مجتمع

بلعوار صاحب الأرواح السبعة.. هل مات فعلا؟

مختار بلمختار المعروف بالأعور، يعود من جديد لواجهة الأحداث بعد إعلان الحكومة الليبية المعترف بها دوليا، مقتله في غارة أمريكية على أجدابيا، شرقي ليبيا.
 
ورغم أن الحكومة الأمريكية أكدت أنها كانت تستهدف “بلعور” في الهجوم، لكنها لم تؤكد إن كان قد قتل جراء العملية، لتبقى الأنباء متضاربة حول مقتل الجهادي الجزائري الذي أعلنت وفاته أكثر من مرة، في سيناريوهات ظلت دوماً متقاربة يخرج منها الرجل بأعجوبة.
 
وسائل إعلام عالمية تساءلت إن كانت الغارة قضت هذه المرة على صاحب “الأرواح السبعة” الذي أُعلن عن موته كثيرا، ولكن سرعان ما يظهر بعدها بهجوم جديد يؤكد به وجوده على قيد الحياة، وقدرته على المناورة والخداع، حتى سمته القوات الفرنسية “غير الممكن القبض عليه”.
 
الشبح

قال مسؤولون أمريكيون لصحيفة نيويورك تايمز، إن تأكيد مقتل بلمختار ربما يستغرق بعض الوقت ما لم تصدر المواقع التابعة للتنظيمات الإرهابية بياناً رسمياً ينعي زعيمهم.
 
وقالت صحيفة ليبراسيون الفرنسية في تقرير لها إن أهمية مختار بلمختار في تاريخ الجهاد يمكن أن تقاس بعدد المرات التي أعلن فيها عن مقتله، حتى أن البعض أطلق عليه لقب “الشبح”.
 
لم تعد أخبار مقتل بلمختار تثير الكثير من اللغط، ولا تلفت انتباه الكثيرين، فقد تكرر المشهد مرة على اﻷقل كل عام خلال الخمسة سنوات الماضية بحسب الصحفي الموريتاني محمد الأمين ولد أحمد سالم الذي ألف كتابا عن حياة بلمختار.

ملك الصحراء

الرجل الذي شيد مملكة في الصحراء الكبرى، واتخذ من شمال مالي عاصمة لهذه المملكة التي تقف على شبكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية.. والأهم: الروابط العقائدية التي تقوى على الصمود في وجه عواصف الصحراء، حتى أن البعض لقبه ببن لادن الصحراء.
 
اهتزت أركان مملكة بلعوار مع التدخل الفرنسي في شمال مالي، فانتقل قبل عامين إلى مدينة درنة في ليبيا، ثم إلى أجدابيا، بعد اشتباكات بين ما يعرف بمجلس شورى مجاهدي درنة وداعش.
 
يرجع تركيز أنظار العالم على بلمختار زعيم تنظيم المرابطون والقيادي السابق في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، خلال السنوات الأخيرة بسبب تمكنه من شن هجمات كبيرة في عدد من الدول الإفريقية، استهدف خلالها مدنيين وعسكريين من مختلف الجنسيات، وأصبح على رأس قائمة المطلوبين في العالم.
 
عدو موريتانيا

يعتبر “بلعور” الشخص المطلوب الأول لموريتانيا، حيث قاد وشارك في عدة هجمات على الجيش الموريتاني، منها الهجوم على ثكنة لمغيطي بولاية تيرس زمور في يونيو 2005، وهي الهجوم الأول من نوعه الذي تتعرض له موريتانيا من طرف تنظيمات إسلامية متشددة.
 
حمل هجوم لمغيطي توقيع بلعوار، وتبنته الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر، قبل أن تتحول بعد ذلك بفترة وجيزة إلى “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بعد أن نجح بلعوار في نقل المعركة الجهادية من جبال الجزائر إلى كثبان الصحراء، واتخذ التنظيم بعداً إقليمياً.
 
لا يتوقف العداء بين بلعوار وموريتانيا عند هذا الحد، فكتيبته التي تحمل اسم “الملثمون” ضمت في صفوفها أعداداً كبيرة من الشباب الموريتانيين، فقد كان الرجل يميل كثيراً لاكتتاب هؤلاء الشبان من بوادي ومدن موريتانيا، ويعتمد عليهم في “التحريض” و”التعليم”.
 
في بعض الفترات سعى بلمختار إلى تشكيل تنظيم خاص في موريتانيا، واختار للمهمة ذراعه الأمين عبد الرحمن النيجري، لتتشكل خلية “أنصار الله المرابطون في بلاد شنقيط” التي تأمر عليها الخديم ولد السمان ونفذت هجوماً ضد السفارة الإسرائيلية بنواكشوط، واستحوذت على أموال عمومية كانت تنقل من ميناء نواكشوط في عملية نوعية قادها النيجري شخصياً، نجح في نقل هذه الأموال إلى الصحراء المالية.
 
غير أن الضربة التي نفذها بلعوار فوق الأراضي الموريتانية وأحرجت كثيراً السلطات الموريتانية، كانت التخطيط لاختطاف رعايا اسبان على الطريق الرابط بين نواذيبو ونواكشوط عام 2009، مستخدماً بذلك مرتزقاً يدعى “عمر الصحراوي”، نجحت موريتانيا في اعتقاله بعد ذلك بفترة، ولكن بلعوار نجح في تخليصه من السجون الموريتانية، ليرسخ الصورة التي تقول إنه “لا يتخلى بسهولة عن أصدقائه”.

الضربة الكبرى

بعد التدخل الفرنسي في شمال مالي، شكل بلعوار كتيبة “الموقعون بالدماء” قال إنها ستتولى مهمة معاقبة أي بلد مجاور لمالي يدعم العملية العسكرية الفرنسية، وهو ما تم سريعاً عندما شن هجوماً لافتاً على مجمع للغاز في عين أميناس جنوبي الجزائر، وهو الهجوم الذي وضع بلمختار تحت عدسة أجهزة الأمن العالمية.
 
العملية ضد مجمع الغاز في الجزائر حولت بلعوار من مجرد جهادي إقليمي، إلى رجل يهدد المصالح الأمريكية والبريطانية واليابانية والفرنسية، ويطالب بتحرير معتقلين في السجون الأمريكية، ويتحدث بلغة تشبه تلك التي تحدث بها بن لادن، ومن بعده أيمن الظواهري، لقد بدا من ذلك الوقت أن الرجل بدأ يكبر.
 
أوصل بلعوار رسالته من خلال عملية عين أميناس، ولكنه دفع ثمناً غالياً في سبيل ذلك، حيث فقد عدداً من خيرة مقاتليه، في مقدمتهم عبد الرحمن النيجري الذي كان يقود إحدى الفرق التي هاجمت مجمع الغاز في عملية كانت انتحارية لم يسلم أحد من منفذيها.
 
توالت الضربات الموجعة ضد بلعوار حيث خسر في العامين الأخيرين عدداً من المقربين منه، في مقدمتهم جليبيب الذي كان يمثل واجهته الإعلامية والناطق الرسمي باسم كتيبة الملثمون، بالإضافة إلى عمر ولد حماها الذي يمت بصلة قرابة إلى بلمختار وخطف الأضواء إبان التدخل الفرنسي؛ جميعهم ماتوا في عمليات نفذها الفرنسيون.
 
وإن كان الفرنسيون نجحوا في الاقتراب كثيراً من الدائرة الضيقة للرجل، إلا أنهم عجزوا عن الوصول إليه، وهو الذي يوصف بالرجل الغامض والمناور الذكي والعارف بدروب الصحراء، وقد اشتهر بأسماء عديدة من بينها “الأعور” بسبب فقده إحدى عينيه خلال فترة وجوده في أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي؛ كما حمل ألقاباً عديدة منها “بن لادن الصحراء” و “مستر مارلبورو”، غير أن كنيته الجهادية هي “خالد أبو العباس”.
 
فشل الفرنسيون في مطاردة “الشبح”، والآن دخل الأمريكيون على الخط، فهل ينجح بلعوار في أن يبقى ذلك “الشبح” أم أن سره سينكشف أمام قوة عسكرية نجحت في الوصول إلى سيده في أبوت أباد، ودخلت غرفة نومه لتقتله في هدوء وسكينة؛ أم أن الصحراء ستبتلع “ملكها” من جديد ليتذوق الأمريكيون نفس الطبق الذي ذاقه الفرنسيون قبلهم.
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة