الرأي

القرضاوي… {ما عليش عندكم كفاية…} / يحي السالك

فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي هو أحد العلماء الأجلاء الذين ذاع صيتهم، و أستفادت من أفكارهم النيرة جماهير عريضة من المسلمين في كل بقاع المعمورة، فهو وجه إسلامي عالمي مشهور يعتز به كل مسلم، بل يتمنى لو جالسه و حادثه و تلمس البركة من يده الطاهرة.

و لست أراني جديرا بالكلام عن عالم وحبر من علماء المسلمين المحترمين، و لا التطاول على هامته الشامخة، إذ ما كان لقزم مثلي أن يطاول السماء.

و لكنني وددت و من خلال باب الحرية الواسع، تلك الحرية التي هي هبة ربانية من الخالق لمخلوقاته دون تمييز، و من باب الإحساس بالمساوات التي هي قيمة من أجل القيم التي دعا إليها الإسلام، و التي سمحت للضعفاء و المضطهدين أن يلجوا عالم الإنسانية و الحرية بعد ما عانوا من جاهلية و تجاهل إنسانيين، وددت الإشارة إلى حدث بسيط، عميق من حيث الجوهر و التأثير.

فقد كنت أستمع إلى الإذاعة و هي تبث محاضرة القرضاوي أمام جمع من العلماء في مركز تكوين العلماء، و إذا بي أمام عبارة غريبة لم أستطع معها صبرا، و لم أستطع لها كتمانا، حيث كان الفقيه يبين دور العلم و قيمة أهله و أشار في حديثه إلى قضية معروفة و هي أن من علمك حرفا فهو مولاك، أو أنت له عبدا، و لكنه أضاف بنبرة خاصة و بلهجته العامية {ما أعليش عندكم كفاية…} وسط ضحكات البعض و ابتسامات الآخرين! ! !

والحقيقة أنني لست من أولائك الذين يحسبون كل صيحة عليهم، و لكنني و احتراما لشعور غالبية الموريتانيين أحسست بألم كبير يعتصرني من الداخل،و بمرارة قوية. إذ كيف تكون كرامة و حرية الآخرين مجالا للغمز و الإستهزاء و من طرف من ؟ الأمين العام للمؤتمر العالمي لعلماء المسلمين!

كنت قد قرأت في بعض المواقع عن رسالة موجهة من بعض المدافعين عن حقوق الإنسان إلى فضيلة الفقيه القرضاوي، و لم يكن يهمني كثيرا أن يرد عليها أو لا يرد، و لكنني اعتبرتها رسالة مشروعة من مواطن مسلم إلى علامة جليل.

و الواقع أن هذه الرسالة و رسائل أخرى واقعية و ميدانية مختلفة كان بإمكانها أن تساعد فضيلة الفقيه في فهم دقيق لبعض الحساسيات و العبارات التي قد لا تكون مطروحة بشكل كبير في أماكن أخرى من العالم اليوم.

لقد كان فرح الموريتانيين شديدا بمقدم الفقيه الفاضل، و لم يكن كل ذلك إلا حبا للإسلام و تعظيما لفقهائه خاصة الذين يتجنبون المزالق العرقية و السياسية، و شغف الموريتانيين بالحرية و المساوات قد يكون أقوى من شغف سكان فلسطين إليها. فهلا بدأنا بتحرير أنفسنا و الدعوة إلى ذلك قبل التحرير الأكبر؟!

صحيح أن سماحة العلماء و أنفتاحهم يدفعهم إلى بعض المزاح الذي لا ضرر فيه من أجل الترويح عن بعضهم البعض و عن طلابهم، و لكن المزحة قد تخرج من إطارها البريئ الواضح إلى عكس ذلك تماما، خاصة إذا كانت مضحكة للبعض مبكية للآخرين.

و لابأس إذا كانت المزحة تلميحا و إشارة إلى أشياء ينبغي تصحيحها و تغييرها حتى و إن كان ذلك من باب إلتماس أحسن المخارج.

هكذا إذا يعود القرضاوي إلى الدوحة و أملنا كبير في أن يزور موريتانيا مرات و مرات و بدعوة من الدولة الموريتانية على أن تخصص المحاضرات لبعض الأمور التي تشغل إهتمامات المسلمين المحلية، و مشاغلهم الوطنية.

و لا شك أن كرامة و حقوق الإنسان في الإسلام و دور العلماء في الدعوة إلى ذلك و تجسيده على أرض الواقع تبقى من بين أهم الإشكاليات المطروحة في عالمنا اليوم الذي لا يزال يعيش بعضا من أقسى أنواع مخلفات الجاهلية الأولى.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة