تحقيقات

بقع سواحل نواكشوط…رسائل النفط الغامضة

استيقظ الموريتانيون يوم الأحد الماضي على بيان  حكومي يفيد بوصول بقع زيتية إلى الشواطئ الموريتانية. امتدت البقع ، التى ظهرت بداية على شكل بقع صغيرة خلال أربع وعشرين ساعة على مسافة 220 كلمترا، تقريبا ثلث الساحل الموريتاني، من شمالي نواكشوط إلى مدينة انجانكو  فى أقصى الجنوب.

لم يكن بيان الأحد الأول ، فقد أصدرت الحكومة آخر، يوم 24 من ابريل يطمئن الموريتانيين على اتجاه البقع المتسربة من باخرة روسية احترقت يوم 14 من ابريل فى ميناء لاسبلماس بجزر الكناري الاسبانية ، لكن البيانات الحكومية المتتالية لم تحدد مصدر أو حجم التلوث ولا طبيعته

أهمية الساحل الموريتاني

رغم أن مصدر البقع مازال حتى اللحظة مجهولا، و بغض النظر عن حجمها وتأثيراتها المحتملة، فقد دق ظهورها ناقوس الخطر، إذ يعتبر أول اختبار لما أعدته دولة تملك شاطئا يمتد على مسافة 750 كلم يعتبر من أغنى الشواطئ بالأسماك ، وإلى حدود السبت الماضي كان من أكثرها نقاء ، كما تتركز 90 فى المائة من صناعاتها الوطنية على الشاطئ، وبحكم طبيعته الجاذبة يستقر على طول الشاطئ ثلث سكان موريتانيا، إضافة إلى كونه بوابتها الرئيسة على العالم الخارجي ، فضلا عن البيانات المتتالية من شركات النفط ، عن إقدام موريتانيا على بحبوحة من النفط والغاز مصدرها البحر.
 
من المسؤول؟

لم تحمل الحكومة المسؤولية التلوث لأي طرف حتى الساعة، لكن الخبراء  فى مجال التلوث البحري يشيرون إلى مصادر يمكن أن تكون منبعا للبقع الزيتية، أهمها، وجود موريتانيا على طرق  ناقلات النفط ، ذات التاريخ السيئ فى مجال التلوث، ونشاط أسطول الصيد الضخم الموجود فى المياه الموريتانية.

بالإضافة  للناقلات، وأسطول الصيد يمثل نشاط شركات التنقيب عن النفط مصدرا محتملا، إذ يمكن لبئر لم يحكم إغلاقها، أن تمثل مصدرا لبقع زيتية مماثلة لتلك التى وصلت إلى الشاطئ، ويضيف الخبراء إلى المصادر السابقة، تمركز معظم  الصناعات الثقيلة على الشاطئ، بيد أنه أضعف الاحتمالات السابق.
 

فرضية الباخرة الروسية

صبيحة الرابع عشر من ابريل الماضي أعلن عن احتراق باخرة روسية ترسو بميناء لاسبلماس تحمل على متنها 1400 طن من الزيوت ، وإزاء عجز الأسبان عن إطفائها أغرقوها لتنجرف بعد ذلك مسافة 24 كلم من الميناء ، ثم بعد الشعور بالذنب ، والخوف من منظمات البئية العالمية أرسلت غواصة لإغلاق الفتحة  ، عجزت الغواصة عن إغلاقها، وإذ ذاك بقي أمام الحكومة الاسبانية خيران فى استدراك خطئها إما ان تتدخل على مستوى البقع، أو تتركها إذ تأكدت أن التيارات البحرية ستتكفل بنقل خطورتها إلى أماكن أخرى، والخيار الأخير هو المفضل فى الغالب، خصوصا إذا أمن مصدر التلويث العقوبة وتأكد من ضعف جيرانه.
 
التعويض

إذا تأكد أن مصدر البقع الزيتية على السواحل الموريتانية الباخرة الروسية ، يكون عندها على الحكومة الاسبانية تعويض موريتانيا تنفيذا لمبدإ معروف فى الاتفاقيات الدولية البحريةالملوِث يعوض، وموريتانيا وإسبانيا مصادقتان على الاتفاقيات التى تحمل الملوث المسؤولية عن فعلته..

كما يفرض قانون البحار والاتفاقيات الدولية المنظمة للبحار على كل سفينة ان يكون لها تأمين، وأن يكون مالك السفينة ينتمي إلى ناد ، يتولي النادي والتأمين جزءا ضئيلا من التعويض، فيما يتكفل الصندوق الدولي الخاص بالتعويض عن الخسائر الناجمة عن التلوث  fipol” بالجزء الأكبر من التعويض ، لكن شروطه الصارمة تجعل من المستحيل الحصول على تعويض منه،  إذ يفرض ، أن يكون التدخل سريعا، وفقا للطريقة الأنجع، والأقل تكلفة،  والإبلاغ عن التلوث فى الوقت المناسب،  بالإضافة إلى التنسيق مع الصندوق. قليلة هي الدول التى حصلت على تعويض من الصندوق، وحتى الآن لم نحقق إلا شرط التكلفة الأقل.
 
أنواع التلوث

تتحدث الأوساط الحكومية الموريتانية عن تلوث بحري أدى إلى نفوق عدد من الأسماك وتلويث البيئة البحرية، لكن دون تحديد نوعية التلوث ولاطبيعة المناخ السائد فى المنطقة التى اكتشفت فيها البقع، فى حين يحدد الخبراء ثلاثة أنواع من التلوث ،بحسب المنطقة الملوثة.

ـ الموانئ والأماكن المغلقة
ـ المجالات المحاذية للأماكن المغلقة والموانئ
ـ المناطق المفتوحة 

ومن خلال نظرة على الشريط الذي حددته الحكومة نجد أن المناطق الثلاثة موجودة فى دائرة تحرك البقع الزيتية، وعلى أساس نوعية المنطقة تحدد  آلية التدخل.

طرق التدخل وآليتها

أعلنت الحكومة الموريتانية خطة للتدخل تقتضي إغلاق الشريط الساحلى من نواكشوط إلى انجاغو جنوبا والإبقاء على  سوق السمك كمنفذ وحيد، وبدأت معالجة البقع بشكل ميكانكي، كما أعلنت عن تفعيل خطة بولمار لمواجهة الكوارث التى تحدث فى البحر، وهي خطة تلزم الاتفاقيات الدولية الدول بوضعها مسبقا للتمكن من مواجهة التلوثات، و لتفادي ما قد يحدث من ارتباك عند حصول الكوارث ما يؤدي إلى تبدد الجهود و عدم التنسيق، وتتضمن الخطة تحديد الأدوار وتوزيعها وتنسيق الجهود و الاتصال بالخارج للإستفادة من التعاون الدولي الذي تمنحه المصادقة على الاتفاقيات الدولية.

يذكر الخبراء أن علاج البقع يبدأ بتشخيصها، ومعرفة طبيعتها، وتحديد المناخ السائد فى منطقتها، هدوء البحر أو هيجانه، وهشاشة المنطقة المتلوثة ومن ثم تتبع ثلاث طرق للتخلص من التلوث، تجميع البقع وشفطها، فى البحر الهادئ والأماكن المغلقة، تغطية البقع بمواد قطنية تمتص الزيوت، ثم تجمع القطع وتعالج خارج البحر، رش البقع بمادة تفككها وتحولها إلى حبيبات صغيرة وتكون فى المناطق المفتوحة ذات التيارات القوية، وتحتاج إلى إعداد مسبق وآليات خاصة..

لم تعلن الحكومة عن إتباع أي من هذه الطرق مكتفية بالتنظيف الميكانكي، دون تحديد كيفية تفيذه، كما أن تشعب اللجان فى خطة بولمار وافتقار أعضائها لأي تجربة فى مكافحة التلوث ، ونقص الآليات لتنفيذ الخطوات المناسبة ، قد يحول دون تفعيلها فى الوقت المناسب، فعمل هذا النوع من اللجان ليس قرارا سياسيا، بل هو عمل تقني بحت، يفرض الحذر الدائم والاطلاع على كل جديد بهذا الخصوص.

المخاوف

رغم أن شائعات ظهرت تهول الأضرار الناجمة عن البقع ، إلا أن الدولة لحد الساعة لم تعلن أي خطورة على المواطن جراء استعمال الأسماك  ، كما يؤكد خبراء البيئة أن حجم هذه البقع لايرقى لمستوى الكارثة، وإنما هي حادثة ، تكمن خطورتها فى جهل مصدرها، وضعف الإجراءات المتبعة فى التخلص منها ، ما يستوجب ضرورة وضع خطة جديدة للتعامل  مع الأخطار البيئية  المحدقة بالشواطئ وسكانها، فى ظل النشاط الصناعي المطرد والنمو الديمغرافي المتزايد على السواحل الموريتانية ..

ثمة مخاوف  أخرى تتعلق بافتقار الموانئ الموريتانية لآليات استقبال مخلفات السفن التى ترسوا عليها، ما يفرض على السفن التخلص من مخلفاتها عند الضرورة فى عرض البحر.
أما أكثر الأسئلة التى حيرت الرأي العام فهي كيف عجزت أذرع الدولة الموجودة فى البحر من خفر السواحل، والبحرية ، وغيرها ، عن اكتشاف  البقع حتى وصلت إلى الشاطئ، وامتزجت بالتربة، وإلى حدود الساعة مضت خمسة أيام ، ومازالت المجاهيل سيدة الموقف، لامصدر للبقع، ولامسؤول عنها ، ولا ندرى هل الأمر حادثة، أم تلوث بيئي بحجم الكارثة.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة