الرأي

المنابر الإعلامية الضائعة/ عبد الصمد ولد أمبارك

المنابر الإعلامية الضائعة/ عبد الصمد ولد أمبارك

منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي، عرفت موريتانيا ما يعرف بالانفتاح الديمقراطي، الذي جاء نتيجة تراكم أسباب خارجية واضحة المعالم، أدت إلي التغيير النموذجي العابر الذي واكب رياح التغيير في العالم، انطلاقا من تحطيم حائط برلين وتراجع الأنظمة الأحادية في إفريقيا وبعض الدول النامية وهبوب رياح التغيير التي اجتاحت المعسكر الشرقي وعصفت بمنظومة أوروبا الشرقية وظهور البروسترويكا، لإعادة قراءة التاريخ وما تبعها من ترتيب الأوراق الداخلية بلا جدوى على أمر الواقع وتسارع الأحداث المتتالية. بوتيرة فاقت التقديرات نظرا لمستجدات ارتبطت في أصلها بواقع هاجس التغيير والإصلاح  وإعادة البناء الهيكلي على خريطة العالم الحر.

هذه العاصفة قوبلت بإرادة التصدي المتفاوتة من حيث المنطق لمحاولة استيعاب المفاهيم والمضامين القادمة، وفقا لمتطلبات المرحلة التي أصبحت تملي قواعدها لتسيير المجال المحلي لدول لم تكن مهيأة تماما لتجربة الانفتاح الديمقراطي وما يتطلبه من وسائل مادية ومعنوية لاستلهام العبرة والانخراط في منظومة جديدة وفقا لخصوصيات البلدان، كل حسب موقعه وقدرته علي مواكبة الإصلاحات الدستورية والتنظيمية التي تؤهل وبشكل سلس لأخذ مكانة لائقة داخل القرية الكونية، التي تطورت بشكل سريع نتيجة تطور وسائل الاتصال واختزال المسافات وصدمة الاحتكاك المباشر لعوامل عدة يأتي في مقدمتها التنافس الايجابي علي الموارد والتحكم في القرار من خلال امتلاك مصادر الخبر والاضطلاع بالدور الريادي في عالم الفكر والتطور التكنولوجي

إنها الحداثة بما تعنيه من مفاهيم متعددة ومتنوعة تلقي بظلالها علي صيرورة الأحداث لصناعة الأمور من منظور التهافت وراء صياغة الأفعال المؤثرة علي مجريات التحركات الفعلية للفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين في بلد مترامي الأطراف كموريتانيا، نتيجة العامل الجغرافي من جهة، وتنوع المصادر نتيجة التنوع الثقافي والاجتماعي لتركيبة المجتمع وهوي الذات لدي الإنسان الموريتاني الذي يعشق الحرية في صفائها. تعلم من رمال الصحراء وتقلباتها كيف يأخذ نفسا من هنا وهناك، واستلهم عبر تجاربه الماضية أنماطا متعددة، ولدت لديه هاجس التعبير الغير إرادي لما يجول في خلجانه من مصطلحات قد لا تتطابق في مغزاها مع هموم المواطن اليومية، بل تشكل انتكاسا حقيقيا لتدني مستوي التعبير اللفظي لدي النخب وقادة الرأي.

الشئ الذي يدفعنا اليوم إلي القول إن الخطاب السياسي الذي تترامى به أكثر من  أي وقت مضي النخب السياسية المسيطرة من  معارضة وموالاة بوسائلها، قصد التأثير المباشر علي توجهات القواعد الشعبية لتحديد مصيرها من القضايا الوطنية العالقة، ينم في نهاية المطاف عن تدني لا غبار عليه في الأساليب المتهورة المعتمدة، انطلاقا من واقع مجريات التوازنات والاحتقان القائم بين أقطاب اللعبة السياسية الديمقراطية في البلد، موازاة مع التموقع من مصادر القرار ودواليب الحكم.

لقد أطلت قيادة المعارضة الديمقراطية في موريتانيا في الآونة الخيرة بخطاب متطرف في مضمونه ومتشدد في مغزاه، المتناقض مع قواعد العمل السياسي الديمقراطي وتدني البعد الأخلاقي الذي يحمل قيم المودة والمحبة الأصيلة لشعب يحكمه دين السماحة واللياقة ونتجاذبه أعراف الحكمة والحنكة الضاربة في أعماق المواصفات الأزلية، التي ارتبطت بكيانه، بعيدا عن الغلو والتطرف، الغريبان علي طبيعة المجتمع الموريتاني الذي لا يختلف اثنان علي بنيته ومرونة أطيافه حتي مع التعامل مع الشأن العام، عبر كافة الحقب التي طبعت الحياة السياسية وما ميزها من مخاطر، لم يكتب لها البقاء علي نهج اعنف مما هي عليه اليوم من تنابز بالألفاظ والألقاب التافهة وبدون جدوى، قد لا يخدم مصلحة المعارضة المتعطشة للثورة والتغيير ولو بأساليب غير دستورية كما تدعي إليه، لحاجة في  نفس يعقوب هدفها الأساسي الوصول للسلطة ولو بثمن علي حساب أهدافها ومبادئها التي طالما تغنت بها عبر وسائلها الدعائية، دونما الغوص في التفاصيل المترامية عبر تموقعها التاريخي من الإحداث التي فرضت نفسها علي الساحة الوطنية منذ حركة التصحيح التي كانت بادرة علي الربيع العربي وما وفرته من فرص للإصلاح وانسجت من خيوط ثمينة للتعاطي مع الافرازات  التي ولدها الكبت والاحتكار في عالمنا العربي والإفريقي، وألقت بظلالها لاحقا علي مناحي الحياة اليومية لشعوب المنطقة. وأضحت سلاحا ذو حدين لمناوئ الأنظمة القائمة ولو بصفة ديمقراطية وشفافة لا غبار علي النتائج المتوخاة من تطبيق أجندتها المخفية وراء هستيريا التطلع المقيد بمعنويات النهج السليم.

إن الدعوة إلي العنف والعصيان المدني من قبل منسقية المعارضة الموريتانية ينم عن فشل ذريع لتحقيق الأهداف السياسية بالطرق السلمية، وهي أشكال من الإحباط واليأس نتجت عن تخبط واضح وارتباك في الأوراق المحضرة سلفا، وهروب إلي الأمام في ظل أزمة خانقة لحقت بمن ولي عهده، نظرا لإخفاقه أمام تطلعات الجماهير وتمسكها الدائم بخيار الإصلاح والتغيير البناء في ظل موريتانيا الجديد.

إنها بداية النهاية للخطاب الفارغ من محتواه بكل المقاييس والدلالات، نتيجة التدني والانحطاط القائم في مختلف التجاذبات التي تطبع الساحة الوطنية، متخذة من الدعاية المفرطة قصد التأثير في الولاءات الضيقة ذات الطابع القبلي والجهوي تارة، والحماقة السياسية ذات البعد الأيديولوجي تارة أخري، وهي أمور لم تعد قابلة للتسويق في عالم اليوم، بل أصبحت سلعة مردودة علي صاحبها بمختلف الأضرار والتكاليف، نظرا للانفتاح الإعلامي وتوسع حقل الحريات المثمنة في مجمل الخطوات التي قطعتها البلاد في سبيل تعزيز مكانة الريادة في عالمنا العربي، خصوصا تحرير حقل الإعلام السمعي البصري وصدور قانون خاص بالصحافة الالكترونية، التي يطبعها اليوم الكثير من الإصدارات الغير لائقة بأصحابها من النشر والنثر الموجه مسبقا بأيادي خفية لا تنم عن مواقف موضوعية من الحوار الوطني حول مجمل القضايا الوطنية التي تتطلب قدرا كبيرا من الموضوعية والدقة في نقل الخبر، الذي لم يعد حكرا علي احد بفعل التطور الهائل لوسائل الاتصال والانتشار الفائق للقنوات الرسمية والغير رسمية للتحكم في التأثيرات السلبية للإعلام الموجه.

إن القطيعة مع الممارسات السلبية تفرضها الروح الوطنية وعقلية الانحياز لمقدسات البلد، التي تفرض علينا جميعا الابتعاد عن مسلكيات الحقد والأنانية التي لا ترعي سوي البقاء الضيق، بدل الذود عن المصالح المشتركة لمكونات الطيف السياسي في تنوع تركيبته واختلاف مشاربه الفكرية.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة