكثر من هذا ؟ أم أن العميد يريد أن تقف السلطة مكتوفة الأيدي تاركة الدولة ومؤسساتها عبثا في أيدي اللاعبين حتى يغيب الأمن وتختلط الأوراق فتسقط الحكومة ويتنحى الرئيس عن كرسيه ليجلس عليه نقيب المعلمين بالوكالة ؟؟ ثم نسأل أيضا عما إذا كان الدافع لمعارضة المختار حقا هو مقتل أو جرح بضعة أشخاص بالطريقة التي ذكرنا وذكر العميد ؟؟ فلماذا نرى العميد ومدرسته يعظمون ويتتلمذون على الزعيم التاريخي لينين وكذلك ماووت سيتونغ وهما أبشع من قتل المسلمين في بلديهما بالملايين ورحلوا ودفنوا الأسر بأكملها وهم أحياء ينظرون، أوليس الملايين أحرى بالحزن عليهم من تسعة أشخاص ؟؟ أوليس الدين والعقيدة أقدم في سلم الأولويات من علاوات الراتب والساعات الإضافية ؟؟؟ أترك الإجابة لكم سيادة العميد.

أما قولكم بخصوص اندماج النهضة وتوزير المرحوم بياكي ول عابدين وأنه قام بجملة إصلاحات وثورة انجازات بوزارته فإنكم ذكرتم أن المطالب التي قدمتموها للوزير اعل ول علاف قد استجاب لها ووفي بوعده بشأنها وقلتم إن ذلك بمباركة الرئيس المختار، فلماذا لا يكون ما قام به الوزير بياكي رحمه الله بمباركة منه أيضا ؟ خاصة أنه كان من مآخذكم على المختار أنه لم يتحد مع المعارضة لتحقيق الاستقلال الحقيقي، وهذا دليل أن الذي يأبى ذلك هو الطرف الآخر وليس المختار لأن ما قام به المرحوم بياكي من إنجازات أما أن يكون بمباركة المختار فهو يحسب له لأنه هو من صالح بياكي وعينه ودعمه في الإصلاح، وأما أن يكون تمردا من الوزير وعملا برأيه دون إذن الرئيس فالمختار معذور أيضا في الاستغناء عن وزير لا يعمل بإمرته ووفق برنامجه وهذا ما عليه العمل في أقطار الدنيا، ثم إنه دليل واضح جلي أن من يرفض الوحدة ورص الصفوف هو المعارضة وليس الرئيس المختار، وما قام به الوزير بياكي لا يمكن إلا أن يكون بمباركة المختار أو بدونها.

ومن جهة أخرى حين أراد العميد أن يذكر لرئيسنا بعض الإيجابيات لم يجد غير أمرين لكل منهما علته، فالأول أن الرئيس المختار وفريقه كان لديهم بعض العفة عن المال العام ولكن ليس على الإطلاق بل فقط حسب العميد فإن ذلك بالنسبة إلى من جاء بعدهم، رغم أنهم كانوا مضرب المثل عند العامة والخاصة في هذا المجال وقصصهم فيه سمر العامة وحديث الناس، والأمر الثاني هو أن الرئيس فعلا قد اهتم بقضية فلسطين كما قال، ولكن يضيف العميد نحن اللذين ساعدناه في ذلك حيث قمنا بالمظاهرات والاحتجاجات وكأن من احتج علي الحكومة وتظاهر ضدها لإحراجها والتشغيب عليها لحاجة في نفسه يكون ذلك مساعدة للحكومة والرئيس، ولقائل هنا أن يقول على قاعدة العميد أن كفار قريش هم من أسس دولة الإسلام في المدينة لأنهم أجبروا المسلمين على الهجرة إليها والإقامة فيها.

هذه بعض الإضاءات التي أردت ذكرها بإيجاز إلا أنني والمشاهدين الكرام سمعنا من العميد تلميحا تارة وتصريحا أخرى أن الرئيس المختار رحمه الله كان عميلا أو في حكم العميل، وأنه كان هنا لخدمة أجندة فرنسا في موريتانيا، ولذلك فإنني أهدي إلى السيد العميد مقطعا قصيرا من أوسط ما قاله الرئيس المختار رحمه الله عن فرنسا وأقله حدة حيث يقول: ( … لكنني كنت دائما أومن بأن موريتانيا رغم وضعيتها الخاصة تمتلك ثروة مقدسة لا ينبغي المساس بها ولا النيل منها، وهي شرفها وكرامتها، فإذا أرادت فرنسا النيل من أحد هذين العنصرين مقابل مساندتها التي لا غنى لنا عنها فإنه لا داعي للبحث عن استقلال يكرس العبودية، والفقر والضعف بالنسبة لنا لا يشكلان خطيئة أو ذنبا مخجلا، ونحن فوق ذلك مقتنعون كما سبق أن أشرت بأن فرنسا لم تفعل ما فعلته معنا للحصول على الاستقلال افتتانا بعيوننا، قد نقبل المحبة بين الأشخاص لكننا لا نؤمن بوجودها بين الدول ..) من مذكرات الرئيس المختار رحمه الله، موريتانيا علي درب التحديات ص232.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا نحن الموريتانيين عميلا آخر في نظر العميد ومدرسته..

وفي ختام هذه الفضفضة أريد أن أذكر أنه لا أحد يستطيع أن يكابر أو ينكر أن العميد النقيب النائب المحترم محمد المصطفى ول بدر الدين، هو قامة سامقة وهامة عالية من هامات النضال والتضحية في هذا البلد، عرفته السجون وألفته المنابر مكافحا ومنافحا عن ما يري أنه الحق والصواب، ولا أعتقد أنه بيننا رجل سوي يستطيع أن يسمح بأن توجه إلى العميد كلمة نابية أو جارحة تمس من مقامه ومكانته، ولكنه أيضا فوق كل ذي علم عليم ولكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة كما يقال .. والسلام
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة