قالت المواقع

بعد ” الربيع الإسلامي” في تونس ومصر .. “الربيع الليبرالي” يبدأ من ليبيا

لا زالت  أحداث المنطقة العربية  تستأثر  باهتمام  الصحافة العربية والعالمية   الموضوع السوري لم يبرح مكانه  في واجهة الأحداث ،  مع تكثيف النشاط  علي  جبهتين متناقضتين : جبهة  دبلوماسية  يقودها “أنان ” ،  تبحث عن حل توافقي  بين الفريقين المتصارعين  يوقف حمام الدم،   وجبهة عسكرية  تزداد اشتعالا وعنفا ،  تستنزف النظام السوري  وتنذر بسقوطه ، ولكنها تنذر بما هو أخطر من ذلك وهو سقوط الدولة السورية برمتها ، وتقسيمها  إلي دويلات  إثنية ودينية  وطائفية  تتحكم فيها القوي الإقليمية والدولية ، وذلك تمهيدا  لتقسيم المنطقة بأكملها،  وإعادة تموضع القوي العظمي فيها

بشكل جديد ،   تطبيقا لخطة  ” سايس- بيكو الثانية ”  التي حذر منها  النائب لبريطاني” جورج  غالوي”  الذي  وصفه بعض الكتاب الإسلاميين بــ  ”  نجاشي القرن العشرين “.

أما الموضوع الفلسطيني الذي غُيِّب  عن الواجهة الإعلامية  الدولية  بقرار سياسي  ، منذ فترة طويلة ،  وغاب عن واجهة الإعلام العربي أوغُيب عنها   منذ أن بدأت   موجات ” الربيع العربي”   تضرب المنطقة ، فلا نسمع له  همسا  لا في الفضائيات العربية  ولا حتى في الصحف  ، فقد عاد إلي واجهة الأحداث العربية والعالمية بعد التقرير الذي  بثته    قناة الجزيرة  القطرية   والفلم الوثائقي الذي بثته قناة  ” الميادين ”  اللبنانية  حول أسباب موت عرفات ،   حيث  أثبتتا  فيه أنه قد اغتيل بمادة  سامة  أو مشعة  دست في طعامه أو شرابه .

الجامعة العربية التي  لم يذكر لها التاريخ مأثرة في  نصرة القضية الفلسطينية ، ولا في غيرها من القضايا العربية  الأخري ،  والتي  تحولت في أيامنا هذه  إلي أكبر منافس “لليون تروتسكي” و”فيدل كاسترو” في تحمسهما و دعوتهما  للثورة العالمية الدائمة !   أعلنت حالة الطوارئ واستدعت مجلس وزرائها علي جناح السرعة  للإجتماع بصفة عاجلة في العاصمة التونسية  لمناقشة    من قتل عرفات  ! بعض المعلقين توقع أن تصدر من الجامعة قرارات إستثنائية خطيرة – بحجم الإجتماع –  تقلب المعادلة الفلسطينية رأسا علي عقب ،  لكنهم أختلفوا في  نوعية تلك القرارات ، البعض من المحللين استبعد – في الوقت الراهن –  أن  يبعث الوزراء العرب  ياسر عرفات من مرقده ، و يعيدوه  حيا  إلي مكتبه في رام الله  ،  فهذا الإحتمال غير وارد  علي الإطلاق،  ولن تقبله السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن ،  لأنه سيهدد المصالحة الفلسطينية  و سيقضي علي “خطة دايتون”  و” تفاهمات  تينيت”   وهي مكاسب  انتزعتها  السلطة – بعد وفاة عرفات  –  ولا يمكن التفريط فيها أو العودة عنها  .   ومع ذلك فإن  جميع المحللين يجمعون علي أن  الإجتماع سيكون في مستوي التحديات المطروحة علي القادة العرب  !  فهل  سيعلنون الحرب علي إسرائيل ، ويحررون كل فلسطين ، وينقلون  رفات  ” ياسر عرفات ” ليدفن في القدس كما كان حلمه وكما أوصي بذلك  ؟ و هل سيقطعون  العلاقات الدبلوماسية مع أمريكا  ويحظرون تصدير النفط إليها  وهي  التي تمول إسرائيل بالمال وتزودها بالسلاح  وتدعمها بالدبلوماسية في مجلس الأمن  ؟  هذا ما ستجيب عنه الأيام القليلة القادمة… وفي هذا الأثناء –  واستباقا لإجتماع وزراء خارجية العرب ، وخوفا مما سيقررون –  يتبرأ المسؤولون الإسرائيليون  من مسؤوليتهم ومسؤولية دولتهم عن موت عرفات ، ويلقون باللوم علي الدائرة المقربة منه في حركة فتح  أو  علي الدائرة البعيدة عنه في  حركة حماس ، وبعض الصحف الإسرائيلية تذهب أبعد من ذلك لتشويه صورة عرفات الأخلاقية ، وتشكك  في سلوكه ، وسلوك زوجته ” سها “، وتقول إنه قد توفي بمرض ” الأيدز ” ! .

لكن مفاجأة الأسبوع ليست في الملف الطبي لعرفات الذي مضي علي وفاته أكثر من ثماني سنوات  كانت كافية لطمس الكثير من معالم جريمة اغتياله ، ولا في سوريا التي تقطر دما منذ أكثر من 17 شهرا ، ولا في مدينة ” تومبكتو”  التي تعبث  ” طالبان ” الإفريقية بأضرحتها ومتاحفها وآثارها ، كما عبثت من قبل طالبان الأفغانية  بتماثيل ” بانيان ” البوذية   ، لقد جاءت المفاجأة هذا الأسبوع من مصر وليبيا .

ففي مصر  حاول الرئيس المصري المنتخب حديثا – في إجراء يائس يفتقد إلي الحكمة والمرونة  –   أن يفك بعض الأغلال التي كبله بها العسكر قبل أن يجلس علي كرسي الرئاسة ، فاصدر مرسوما رئاسيا باعادة مجلس الشعب المنحل ،  لكن خطوة الرئيس ” مرسي ” بيدو أنها كانت سابقة لآوانها   فقد ثارت  ثائرة القضاء المصري ولم تهدأ،    وأنذرت المحكمة الدستورية الرئيس وأمهلته  يومين ليتراجع عن قراره ، وإلا فتهمة الحنث باليمين  ومخالفة الدستور..     ستكون له بالمرصاد    .

لم يٌغضب المرسوم الرئاسي المؤسسة القضائية فقط    بل أغضب أيضا  أعضاء المجلس العسكري – وإن كتموا غيظهم –   أما القوي العلمانية فقد استبشروا  خيرا بهذا القرار ، ووجدوا فيه ضالتهم المنشودة ، و فرصة سانحة للتحذير من الإخوان الذين يتربصون شرا بالثورة ويهددون بابتلاع السلطات كلها : التشريعية والتنفيذية والقضائية  دون أن يشركوا فيها أحدا ،  وهو ما يعتبر انقلابا علي الثورة  و استنساخا  لنظام مبارك باسماء وعناوين جديدة  .

لم يكن أمام مرسي إلا أن يتراجع عن قراره ،  ويستسلم  للأمر الواقع ، ويظل أسير محبسيه : القضاء والعسكر ، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا ،  ولقد عاش  اردوغان  تجربة مماثلة مع العسكر والقضاء في تركيا ،  إلا  أنه انتظر عشر سنوات قبل أن يتحرر منهما،   فهل سيصبر مرسي  كما  صبر أولوا العزم  من   اسلاميي الأتراك ؟  ، أم سيحاول حرق المراحل واستعجال  قطف الثمرة قبل أوان  نضوجها ؟

أما في  ليبيا فقد  مثلت  نتيجة الإنتخابات  التأسيسية   مفاجأة من العيار الثقيل ،  وانعطافة كبيرة في مسار الربيع العربي  الذي لم يثمر حتى الآن – حيث أثمر-  إلا الأنظمة الإسلامية ،  بعض الصحف وصفت  ما حدث في ليبيا  من  فوز كاسح لقوي التحالف الوطني  الذي يشكل خليطا من الأحزاب الوطنية والوسطية والليبرالية ، علي حساب الحركات الإسلامية ، بأنه  ”  أم المفاجآت ” ، حيث كانت كل توقعات المحللين تذهب  لا إلي فوز الإسلاميين المعتدلين ، بل إلي صعود السلفيين في طبعتهم الجهادية  واكتساحهم صناديق الإقتراع ،  بل إن بعض الكتاب   تحدث عن بداية  ”  الربيع الليبرالي ”  الذي ظل بعيدا عن العالم العربي!   ما الذي حدث في ليبيا ؟ لماذا هذه المفارقة الغريبة والعجيبة حيث يصعد الإسلاميون في الدول العريقة في ليبراليتها ( تونس ومصر )  وينتصر الليبراليون في مجتمع تحكمه العادات القبلية والثقافة التقليدية ولم يعرف حياة سياسية معاصرة  ؟.

بعض الكتاب اتخذ من الحادثة لليبية مناسبة لنقد  ” الإعلام الإنتقائي ”  الذي كان يركز في تغطيته الأحداث الليبية علي تيار سياسي وفكري معين ، وإهمال تيارات أخري أظهرت الإنتخابات أنها الأقوي علي الأرض ،  ولا يعتبر هذا النوع من الإعلام إعلاما متحيزا فقط بل هو مضلل أيضا ،  فهو يختار  من الأحداث ومن الضيوف والمحللين  بعناية فائقة  ما يخدم أجندته  السياسية  أو الفكرية ،  ويطوي صفحة كل ما يتعاكس معها ،   وهو  يندرج ضمن  ” الإعلام الحربي ”  الذي وضع ” غوبلز ” وزير الدعاية النازي أسسه  وقعَّد قواعده  .. ويبدو أن هذا النوع من الإعلام هو الأعلي صوتا والأوسع انتشارا  والأشد تأثيرا  في عالمنا العربي … ولهذا كانت نتائج الإنخابات الليبية مفاجأة لنا،   نحن ضحايا ذلك الإعلام ،  ولكنها لم تكن أبدا  مفاجأة لليبيين  ! .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق