الصحافة

المشهدين السوري والإيراني في الصحافة العربية والعالمية

يعود الملفان : السوري والإيراني  مجددا  إلي واجهة اهتمام الصحافة العالمية والعربية هذا الأسبوع ، الأول بسبب دخول القاعدة علي خط الأزمة السورية ، والثاني بسبب الحديث مرة أخري ربما الألف  عن اقتراب الهجمة الإسرائيلية علي إيران .
أولا : الأزمة السورية : الظواهري يقود التحالف الدولي للإطاحة بالأسد .

شكل الخطاب المتلفز الذي وجهه  إيمن الظواهري إلي خلايا القاعدة في العالم النائمة منها والمستيقظة،  والذي دعاها فيه  للتوجه إلي سوريا لخوض الجهاد ضد النظام السوري،    منعطفا نوعيا في الصراع المعقد الذي تدور أحداثه في بلاد الشام منذ سنة تقريبا ،  والذي أصبح يتطور شيئا فشيئا   من حركات إحتجاجية  تطالب بالحرية والديمقراطية إلي “حرب عالمية ثالثة ” حسب وصف  وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري  كسنجر،  تتواجه فيها قوتان أحدهما   صاعدة تقودها روسيا والصين وبقية دول ” البريكس “،  وثانيهما  تقليدية   (أمريكا وأوروبا ) يتداعي نفوذها العالمي تحت تأثير أزماتها الإقتصادية المزمنة .
خطاب الظواهري قطع الشك باليقين ، وخلط أوراقا كثيرة ، وكشف ما كان مستورا  في دوائر المخابرات الغربية ، ومنشورا في وسائل الإعلام السورية،   عن  الدور النشط الذي تقوم به القاعدة  لتهريب المقاتلين إلي سوريا عبر الأراضي اللبنانية والعراقية ،  وإمداد المقاتلين في مدينة  حمص بالعتاد والرجال،  وتنفيذ   العمليات الإنتحارية،  التي شهدتها  مدينتي  دمشق وحلب .
لقد أربك خطاب الظواهري أطرافا كثيرة في المعارضة السورية ، وأطرافا أكثر خارجها   كانت  تتبني” نظرية المؤامرة”  وتتهم الحكومة السورية بتدبير العمليات الإنتحارية  ضد المقار الأمنية وإلقاء اللوم علي  تنظيم القاعدة  لتشويه ” الحراك السلمي”  للثورة السورية .  أما وقد ” شهد شاهد من أهلها ” فلم يعد للتشكيك في وجود تنظيم القاعدة علي الأراضي السورية  من معني إلا مجافاة الحقيقة  والإصرار علي   الأخطاء و ارتكاب الخطايا  التي تضر بالثورة السورية أكثر مما تضر بالنظام . لكأننا  كما يقول عريب الرنتاوي في جريدة السفير الأردنية أمام “حالة إنكار”    يُراد تعميمها بطرق أقل ما يمكن أن يقال في وصفها أنها “ابتزازية” وتنتمي لثقافة “التحريم” و”الحجر” على البصر والبصيرة ، وتتهم كل من يشير ولو من بعد بأصبعه إلي بصمات القاعدة في الشارع السوري بالضلوع مع النظام و”شبيحته” في استهداف الشعب السوري والنيل من انتفاضته الشجاعة  ، وتدور هذه الإتهامات علي ألسنة السياسيين اللبنانيين المناهضين للنظام السوري أكثر من غيرهم . ويتابع الكاتب مقاله بالحديث عن فتاوي السلفيين الجهاديين في الأردن الذين  أجمعوا علي “الجهاد” ضد النظام “النصيري”،  وإن اختلفوا فيما بينهم ،  بين قائل بضرورة الجهاد بالمال والرجال والسلاح، وقائل بضرورة الاكتفاء بإرسال المال والسلاح و”الخبراء”، ولقد تحدث بعضهم عن معتقلين لهم وهم في طريقهم إلى سوريا، وبما يتقاطع مع تقارير أخرى متفرقة، نشرت في مواقع وصحف ونشرات عديدة أخرى ”   ويتساءل الكاتب عن نفوذ القاعدة  المتزايد في سوريا  وعن علاقة ذلك بالقرار العربي الذي تحدث عن “دعم سياسي ومادي” للمعارضة، يلامس ضفاف تسليحها، وهو حديث سبقته الأفعال على الأرض، ومن أكثر من منفذ حدودي مع سوريا   ” . ويحذر الكاتب  من خطورة  استغلال القاعدة من طرف  بعض الأنظمة الخليجية  التي تتخذها كأدوات لسياساتها الخارجية  ويذكر ” بسيمور هيرتش وتحقيقه ذائع الصيت عن “إعادة التوجيه” والمقصود به إعادة توجيه هذه الحركات، بدعم خليجي أساساً، لمقاومة نفوذ إيران ومحورها وهلالها.   ويتساءل لماذا ما صح بالأمس-  من إنقلاب السحر علي الساحر-  ليس صحيحاً اليوم؟
 تواجد القاعدة القوي علي الساحة السورية ونجاحها في اختراق المعارضة السورية في ظل هذه العسكرة المتنامية للثورة ، أربك الأمريكيين أيضا  ، و جعل رئيس هيئة الأركان الأمريكي  الجنرال مارتن ديمسي  يتراجع  عن  الخيار العسكري الوحيد المتبقي  للتعامل مع الأزمة السورية  أي  تسليح المعارضة   بعد  استبعاد التدخل العسكري المباشر علي الطريقة الليبية  ومع ذلك فإن الأمريكيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام الرئيس السوري،  ولن يرفعوا الراية البيضاء ، بل قد يلجؤون إلي فصيلة جديدة من أسلحة الدمار الشامل التي تم تجريبها في العراق  سنة 1992  قبل الإجهاز علي صدام حسين  سنة 2003   ويتم تجريبها  اليوم في إيران  لوقف المشروع النووي   أقصد   سلاح العقوبات الإقتصادية الذي يأمل الغربيون من ورائه  إرغام  السوريين علي الخروج إلي  الشارع والثورة ضد النظام  رغم أنفهم ، وهو سلاح أقل كلفة  للحكومات الغربية  وأكثر وطأة علي الشعب السوري  وأشد تنكيلا .

كائن الفضاء “والنووي الإيراني”
   بعض الأزمات السياسية هي أزمات ” إفتراضية ” لا تجد لها سندا في الواقع ، ولكن  العالم  الأفتراضي –  خصوصا في ظل طغيان الإعلام وتوجيهه للسياسية – أصبح أكثر”  واقعية ” من الواقع نفسه . من هذه الأزمات  ” الإفتراضية ” التي تقيم الدنيا ولا تقعدها وتهدد باشعال حرب عالمية ثالثة  ” الملف النووي الإيراني ” ، وهي أزمة إن أعملنا فيها مشرط العقل والتحليل فسيتبين لنا أنها لا تعدو كونها فقاعة إعلامية  لا تستند إلي واقع أو حقيقة . ولكن إعمال مشرط   العقل – في ظل طغيان الإعلام والمصالح –  لم يعد متاحا لسكان الكوكب الأرضي ، وقد يأتي اليوم الذي نستعين فيه   “بخبرات فضائية” محايدة   لفهم  مشاكلنا أكثر . وهذا ما  حاول  ” ستيفن وات ” في جريدة ” السفير” أن يقوم به ، حيث استدعي كائنا فضائيا  ليحل له معضلة الملف النووي الإيراني ، ولكن المشكلة أن ” الخبير الفضائي ” لم يستطع فك طلاسيم هذا الملف   الذي وجده  يناقض طبيعة الأشياء : ” فلقد وجد  قوتين عظميين ( أمريكا وإسرائيل ) تهددان  بمهاجمة  دولة أضعف منهما ( إيران )  لكن الأسوأ  أن أمريكا وإسرائيل علي قوتهما يخافان من إيران  الضعيفة! .
 أمريكا وإسرائيل ينفقان أكثر من 700 مليار علي أمنهما القومي في حين لا تنفق إيران أكثر من عشرة مليارات  الدولارات . لدي أمريكا آلاف القنابل النووية ، ولدي إسرائيل المئات ، في حين أن ترسانة إيران ” النووية المخيفة  ”  فارغة لا تحتوي أي قنبلة!.
لدي الولايات المتحدة عشرات القواعد العسكرية في كل بقاع العالم تحيط بإيران من كل جانب ، ولا تملك إيران أي قاعدة عسكرية خارجة حدودها . لدي أمريكا وٍإسرائيل حلفاء أقوياء في جميع أنحاء العالم ، بينما لا يتعدي حلفاء إيران أصابع اليد من دول العالم الثالث .خاضت أمريكا منذ سنة 1990  فقط أربعة حروب ، أجتاحت وقصفت واحتلت ستة بلدان ، وتسببت في سقوط آلاف الضحايا ، وفعلت إسرائيل مثلما فعلت أمريكا وأكثر في فلسطين وفي الدول المجاورة ، وأغتالت الكثيرمن العلماء المصريين والعراقيين والسوريين والإيرانيين ، ولم تفعل إيران أي شيئ من كل ذلك ،فلم  تعدي علي دولة ، ولم تجتاح أرضا ولم تغتال عالما ، و  النتيجة التي خرج بها الخبير  الفضائي  في تقريره  هي الحيرة المطلقة: الحيرة من خوف الأمريكيين والإسرائيليين من إيران والحيرة من عدم إقدام إيران علي أمتلاك السلاح النووي لمواجهة الأخطار المحيطة بها .
الصحافة الإسرائيلية أنشغلت هذا الأسبوع  بالكتابة عن الضربة  التي يدعو إليها  يهود باراك ويتردد في تنفيذها نتانياهو ، وتوالت كتابات السياسيين الإسرائيليين  عن هذا الموضوع  مثل  “موشي أرنز”  الذي شغل ذات  يوم   منصب وزير الدفاع  الإسرائيلي،    ويوسي بيلين صديق ياسر عبد الرب في مبادرة جنيف لحل المشكلة الفلسطينية ،  وقد دعيا  القيادة  الإسرائيلية إلي التمهل و إعطاء الفرصة للضغوط الإقتصادية علي إيران حتى توتي أكلها .
غير أن صحيفة ” لكوريي إنترناسيونال ”  التي اهتمت هي الأخري بالموضوع كتبت  مقالا علي  صفحتها الأولي تحت عنوان ” الهجوم علي إيران : الأقوال أسهل من الأفعال ”   تتحدث فيه عن الصعوبات التقنية الكثيرة التي تحول دون نجاح العملية ، مثل مشكلة  المسارات التي ستمر بها  الطائرات المهاجمة  والتي ستمر حتما فوق   السعودية  أو  الأردن أو العراق أو تركيا  مما يجعل هذه الدول شريكة في العملية   ، ثم مشكلة  تزود الطائرات بالوقود  جوا في بئة عدائية   والمسافة الطويلة التي يتوجب علي الطائرات الإسرائيلية أن تقطعها  والتي تبلغ  أكثر من 4500  كلم   قبل أن تصل إلي المجال الجوي الإيراني   ، والمسافة الطويلة نسبيا التي ستقطعها هذه الطائرات داخل الأراضي الإيرانية نفسها والتي تبلغ  450 كلم  قبل أن تصل إلي أهدافها  في العمق الإيراني ، هذا إضافة إلي تعدد هذه الأهداف وتباعدها فضلا عن حراستها بأحدث الدفاعات  الجوية  .
أما صحيفة ” السفير ” فقد كتبت تحت عنوان ” مائة طائرة عسكرية  لضرب إيران .. ولن تنجح ”  نقلت   فيه خلاصة   مقابلات  أجرتها جريدة نيويورك تايمز مع مجموعة من الخبراء العسكريين الأمريكيين  تنبؤوا فيها  بفشل أي هجمة  عسكرية  تقوم بها إسرائيل ضد المنشئات النووية الإيرانية،    وتوقع الخبراء أن تجبر الصواريخ من التي تمتلكها إيران  الطائرات الحربية الإسرائيلية على المناورة،  وتفريغ ذخائرها حتى قبل بلوغ أهدافها، كما تستطيع إيران الرد باستخدام صورايخها لضرب إسرائيل،   هذا بالإضافة إلي أنه  من الصعب اختراق التحصينات الإيرانية ، الأمر الذي من شأنه أن يشعل فتيل حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط ، وهو ما تخشاه أمريكا ، وتعمل للحيلولة دونه ، وذلك   بتكثيف  الزيارات لكبار المسؤولين الأمريكيين إلي إسرائيل،  كما شاهدنا في الأسابيع الأخيرة .

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة