الرأيمقالات

محمد محمود ودادي يكتب: تجربة سفير.. محاضرة أمام السفراء الجدد

من الإذاعة إلى السفارة

مدخل

كان أول اتصال مباشر لي مع دبلوماسيين أجانب، في حفلات السفارات التي فُتحت في نواكشوط مباشرة بعد الاستقلال سنة 1961، بعد السفارة الفرنسية، وهي الإسبانية والأمريكية، والصينية الوطنية (تايوان)، قبل أن تَلحق بها ألمانيا الاتحادية ثم مصر سنة 1965. وكان الرئيس وأعضاء الحكومة يحضرون هذه الحفلات حتى سنة 1970.

   ومن حسن الحظ أن بعض هؤلاء الأجانب كان يتحدث العربية، مثل داوود تينك سفيرِ الصين الوطنية، والقائم بالأعمال الأمريكي القادم من قنصلية عدن، مثل خلفه الذي يتحدث العربية أيضا، السفير فيما بعد أڭيلتون.

ثم مكنتني دورة تدريبه في الإعلام في تونس سنة 1962 من معرفة الكثير عن العالم الخارجي والعربي من بوابة تلك الدولة الشقيقة، التي فتحت لنا ذراعيها؛ ثم توالت الفرص للاتصال بالعالم الخارجي، ولقاء السفراء والوزراء والرؤساء،  فكنت عضوا في الوفد الموريتاني الذي زار مصر سنة 1963 والتقي جمال عبد الناصر، كما رافقتُ الرئيس المختار في أول زيارة له السنة الموالية لمصر أيضا، ولحضور القمة الثانية لمنظمة الوحدة الإفريقية.

وفي أغشت سنة 1963، رافقت كمراسل للإذاعة الوفد الموريتاني إلى أول مؤتمر لوزراء خارجية منظمة الوحدة الإفريقية في دكار بعد إنشاء المنظمة، وحضره الرئيس أحمد بن بلّه، الذي كان يقوم بأول جولة له في القارة بعد الاستقلال، يرافقه وزير الشباب والرياضة، عبد العزيز بوتفليقة حيث كان وزير الخارجية لخميستي، على فراش الموت.

وقد أتاحت لي هذه الرحلة فرصة اتصالات كثيرة مع الوفود والصحفيين، من ذلك أنني سجلت مقابلات مع وزراء خارجية الدول العربية الإفريقية، مثل نائب وزير الخارجية المصري، ووزير خارجية السودان، ورئيس الوفد التونسي.

وقد حدث لي أشكال مع الإذاعة السنغالية عند مغادرة الرئيس بن بلّه، حيث كنت وزميلا صحفيا أوروبيا الوحيدين الحاضريْن في المطار، فسجلت تصريحات الرئيس  بن بله، في غيبة الصحفيين السنغاليين، الذين طلبوا مني أن أعطيهم نسخة من التصريح، فوافقت، ولكن بعد إذاعته من إذاعة موريتانيا الساعة الثانية عشرة والنصف، فاستاءوا، مما حمل وزير الخارجية السنغالي دودو شام على أن يأتيني ويكرر نفس الطلب، فرددت عليه بنفس الجواب السابق، وعلى كل فقد وفيت بما تعهدتُ به، وانحلتْ المشكلة.

  أما القضية التي لها علاقة بالعمل الدبلوماسي في هذه الرحلة، فكانت دعوتي لمراسليْ وكالة أنباء الصين الجديدة (شين خْوا) المقيميْن في بماكُو لزيارة نواكشوط، حيث كنا في حركة الشباب مناصرين للصين الشعبية، ونتحرش ودّيا بسفير تايوان؛ ولم أبلّغ وزير الخارجية سيدي محمد الديين ولا أحدا من أعضاء الوفد. وعندما عدت إلى نواكشوط، أرسلتني الإذاعة لحضور ندوة صحفية للرئيس المختار بن داداه، كانت عن العلاقات الموريتانية المغربية؛ فتحدث عن اعتقال شخص، اتُّهم بأنه تابع للأمن المغربي، ويقوم بمهمة مرتبطة بعودة الزعماء الذين كانوا لاجئين في المغرب أربعة أشهر قبل ذلك.

وعند انتهاء اللقاء دعاني الرئيس وزميلي فّال بابا إلى مكتبه، وقال: أريد أن أطلعكم دون الآخرين، على موقفنا من الاستعمار الإسباني في الصحراء الغربية، التي هي جزء من موريتانيا، وعدم مطالبتنا بالخروج الفوري له، ذلك أننا نخشى أن تكون بيننا مع المغرب حدود مباشرة في ظروفنا الحالية. وعند الخروج تركت زميلي وعدت إلى الرئيس، وأبلغته قصة دعوتي للمراسليْن الصينيْن، فابتسم، وقال لي خيرا إن شاء الله.

  بعدها بأسبوع استدعاني الأمين العام للدفاع محمد بن الشيخ بن أحمد محمود، وقال لي ادع أصحابك لحضور الاحتفالات بعيد الاستقلال، وهو ما فعلت عبر رسالة بريدية؛ فاستقبلتهما بعد إذن الإذاعة، وأقاما في فندق مرحبا، ومباشرة سلماني ظرفا مغلقا، قالا إنه رسالة من الحكومة الصينية إلى الحكومة الموريتانية، فسلمته لمحمد بن الشيخ بن أحمد محمود، الذي طلب مني أن أعود إليه يوما قبل مغادرتهم، ليسلمني ظرفا مغلقا أعطيته إياهم؛ وقد أكرمناهم وقابلناهم مع صحفيين وأعضاء من حركة الشباب.

  وانقطعت عني الأخبار إلى أن تم الاعتراف بالصين وأقيمت العلاقات الديبلوماسية سنة 1965، فكان المراسل هو نفسه الذي فتح مكتب الوكالة في نواكشوط؛ وفهمت أن هذه كانت إحدى قنوات الاتصال بين البلدين.

وكنائب في الجمعية الوطنية زرت مصر سنة 1969، كما كنت في دكار في أول زيارة رسمية للرئيس المختار بن داداه إلى سنغال، سنة 1972، وزرت باريس وفينّا ويوغوسلافيا والهند ضمن وفود برلمانية حظينا فيا بلقاء عدد من الرؤساء. وكمدير للإذاعة زرت أبو ظبي والدوحة وجدة والرياض سنتي 1973، 1975.

متابعة النشاط الدبلوماسي الموريتاني

كنا منذ إعلان الاستقلال نتابع بلهفة خطوات موريتانيا الدبلوماسية الأولى، من يوم توجه رئيس الجمهورية وزير الخارجية، إلى نيويورك لطلب عضوية المنظمة الدولية، فوقع ما تعرفون، قبل أن ندخل المنتظم الدولي في أكتوبر من السنة الموالية.

وتتردد دوما في الإذاعة أسماء:  سليمان بن الشيخ سيديّ في الأمم المتحدة  وواشنطن، وممدُ توري في باريس وأروبا الغربية، وبكار بن أحمدُ في تونس، وصال عبد العزيز في  مكتب دكار والقنصلية العامة.

  وقد سمعنا بأول أزمة في العلاقات مع باريس، دون أن ندرك أبعادها آنذاك، وهي أن وزارة الخارجية الفرنسية أصرت على أن يقدم السفير توري أوراق اعتماده إلى رئيس الحكومة “ميشل دبرى” كما اتُّبع مع سفراء المجموعة الفرنسية، بينما طلبت موريتانيا أن تعامَل على قدم المساواة مع الدول الأخرى بتقديم أوراق الاعتماد إلى رئيس الجمهورية؛ وهكذا أمرت نواكشوط السفير بالتوجه إلى بون، ليقدم أوراق اعتماده لرئيس الجمهورية الاتحادية الألمانية سفيرا غير مقيم، وبعد عودته إلى باريس غيرت الحكومة الفرنسية موقفها، فقدم أوراق اعتماده للجنرال دكول. 

   وكعضو في الجمعية الوطنية كنت أتابع منذ سنة 1965 النشاط الدبلوماسي لبلادنا، لاسيما من خلال الميزانية السنوية التي يقدمها الوزير مصحوبا بأعوانه.

وقد شاركت في نقاش الأزمات التي طُرحت في الكتلة البرلمانية حول العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن سنة 1967، وتابعت حيثيات قطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقبلها مع المملكة المتحدة سنة 1965 بسبب قضية رودوزيا.

أما من ناحية الاطلاع على المشاكل العربية والإفريقية وأدوار الأمم المتحدة، فكنت أتابعها عن كثب بحكم عملي الصحفي، مثل حرب التحرير في الجزائر، والعدوان الفرنسي على مدينة بنزرت سنة 1961، والقضية الفلسطينية، وبدايات حروب التحرير في القارة التي توسعت في منتصف الستينيات، وحرب فيتنام والإنزال الأمريكي في خليج الخنازير إبريل سنة 1960 وأزمة الصواريخ في كوبا في شتمبر 1962، والسباق على غزو الفضاء.

لم تكن لي تطلعات إلى العمل في الخارج، ولم أسْع إليه، واستقبلته بسرور وكونه ثقة، ومسؤولية لا بد أن أتحملها، وذلك ديدني، فلم أتولى مهمة إلا تحمست لها. إلا أنني كنت متوجسا من جهلي بالعمل الدبلوماسي، فلم أتكوّن له، ولم أمارسه كموظف في الخارجية على الأقل؛ ولم يُزِل هذا التوجسَ كون عدد من السفراء – ناهيك عن الدبلوماسيين الآخرين – كانوا أيضا في وضعي، وربما أقل معرفة بالعالم الخارجي، لذلك خصصت منذ الوهلة الأولى وقتا لقراءة مجموعة من الكتب تعالج قضايا السياسة الخارجية، والعلاقات الدولية، إضافة إلى المعاهدات التي تحكم هذا المجال، وكنت أتعلم من السفراء الأجانب ذوي الخبرة. وبعبارة أشمل، فإني شغوف بزيادة المعرفة واكتساب الخبرة، واضعا أمامي القول المأثور، اطلب العلم من المهد إلى اللحد.    

وكانت خلفيتي في معرفة الدولة التي سأقيم فيها، متوسطة، قبل أن تَشُدَّ الثورة الليبية الأنظار عند قيامها سنة 1969، حيث اعترفت بها موريتانيا فورا، ويزورها الرئيس المختار سنة 1970 ثم العقيد القذافي موريتانيا سنة 1972،  وتوالت الزيارات المتبادلة ومنها وفد من شباب حزب الشعب كنت أرأسه سنة 1972 لحضور أول مؤتمر للشباب العربي – الأوربي – الإفريقي، وانتُخبت مقررا له، وقضيت بتلك الصفة ساعات مع العقيد القذافي، في حوار مفتوح مع الشباب والصحفيين في غابة جودْ دايمْ التي تناولنا فيها الغداء تحت الشجر، وكنت إلى جانبه، يستفسر مني في العديد من القضايا المطروحة. وعند زيارته لموريتانيا أُسندت إليّ مهمة تقديم المنشئات التي زارها في العاصمة.

تصادف تعييني في شهر فبراير 1976، سفيرا في ليبيا مع الاعتماد في تشاد والنيجر، مع بلوغ القضية الصحراوية أوج تصعيدها، بإعلان الجمهورية الصحراوية؛ وعندما استقبلني وزير الخارجية السيد حمدي بن مكناس، شرح لي مهمتي، وأطلعني على مستجدات القضية سياسيا ودبلوماسيا، وعلى الخصوص مضامين اللقاءات التي تعددت مع الجانب الليبي على مستويات عالية، وزودني بتعليماته.

ثم استقبلني رئيس الجمهورية، فذكّر بالروابط بين موريتانيا وليبيا كبلدين يشتركان في الفضاء العربي الإسلامي الإفريقي، وعن علاقاته بمعمر القذافي، الذي يُحسب له اعترافه بموريتانيا بعد وصوله إلى السلطة مباشرة، ثم دعاه إلى زيارة طرابلس، فتمت إقامة العلاقات الدبلوماسية، وبدأت عجَلةُ التعاون في التحرك. وركز على العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، والسعي لزيادة عدد الطلبة في الجامعات والمعاهد الليبية، في الوقت الذي بادرت طرابلس إلى فتح مركزين ثقافيين في نواكشوط وأطار، والعناية بالعمالة الموريتانية واستفادتها من مزايا الاتفاقيات الثنائية بين البلدين، في مجال العمالة والإقامة.

   ثم ركز الرئيس على موقف طرابلس من قضية الصحراء، متمنيا أن يفي الليبيون بوعودهم بإعادة النظر في موقفهم وعلى الخصوص الامتناع عن الاعتراف، ووقف تزويد الصحراويين بالسلاح.

  كما أوصى بمتابعة الخلاف الليبي التونسي الذي اندلع بعد تراجع تونس عن اتفاقية الوحدة بين البلدين، وكذلك الخلاف الليبي تشادي على منطقة آوزو، وهما القضيتان اللتان كان الرئيس قد توسط فيهما، طالبا مني تزويده بمستجداتهما.

ثم تطرق إلى العلاقات الليبية مع إفريقيا جنوب الصحراء، وحثِّ الليبيين على الاهتمام بالقارة والاستثمار فيها؛ شارحا الموقف الموريتاني من هذه الملفات جميعا، وأهميةَ استمرار الحوار والزيارات البينية، حتى ولو كان هناك تباين في وجهات النظر، ثم ختم اللقاء كعادته لمبعوثِيه، بالاستشهاد ببيت طرفة بن العبد:

إِذا كُنتَ في حاجَةٍ مُرسِلاً    فَأَرسِل حَكيماً وَلا تُصيِهِ

إلى ليبيا

كل ما شغل تفكيري منذ التعيين، الأدوات التي تمكنني من تحقيق مهمتي، من إمكانيات بشرية، علينا استغلال طاقتها بالقدوة والتكوين والثقة، ومادية، علينا ترشيدها؛ مع كسب ثقة الوزارة ومؤازرتها.

  ومن حسن الحظ أن المكاتب والمنزل غير مؤجرين، بل مقدمان مجانا من الحكومة الليبية، عندما فتح السفارة السفير سليمان بن الشيخ سيديّ، لكنهما – كغيرهما – من الممتلكات الإيطالية التي استولت عليها حكومة الثورة كانت بلا وثائق ملكية.

وقد أعارتنا الحكومة الليبية بعد وصولي مكاتب ومنزلا في سبها، عندما أنشأنا قنصلية فيها.

   بالنسبة للموظفين والعمال، فهم: ملحق مكلف بالشؤون القنصلية، انتقل فيما بعد إلى سبها، ومحاسب، وكاتبتان محليتان، وسائق، وقبل سنة من مغادرتي وصل مستشار أول، هو شرنو علي بارو، الذي عين سفيرا في طهران. وظل النقص في موظفي السفارات التي عرفت، أكثر ما عانينا منه سواء في العدد أو التأهيل.

  وكنت أوصي الدبلوماسيين باحترام البلاد التي تستضيفنا، وأن يصادقوا مواطنيها، ويتفهموا مواقف حكوماتها، وألا يبحثوا عن النواقص والأخطاء، وألا يدخلوا في جوقة التشهير التي يمارسها بعض الديبلوماسيين ضد بلاد الاعتماد.

أما السيارات فكانت اثنتان، أضيفت لهما ثالثة.

**

    لم أفاجأ كثيرا بحجم الميزانية، لإدراكي وضع البلاد المالي، وحالة الحرب. لذلك التزمت بترشيد صارم لها، وحفظ الممتلكات، طيلة مهمتي سفيرا في ليبيا وسوريا عشر سنوات بينهما، ونيجيريا سنتين، خاصة أن حجم ميزانيات السفارات هو الذي تعرفون، وفي بعثات تحتل المرتبة الثالثة في سلم غلاء المعيشة، إلا نيجيريا. ولهذا لم يتأخر قضاء فاتورة ماء ولا كهرباء ولا هاتف، طيلة خدمتي. وكنا نحمّل السائق مسؤولية السيارة وصيانتها، لا يلمسها غيره، ويضع مفاتيحها بعد الدوام لدى الحارس، ونتكلف بنقل الدبلوماسيين أو أسرهم؛ وبفضل ذلك، لم تُتلف لنا خلال اثنتي عشرة سنة إلا سيارة واحدة في ليبيا كانت مؤمنة.

  وحتى كمتعاقد، مع الجامعة العربية، رئيسا لبعثتها مدة 15 في أديس أبابا، واظبت على النهج نفسه مع ميزانيتها حتى انخفضت تكاليف التسيير – دون الرواتب طبعا – بحوالي النصف.

   وفي الوقت نفسه لم أطلب يوما تكملة للميزانية، ولم أشكُ من نقصها، لأنني قانع بما نحن فيه، وأحمد الله عليه؛ ومن القواعد التي جئت بها من عملي السابق، أنني لا أقبل تجاوز أوقية واحدة في الصرف، لكنني لا أعيد أي مبلغ لم يُصرف إن أمكنني ذلك، فأشتري به النواقص من أثاث السفارة وأدواتها، ليُسجل في دفتر إضافي مَخْرُوز مع دفتر محاسبةِ المقتنيات.

  وعلى مستوى السكرتارية الشخصية، كنت أكتب التقارير بخط اليد، قبل أن أتعلم الطباعة، لأنني لا أأتمن أحدا عليها، ثم جاء الحاسوب وحُلت مشكلتي.

  كان بريدنا يُرسل مرتين على الأقل في الأسبوع، عبر الخطوط الجوية الفرنسية (Air France و Uta)، ونبعث المعلومات الخاصة بالشفرة قبل إلغائها، أما الهاتف فلا نستعمله إلا في حالات نادرة.

لم أكن أخاطب – خلال مأموريتي – إلا وزير الخارجية، أو الأمين العام: فيما يتعلق بتسيير السفارة، وعلى الخصوص الشؤون الإدارية والمالية، وإلى الجهات الأخرى عبر الوزارة؛ وأرُدّ على من يكتب لي من الوزارات مباشرة، مع نسخة للخارجية؛ وطيلة انتدابي لم أكتب لرئاسة الجمهورية، ولم أتصل بها، إلا إن كانت هي المبادرة، وأنقل المضمون لوزارة الخارجية، وهو ما وقع – فيما أتذكر – مرتين، بعد سنة 1978، كما كنت أكتفي بعطلي الرسمية ولا أطلب غيرها، وأغتنمها فرصة لألتقي وزير الخارجية والوزراء ثم الرئيس، وأحل المشاكل العالقة.

علاقات إيجابية في ظل إرهاصات الثورة

   ليبيا كما تعرفون بلد عي إفريقي، غني، يقوده نظام ثوري،  يقبل عليه الناس من كل جهة، طمعا في ماله، وتجنبا – أحيانا – لضرره، بسبب تعاونه مع العديد من المنظمات المعارضة، ومنها المسلحة عبر العالم.

وعند وصولي كانت البلاد مزدهرة، تتوفر فيها البضاعة بشتى أنواعها وخاصة منها السمعيات البصرية، فيأتي الناس لاقتنائها من الدول المجاورة؛ وفي الوقت نفسه، كانت الدولة تعيش مرحلة مخاض صعبة، عندما أصدر العقيد القذافي الكتاب الأخضر، وبدأ تطبيق مقولاته الاشتراكية، التي أثرت على حياة الناس، فتحولت ليبيا من جنة للتبضع إلى دولة اشتراكية، من نمط شعبي مستحدث غير مصنّف في الاشتراكيات المعروفة.

وكان أكثر ما يُقلق البعثات الدبلوماسية وأصحاب المصالح الاستثمارية من شركات ومكاتب تجارية وعمالة، هو الفوضى التي حلت بإدارة الدولة، من وزارات وخدمات ومشاريع. فما أن دخلت سنة 1977 حتى سيطرت اللجان الشعبية على الوزارات والقطاعات كافة ومنها الخارجية، لتأتي اللجان الثورية المعهودُ إليها بتثوير العمل والسلوك.

  وبعد ما وصلتُ ليبيا في بداية المسلسل التثويري، قمت بزيارة القائم بمهام وزير الخارجية وسلمته نسخة من أوراق الاعتماد، فأذن لي بالاتصال مع كل الجهات الرسمية التي أرغب في لقائها، فتم ذلك قبل أن أقدم أوراق اعتمادي أربعة أشهر من وصولي للرائد عبد السلام جلود (لأن العقيد القذافي أعلن أنه قائد ثورة وليس رئيسا). وحين أُبلغتُ بالموعد، لم أعثر على الأوراق بسرعة، حتى أني فكرتُ باتباع تقليد جار في ظرف كهذا، وهو الاتفاق مع المراسم على تسليم ظرف مغلق، حتى تصل أوراق اعتماد جديدة؛ ولا أدري كيف فعل زميل لي ذهب إلى إحدى دول الخليج في تلك الفترة، عندما شُحنت أوراق اعتماده في صندوقِ أمْتعته في الباخرة.

ومن المفارقات أن أول اتصال للخارجية الليبية بي كان لتوفير معلومات عن حقيقة مقتل قائد الثورة الصحراوية في موريتانيا، لأن القذافي ينتظرها بتلهف ـ كما قالوا ـ وقد أكدت لهم الخبر، انطلاقا مما سمعته في إذاعة موريتانيا.

   لقد تكيّفنا فورا مع أوضاع البلد الجديدة، لا نُعير أي اهتمام للمظاهر الدبلوماسية المعهودة، باستثناء علم السفارة والسيارة في حالة الزيارات، أما الألقاب، والاستقبال عند مداخل المكاتب المزُورة، وحتى الدخولُ على الوزراء، فكان يجري – في بعض الأحيان – عفويا وبدون تقديم، وضمن المراجعين من المواطنين أحيانا أخرى.

وكنا نتدخل مباشرة في بعض الحالات لإصلاح خطأ يمس رموز دولتنا أو مكانتها، ومن ذلك أنني قمت برفع العلم الموريتاني على صاريته، في الساحة الخضراء كأعلام الدول الممثلة، أمام حضور جماهيري ضخم، والوفود المدعوة، ومنها الوزير عبد الله بن بيه.

وظل قرار موريتانيا بألا تغيب عن أي مؤتمر أو لقاء في طرابلس، التي كانت قبلة عالمية آنذاك قاعدة، حتى لا نترك للآخرين الانفراد بالعقيد القذافي، كما أوصى به الدكتور عبد السلام التريكي، وزيرَ الخارجية حمدي بعد اندلاع مشكلة الصحراء، فكنا حاضرين في كل اللقاءات العربية والإفريقية، سياسيةً كانت أو اقتصادية أو ثقافية أو رياضية أو نقابية، ممثَّلين دوْما في الاحتفالات التي تقام في المناسبات الوطنية الليبية.

وظل العقيد القذافي حريصا شخصيا على لقاء هذه الوفود، يدير معهم نقاشات متنوعة، تتطور إلى جدل أحيانا، ومنهم وزراء، ورجال دين وأدب، نذكر منهم  الشيخين الجليلين ابّه بن انّه ومحمد سالم بن عدود؛ حيث ما أزال أتذكر ثلاثة أبيات من قصيدة له ألقاها بحضور القذافي:

أيا ثورة الشعب العزيز تقبلي  تحايا مُحبٍّ عذبُهن زلال

ولا تسمعي فينا الكلام فإنّنا      مُصِمُّون عمّ الآن فيكِ يقال

ولا تخذلينا في النضال فإنما    حياتُكِ فينا نُصرة ونضال

لقد كان القائد الليبي منبهرا بالثقافة العربية الموريتانية عندما زار البلاد، خاصة محطة بوتليميت، التي سمع فيها – ربما – أجمل ما قيل فيه من منظوم، وبعد عودته، طلب من الليبيين ألا يبعثوا أبناءهم لتعلم العربية في الجامعات العربية، وأن يتجهوا إلى موريتانيا، لذلك ركزتْ الحكومة على هذا الوتر الحساس، فكانت النتائج جيدة.

وعندما هوجمت نواكشوط سنة 1977، واستُولي على أسلحة وذخائر مصدرُها ليبيا، ارتفعت الأصوات بقطع العلاقات، حتى أثير الأمر في اجتماع المكتب السياسي والحكومة، الذين طلبوا رأيي، فاقترحتُ إرسال مبعوث خاص، مع صورِ السلاح والعتاد، وهذا ما تم، مع الوزير عبد الله بن بيّه، الذي قدم الملف إلى العقيد القذافي.

  وقد أبلغني أحد مساعدي القائد الليبي المقربين أنه بعد ذلك بأيام عقد ندوة لجميع اللجان الثورية في ليبيا، وخاطبهم عبر شبكة تلفزيونية مغلقة، عن عدة قضايا، منها العلاقات مع الدول العربية؛ حيث تطرق للسودان، وقال إن جعفر النميري يحاول بكل السبل إيذاء ليبيا، كإطلاقه حملة تبرعات يساهم فيها كل سوداني بدولار أمريكي، لقضاء الديون الليبية، مع أننا – يقول القذافي – أنقذناه من الموت، باعتقالنا قائد الانقلاب العقيد هاشم العطاء بتوقيفه في المطار قادما من لندن، لنسلمه للنميري فيقتله؛ بينما أمسكت موريتانيا عن التشهير بنا، بعد أن استولت على أسلحة كنا قدمناها للثوار الصحراويين، مكتفية بالاحتجاج وتسليم صور عنها.

  وبعد تدخل الطائرات الفرنسية ضد القوات المهاجمة داخل الأراضي الموريتانية، استدعى العقيد القذافي، سفراء الجزائر والمغرب، وموريتانيا واجتمع بكل واحد منا على حدة. وقد طلب مني أن أنقل للرئيس استنكاره للاستعانة بالقوات الفرنسية في صراع عربي – عربي، بعد أن كان أخرجها من الباب الواسع، ملحًّا على ضرورة وقف هذا التدخل فورا، وأن على الدول المتصارعة أن تحل المشكلة بينها، وأنه مستعد للمساعدة في ذلك.

وقد استقبلني الرئيس في نواكشوط، وقدمت له التقرير، فلم يزد على أن قال لي بيت الحلاج:

ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له  إياك إياك أن تبتلّ بالماء

ولم يزدني بكلمة، سوى سؤالي هل سأزور الرشيد؟.

وعند ما استقبلني القذافي في العودة، كان مصغيا لسماع رد الرئيس، فما زدته عن حكاية البيت؛ فقال بصوت مرتفع: لستُ مَن بلّله، وإنما الحسن الثاني، وجيسكار وصينكور وهوفويت بوانيى، وانتهى اللقاء.

كما أشرت إليه سابقا، أوصاني الرئيس على العناية بالعلاقات الليبية الإفريقية، وإطلاعه على ما تحقق فيها، وفي إحدى زيارتي لنواكشوط قدمتُ له عرضا عن مستجداتها، متطرقا إلى إعلان إسلام رئيس بنين الذي تسمى بأحمد صلاح الدين كريكو، فقال لي ضاحكا: لقد اتصل بي الرئيس التوﮜولي أياداما ليشكو لي القذافي، قائلا: لقد تجرأ على أن يطلب مني تغيير ديني لأصبح مسلما، مثل كيركو، ولولا أنك أوصيتني عليه لصفعته.

**

في الحقيقة لم تؤثر قضية الصحراء بشكل جوهري على العلاقات بين البلدين؛ فاستمر التعاون الذي كان متعدد الأوجه ولو بوتيرة أقل. ومن ثمرته شركتا الصيد والزراعة؛ وإنارة مدينة شنقيطِ، وبناء الثانوية العربية، والمشاركة في تمويل تعبيد طريق الأمل. وظلت اللجنة المشتركة للتعاون قائمة حتى سنة 1978، وتزايد باطّراد سنوي عدد الطلبة، إضافة إلى التشاور والتنسيق أحيانا في القضايا المرتبطة بالتعاون العربي الإفريقي.

وقد فشلت محاولات قمنا بها لاستيراد الماشية إلى ليبيا خاصة الأغنام، عبر البحر أو مطار النعمة الجديد، لأن جهات رسمية ليبية عرقلت الموضوع، بحجة عدم خضوع المواشي الموريتانية للرقابة الصحية المطلوبة، فاختاروا الأرجنتين، التي سببت لهم انتشار أمراض كادت تقضي على ثروة الماشية في المنطقة الغربية.

ويبقى محفورا في الذاكرة في هذا البلد الشقيق طيبةُ أهله وكرمُهم، وحبهم للموريتانيين، الذين يشتركون معهم في الكثير، ومنه الصراحة والبساطة والحضور القبلي،  لا سيما بعد الثورة التي كان أكثرية أعضاء مجلس قيادتها ينتمون للبادية، مثل رئيسها؛ مما جعل سكان المدن ينفضون الغبار عن الأرشيف ليُحيوا انتماءاتهم القبلية، وذلك نقيض البلاد العربية الأخرى، باستثناء دول الخليج، والعراق في عهد الرئيس صدام حسين، الذي أشرك القبائل في الحكم، وأعاد لها بعض المكانة التي فقدتها. وكنت أنبه الطلبة على عدم الاندفاع في التفاخر بأصولهم البدوية، بسبب نظرة سكان المدن العربية الدونية للبدو عامة.

وخلال عشر سنوات من العلاقات بين البلدين بلغ حجم التمويلات الليبية والوديعة في البنك المركزي وغيرها حوالي ستين مليون دولار، أضعاف ما استثمرته فرنسا في بلادنا خلال 60 سنة من الاستعمار.

الانتقال إلى سوريا

كان الاستقبال يتبع الروتين نفسه، وكذلك التعامل، إلا أن الخارجية هنا أكثر فعالية؛ فبعد يومين من وصولي استقبلني عبد الحليم خدام، وزير الخارجية، ثم توالت الزيارات للوزراء الذين أُعنى بهم أكثر.

كنا نعرف الفرق بين ليبيا وسوريا، فلكل منهما ميزته وخصوصيته، فالأخيرة دولة مركزية لها ثقل وتأثير في الساحة العربية، وخاصة المشرقية. وتختلفان سواء في طبيعة البلد ومناخه، أو أهله الذين يعتبرون أكثر شعوب المنطقة انفتاحا لكونهم ظلوا على مدى التاريخ ملتقى الحضارات، ومع العراق منشأِ أعرق حضارة وهي حضارة ما بين النهرين، ففيها بدأت الكتابة ودُجن الحيوان، والحبوب الزراعية، والغزل والنسيج، وعاصمتها دمشق أقدم مركز حضري لم يَخل من السكان في العالم، ونظامُه مركزي قوي، وعند وصولي كان في السلطة منذ  سبع وعشرين سنة.

كانت علاقتنا مع سوريا مركزة على إيفاد الطلبة إلى الجامعات والمعاهد العليا السورية، التي تخرج منها حتى اليوم – حسب تحرياتنا الأخيرة – حوالي ألف طالب. وكان التعاون قائما في المجال الثقافي عموما، ومنه فتح مركز ثقافي لسوريا في نواكشوط.

ويختلف وضع السفارة فيها عن ما هو عليه في طرابلس – إلا في عدد الموظفين – فالمكاتب والمنزل ملكية لموريتانيا التي اشترتهما عند فتح السفارة، ويقعان في أرقى الأحياء؛ فالمنزل يحتل طابقا أرضيا من فيلّا خالد العظم رئيس وزراء سابق، كانت الأشهر في العاصمة حتى بداية تسعينيات القرن الماضي، والسيارات ثلاث، إلا أنها قديمة جدا، وصيانتها مكلفة؛ لذلك باشرنا السعي في تجديدها.

   واغتنمنا فرصة تلقي مبلغ لشراء سيارة لرئيس البعثة، وكذلك الحصول على إذن ببيع السيارات المتهالكة، فتحملتُ المسؤولية وقررت شراء ثلاث سيارات جديدة بالمبلغ المخصص أصلا لشراء سيارة رئيس البعثة، لأن قيمة الدولار كانت مرتفعة فوق الحد المعهود، فاشترينا مرسيدس 200، بدل مرسيدس 280، وسيارتين أخريتين، وبثمن السيارتين المتهالكتين اقتنينا سيارة رابعة لنقل المسافرين والقادمين إلى  المطار وعفشهم.  وقد سألني نائب وزير الخارجية عندما زار دمشق، لما ذا لم أشتر سيارة مرسيدس 280؟ فقلت له – مداعبا – كيف أتجرّأ على ركوبها، وسفير الصين لا يستعمل إلا مرسيدس 200.

كانت المشكلة المزمنة في السفارة تأخر منح الطلاب، الذي عانينا منه في بعض الأشهر، وأدى إلى محاولة احتلال المكاتب، ثم الاعتصام أمامها، ولكنه توقف عندما تلقينا – بالخطأ – مبلغا كان موجها إلى سفارة أخرى، وقبلت إدارة الميزانية تركه، فغطى مِنح سنتين متتاليتين.

اللقاء الأول مع الرئيس الأسد

تعاون ثقافي متميز وتفاهم سياسي متجدد

  قدمت أوراق اعتمادي للرئيس حافظ الأسد بعد شهر من وصولي. وقد شاب الجلسة القصيرة المعهودة بيننا بعضُ التوتر، حيث كان على علم بأني عائد توا من عمان بعد حضور قمة عربية انسحبتْ منها سوريا مع دول الصمود والتصدي، فسألني عن ردود الفعل على التطورات الأخيرة، في إشارة إلى الوضع بين الأردن وسوريا نتيجة الحشود السورية على الحدود، فقلت له إن الناس يتمنون لو وُجهت الأسلحة العربية إلى إسرائيل، فرد بتجهم “نحن جاهزون لقطع يد كل خائن”.   غير ذلك، استعرضنا بسرعة العلاقات بين البلدين، وقضية الصحراء، والوضع العربي عامة، فذكّر بمواقف سوريا من الحرب العراقية الإيرانية، متمنيا أن يُدرك العرب خطورة الأمر.

خلال الهنيهات التي ساد فيها التوتر مع الرئيس الأسد، جالت بخاطري قصة سفير تونسي سابق في بغداد، هو محمد بدره، الذي يقول “كنت مقيما في القاهرة ولكنني معتمد أيضا في بغداد، حيث دعيت لحضور حفل إفطار على مائدة رئيس الوزراء اللواء الركن عبد الكريم قاسم، رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة (كان الاسم والألقاب تتلى كاملة عند ذكره) فقدموا أشكالا من أنواع التمور العراقية، فقلت لوزير مجاور: إن في تونس تمورا أجود منها، فالتقط الحاضرون الكلمة، ونظروا إلي بغضب، وتوقفوا عن الحديث. فتأكدت أنها سقطة دبلوماسية كبيرة، فاستأنفت قائلا: لقد كنت أمازح، لأن العراق موطن التمر في العالم، في الجودة والكثرة، وما بتونس مجرد بقايا علف خيول الجيوش العراقية التي كانت تتصدر الفتح الإسلامي للمغرب العربي والأندلس والتي مرت بتونس، ومنه نبتت النخلة المعروفة بدﯕلة النور، نسبة إلى نهر دجلة العظيم؛ فغاب التكشير قليلا، فواصلت قائلا: في نهاية المطاف، ليس هناك ما يمكنه أن يسبب غيرة، لأن العراق مذكر وتونس مؤنثة”[1].

وقد اتضح لي خلال اتصالاتي بأن هناك عتبا على موريتانيا لموقفها من هذه الحرب، وهو ما أثاره معي وزير الإعلام أحمد إسكندر، الذي كان أكثر الوزراء نفوذا قبل موته المبكر؛ عند ما زرته، إذ خاطبني قائلا: لما ذا تقفون مع عدوان العراق على إيران؟ مرددا المقولات السورية المعهودة في هذا المجال، فقلت له: السيد الوزير، عليكم أن تفهمونا، نحن شعب نتعلق بالعروبة والإسلام – ربما أكثر منكم – لأنكم في الوسط ونحن في طرف قصي، لذلك عندما تُعلن دولة عربية أنها ظُلمت فنحن معها، وهذا ما فعلناه سنة 1967 حين أذعتم  – مع المصريين – أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي عطلت دفاعاتكم الجوية أمام الطيران الإسرائيلي، باستخدام الباخرة ليبرتي، المجهّزة لذلك، فقطعنا العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.

فرد قائلا: الآن فَهمناكم، فأهلا بكم، وسوريا بلدُكم، وأهلُها أهلُكم.

  ثم جاء الموقف الموريتاني من الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف 1982، وعقدَ اتفاق الإذعان – كما سمي – الذي يضع البلد تحت وصاية غير معلنة لإسرائيل، فتحركت سوريا في حملة دبلوماسية وإعلامية شملت الدول العربية ومعظم دول العالم، لإسقاط الاتفاق، فكان الوضع صعبا أمامها، لأن الحكومة اللبنانية تحت الحراب الإسرائيلية، والطوائفُ اللبنانية منقسمة على أمرها، وموقف سوريا من الحرب العراقية الإيرانية، يجعلها إلى حد ما معزولة عربيا. وكانت موريتانيا الدولة الوحيدة – كما قال لي الشرع – التي أيدت موقف دمشق عندما استقبل رئيسُ الوزراء معاوية بن الطايع وفدَه، في غيبة رئيس الدولة محمد خونه بن هيداله.

  ومباشرة بعد عودة الوزير استدعاني، ليعرب لي عن امتنان الرئيس حافظ الأسد والحكومة لهذا الموقف، الذي لن ينساه الشعبان السوري واللبناني.

ومع أن العلاقات ظلت حسنة وتطبعها المودة، إذ كان الرئيس – طيلة مأموريتي – يستقبل كل المبعوثين والوزراء المشاركين في المؤتمرات، مُظهرا الأخوة والاحترام – إلا أنها ازدادت متانة، مما تجلى في العديد من اللفتات ذات المغزى، وعلى رأسها زيادة المنح، والحصص في الكليات المرغوبة، كالطب والصيدلة والزراعة والهندسة، ولاحقا الكلية العسكرية.

من ناحية أخرى امتنّ المسؤولون للسفير لتجاهله تصرفًا  صدر من بعض شبيبات الحزب في يوم عيد الشباب، هو كشف طرف ملحقتي حرمي وقريبتها الزائرة، عن رأسيهما في سيارة للبعثة.

وكان أول من أبلغني بالأمر سفير المملكة العربية السعودية نقلا عن حرمه، التي تعرضت للشيء نفسه؛ وعندما اتصلت بحرمي هوّنت مما جرى، وأنه عامٌّ على كل المارة.

وعند ما طلبتْ المراسم موعدا لأحد مسؤولي الوزارة للاعتذار، طمأنتهم على أن الأمر لا يتطلب ذلك، لأنه عامٌّ ولا تُقصد به الإساءة، وأن دمشق وطنُنا الثاني ولا حساسية بيننا. وقد أبلغتني مصادر عدة تقدير المسؤولين في أعلى المستويات لهذا الموقف، الذي تردّد بين مجموعة السفراء العرب.

وينبغي أن أشير إلى أن حرمي كانت قد زارت حرم الرئيس الأسد عند وصولنا، زيارةَ مجاملةٍ وكان سابقة بالنسبة لها كما علمنا، كما أن الرئيس الأسد ظل في المناسبات التي يحضرها الدبلوماسيون يبادلني الحديث، ومن ذلك أنني تحدثت مع بعض الزملاء العرب عن القدرة الخطابية للرئيس وسلامة لغته، فقلت له مرة إن من يُصغي إلى خطبك، يتوسم أنك قد قرأت القرءان الكريم، فأجابني: لقد أنهيته وعمري تسع سنوات، وهو ما أكدتْه لي شخصيات سورية.

وفي لقاء معه بحضور زائر موريتاني أسهب في الحديث عن اغتصاب إسرائيل لفلسطين دون حق أو سند تاريخي، فعلقت قائلا إن ما تقولنه يتقاطع مع ما ورد في كتاب “التوراة جاءت من الجزيرة العربية” للدكتور صليبا أستاذ الجامعة اللبنانية، الصادر حديثا، فتبين أنه لم يطلع عليه.

  كان الأسد شغوفا بإثراء لقاءاته، فهو محاور جيد، حريص على الدعابة والتودد، على خطى عبد الناصر الذي التقيته مرتين ضمن وفود.

    وقد استقبلني للتوديع، فكنت الوحيد من ضمن أربعة سفراء مغادرين، هم الإيراني محتشمي، واليمني عبد الله بركات، المعيّنان وزراء مثلي، وسفير الكويت عبد الرزاق الكندري، ورابع لا أتذكره؛ وتجاوز لقائي معه الوقت الذي حددتْه المراسم، بإشارة منه.

**

في الأردن ولبنان، ومع منظمة التحرير الفلسطينية، قدمت أوراق اعتمادي لكل من ولي عهد الأردن الأمير الحسن سنة 1981 في غيبة الملك في الخارج، وللرئيس إلياس ساركيس رئيس الجمهورية اللبنانية في مارس 1982، ولياسر عرفات في إبريل 1982، في فندق شيراتون بدمشق، دون إعلان بذلك، نظرا لحساسية وضعه؛ وكانت بيننا معرفة سابقة، بدايتُها في طرابلس لتزويده بجوازات سفر موريتانية، تنفيذا للتعليمات.

النشاط الإعلامي والثقافي

كان الإعلام بوابتي إلى العمل الدبلوماسي، ومصدر العلاقات التي ربطتها في ليبيا وسوريا، وأفادتني كثيرا، مثل علاقاتي بمديرين سابقين للإذاعة والتلفزيون الليبيين، تولى وزارة الإعلام، ثم العدل، والثاني الإعلام قبل مغادرتي طرابلس ثم أصبح وزير الخارجية، قبل أن يُتوفى في حادث سير؛ كما كانت لي معرفة بمديري إذاعات معظم الدول العربية، بحكم  أننا عضو مؤسس لاتحاد الإذاعات والتليفزيون العربية، ومثلها اتحاد التلفزيونات الإسلامية، فكنت على اتصال مع من أعرفه منهم عند الحاجة.

  وأفادتني علاقاتي مع  مراسلي وكالات الأنباء، والصحف والإذاعات الأجنبية؛ في العاصمتين، حيث نتبادل الأخبار، ويزودونني ببعضها قبل نشره في بعض الأحيان، وخاصة الأخبار الداخلية، ويُمرّرون لي بعض ما أريد إبلاغه دون إقحامي كمصدر.

وقد زرت رؤساء الصحف الثلاث الرسمية في سوريا الذين يُعتبرون ركائز في سياسة سوريا، ومصدر معْرفةِ توجهاتها في العلاقات العربية والدولية.

والمصدرُ الأساسي لأخبار الدول التي خدمتُ فيها، كغيرها، هو الصحف المحلية، لأنها مرْآت الأوضاع الداخلية والخارجية، ومصدرٌ لا يضاهى، في تتبع الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، حتى ولو كانت في نظر البعض مجرد أبواقِ دعايةٍ فقط.

وكنا في طرابلس نُعد نشرة من أقوال الصحف المحلية، تبقى مرجعا مهما نعتمد عليه في متابعة سياسة البلاد وأوضاعها المختلفة وعلاقاتها الدولية، ونرسله حسب الأهمية إلى الوزارة.

أما إنتاج السفارة الإعلامي، فكان وثيقة دائمة تحتوي تقديما شاملا ومتنوعا لموريتانيا من الشكل الذي يحتاجه المهتمون ببلادنا، من زوار وخاصة إعلاميين. وكان نشاطنا أكثر مع تلفزيونات ليبيا ثم سوريا، لاسيما عن ذكرى الاستقلال، حيث كنت أسجل كلمة عن الحدث، مصحوبة بصور وشريط وثائقي وأغنية مصوّرة، مما تحتويه مكتبتي الشخصية، إذ لم تكن التلفزيون قد انطلقت لدينا كما هو معروف.

وكنا نصدر نشرة دورية تتضمن بيانات عن العلاقات الموريتانية الليبية، والشيء نفسه في دمشق عن علاقاتنا مع سوريا، وكذلك أنشطة رئيسنا ووزرائه التي لها علاقة بالخارج، وقد حسّن سلفي هذه النشرة وصارت مطبوعة.

لكننا أحجمنا عن توزيع البيانات التي كانت تردنا عن موضوع الحرب قبل توقفها، لما فيه من إحراج للدولة المضيفة، وحتى لا نعمق الجرح الغائر في العلاقات المغاربية، لأن الدبلوماسية، تطفئ الحرائق، ولا تصب الزيت على النار.

وفي المجال الثقافي والديني، كنت على صلة بوزراء التعليم العالي والإعلام والثقافة والأوقاف والشؤون؛ الذي كان يزورني أحيانا في البيت، حيث ذكرت له قصة جارنا سفير تركيا، الذي قال لي مرة إنه لا يصلي في المسجد المجاور بسبب صوة المؤذن، الذي لا يعجبه، فما كان منه إلا أن أمر بعزله وتغييره بآخر أجمل صوتا، فعلمتْ جماعة المسجد بالأمر وزاروني في البيت، للتدخل حتى يعود الوزير عن قراره، لأن المؤذن رجل فاضل، لا يبخل بمساعدة المسجد، حيث يملك وكالة تأجير سيارات، ثم إن السفير التركي لم يغير سلوكه، ففعلت وأعيد المؤذن.

وقد طلب مني الوزير مرة أن أعطي تأشيرة لرجل من مدينة حلب، أعتقد أنه يزاول الأعمال، لزيارة ضريح الشيخ محمد فاضل، في دار السلام، بالحوض الشرقي، حيث رتبت له ظروف الزيارة، وعند عودته أتحفني بكيس من تراب الضريح.

وقد حاضرت في بعض التجمعات والنوادي كنادي العروبة في دمشق، بمشاركةٍ أحيانا من بعض طلبتنا، وحضور مثقفين، وكانت فرصا لحوار وسع دائرة التعريف بالوجه الثقافي لبلادنا.

والتقيت شخصياتٍ دينةً مثل مفتي الجمهورية وبجمعيات دينية، خاصة متصوفة، منها من أخذ سنده في الحجاز عن شناقطة،  كما كانت لنا صلات ببعض الأدباء والكتاب والفنانين، منهم الممثل الشهير دريد لحام، الذي زرته مع سيداتي بن آبه الذي كان في زيارة لدمشق، وعندما جاءت زوجه تحمل أقداح القهوة قدمها لنا بقوله: هذه أمّي، فضحكنا.

وكان نادي الشرق أكبر قاعة عرض في العاصمة في فترتنا، يستضيف كبار الفنانين مثل صباح فخري، ومياده الحناوي، وفيروز ووديع الصافي وجوزيف صقر، حيث حضر بعضنا حفلاته، وقد سقط فوق حلبته بسكتة قلبية نصري شمس الدين، في الليلة التي استقبلْنا فيها وزير العدل.

الانتقال إلى نيجيريا

نيجيريا كما تعرفون هي أكبر دولة في القارة الإفريقية من حيث عدد السكان وهي القوة الاقتصادية الأولى فيها، وأكثرها نفوذا خاصة في الغرب الإفريقي، وعاصمتها مقر الجامعة الاقتصادية لغرب إفريقيا. ومع إقامتي فيها كنت معتمدا في بنين والتوﮜو إلا أن ترفض تسلم أوراق السفراء المقيمين في نيجيريا، مع قبول الاعتماد، وإعطائهم بعض التسهيلات.

وما فاجأني أن وزارة الخارجية في نيجيريا تضع موريتانيا في دائرة شمال إفريقيا وليس في غربها، وهو ما كانت تتبعه وزارة الخارجية الأمريكية حتى تسعينيات القرن الماضي، قبل أن تضعها في دائرة غرب إفريقيا.

لم تكن هناك مشكلة بالنسبة للمكاتب والمنزل، ولا في موقعَيْهما، كما أنني وجدت دبلوماسييْن ومحاسب، كانوا يتولون تغطية الدول الثلاث، وحضور المؤتمرات التي كان أكثرها للمنظمتين الإقليميتين: الجامعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وجامعة غرب إفريقيا الاقتصادية، وبعض ملفات التعاون بين البلدين الذي كان منحصرا في الشراكة بين خصوصيين من البلدين في الصيد، الذي كان المستوردُ منه مرغوبا في لاكوص،  وكذلك لحل مشاكل الجالية في الدول الثلاث؛ التي كان يساعد فيها كثيرا القنصل الفخري، الطالب الحبيب.

   فَتح السفارة في نيجيريا السفير أحمد بن اﭽـه، سنة 1967  مزامنة مع قيام حرب انفصال ابيافرا؛ تعبيرا من موريتانيا عن دعمها للحكومة النيجيرية، رغم موقف بعض الدول، ككوت ديفوار، والغابون وفرنسا الجنرال دكول، المؤيدة للانفصال.

  وقد ساهم هذا الموقف في ربط البلدين بعلاقات سياسية كانت مفيدة في مواجهة الكثير من القضايا في الإقليم وفي القارة، وخاصة في النضال لإكمال تحرير القارة من الاستعمار والتفرقة العنصرية.

وبعد انتهاء الحرب كان الكثيرون في الدول الإفريقية التي وقفتْ ضد انفصال ابيافرا ينتظرون مساعدات من هذه الدولة النفطية، إلا أن الجنرال يعقوبُ ﮜون، خيّب تلك الآمال، بإعلانه أن حكومته ليست في وارد مساعدة الغير، لأنها خارجة من حرب أهلية وتحتاج إلى كل مواردها. وقد قيل إن موريتانيا، لذلك السبب، قررت إغلاق السفارة، التي كانت مكاتبُها من أحسن مثيلاتها، لتصبح للجزائر.

وكانت مصر والجزائر إلى جانب حكومة لاكوص أيضا، وساعدتاها عسكريا بالطائرات والطيارين. وقد استغربتُ أن السفير الجزائري ميهوب ميهوبي في لاكوص، لم يكن على علم بتصريح شهير لرئيس وزراء إقليم نيجيريا الشمالي محمدُّ بلُّ، الذي قتله انقلابيو الجنرال إيرونتسي.

فقد قال بلُّ بعد تفجير فرنسا لقنبلتها الذرية في رﯖـان بالصحراء الجزائرية سنة 1960: لو كانت الأمة الإسلامية بخير لأعلنا الجهاد لإخراج فرنسا من أرض المسلمين.

وخلال فترتي، اندلع النزاع الموريتاني السنغالي، الذي تعاملت معه الحكومات التي كنت معتمدا لديها، بمسؤولية وتوازن، وبلفتة نيجيريا وتوغو بالمساهمة المالية في أعباء التكلفة الإنسانية للنزاع، وبحسن معاملتهم لجاليتنا.

وقد تعاملتُ إعلاميا مع الأزمة بنفس الطريقة التي اتبعتُ في ليبيا حول النزاع الصحراوي، حيث اعتبرت أن دور السفير إطفاءُ الحريق وليس صب الزيت عليه. إذ أحجمت عن توزيع البيانات الواردة من الخارجية والصادرة في أغلبها عن وسائل إعلامنا، إلا فيما يتعلق بأمور جوهرية مثل ادعاء السيادة على نهر السنغال، والوصاية على سكانه، ولكني أشرح الحالة بشكل دوري مباشرة للمسؤولين في البلاد المعتمد لديها، وللزملاء الدبلوماسيين، وأرفض المقابلات التلفزيونية والصحفية، حول الموضوع، بينما قمت بها حول سياسة موريتانيا عامة وفي إفريقيا، لا سيما دورها في مجموعة غرب إفريقيا التي كانت من المؤسسين لها، وعن  التعاون العربي الإفريقي. وقد أبلغتُ بذلك وزير الخارجية عندما زارنا.

   ومن حسن الحظ، أن السفير ﭽـاتا سفير السنغال قد قرر التصرف بنفس الطريقة، كما أبلغني في حفل بالسفارة السعودية، فلم ندخل في حرب إعلامية، كما كانت الصحافة النيجرية تريد.

إشعاع موريتانيا الديني والثقافي

يظل أهم رأس مال لنا في العالم العربي وإفريقيا: الدينُ الإسلامي واللغة العربية، ودور علمائنا ومواطنينا بشكل عام كحمَلة لهذه الرسالة.

لذلك كنت دوما أعطي هذا الأمر ما يستحقه من اهتمام، وأشجع كل جهد ينصب في ترسيخه وتجديده.

ففي ليبيا التي كانت تمر بها طريق ركب الحج من ودان وشنقيطِ وتشيت وولاته، وغيرها من المناطق، وجدنا العديد من آثار الدعاة الشناقطة.

فقد طالعت مخطوطات في أحد مساجد العاصمة من العهد التركي، تضم أشاء عن موريتانيا، لكنها نقلت أو ضاعت عند توسيع الساحة الخضراء، من بينها رحلة الطالب أحمد بن طْوير الجّنة، ولم يسمح لي الوقت بالبحث، الذي إن قيم به لوُجد العديد من تلك الآثار، خاصة الفتاوى ورسائل الحجاج، الذين كان لهم مريدون وتلامذة، شرَح أحدهم بعض كتب سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم.

ومن أشهر الشيوخ في العصر الحديث الذين تركوا أثرا بليبيا، الشيخ محمد الأمين بن زيني القلقمي الشاذلي، الذي خلف مريدين وتلامذة، في مدينة أباري بالجنوب الليبي، كان منهم سفيران في الخارجية من عائلة الحُضيري، وسنعود إلى ذلك لاحقا.

  وفي ليبيا قررتْ وزارة التعليم سنة 1976 أن كل من يحفَظ القرءان الكريم يعامَل كحائز على شهادة جامعية، فاستفاد عدد من الموريتانيين، الذين كانوا عمالا يدويين أو حراسا.

   ومرة كلمني بالهاتف ضابطُ شرطة في مطار طرابلس الدولي، ليسألني عن شخص قال إنه موريتاني، فقلت له هل يحمل جوازا؟ فرد بالإيجاب، فقلت ما الإشكال؟ قال إن الجواز مكتوب عليه باللغة الأجنبية، ثم أننا عندما سألناه، هل يحفظ القرءان، قال لا، وذلك مصدر شكنا في هويته. هذه هي النظرة التي ظلت سائدة في الكثير من الدول العربية وفي إفريقيا عن الموريتانيين.

وسمعت الرئيس الأسد مرة – في تعليق على من يشكك في هوية موريتانيا ويربطها ببعض دول شرق إفريقيا، المنضمة إلى الجامعة العربية – سمعته يقول: إن من يزعم ذلك جاهل بالشناقطة ودورهم العلمي.

  وفي الأردن، عندما زرت مدير ديوان الملك حسين الدكتور أحمد اللوزي، قال لي: سعادة السفير، ذكّر جلالة الملك أن الشناقطة هم من أدخلوا الإسلام إلى الأردن.

فقلت: أنتم الأسبق، ومهد الفتح. وذكرى شهداءِ مؤتة من الصحابة عليهم رضوان الله، محفورة  في ذاكرة كل مسلم.

   وأردف اللوزي قائلا: عند وصول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (يعني محمد الأمين بن زيني الذي تحدثنا عنه سابقا) في خضم معارك الحرب العالمية الأولى، كان البدو الأردنيون يضعون الصلبان على خيامهم. ولعقود الزواج، وترأس حفلات العقائق، يبعثون الفرسان بحثا عمن يحفظ فاتحة الكتاب، للقيام بهذه الشعائر. وكانت القبائل تتصارع بينها، فأوقفها الشيخ، حيث استقبل أبناء المتحاربين يخفُرهم في حضرته، ضمانا لاستمرار السلام؛ وقد أقبل الناس عليه لتعليم أولادهم، وكنت أول من كتب عنه.

ويشكل تلاميذ الشيخ محمد الأمين المجموعة الشنقيطية الأولى التي توطنت الأردن وأضَنَه في تركيا، بينما كانت المجموعة الثانية هي التي جاءت مع الأمير عبد الله بن الحسين، من الحجاز؛ وأبرز رجالها الشيخ محمد الخضر بن مايابى.

وكل هؤلاء موجودون في الأردن ولهم صلاة مع أهلهم في موريتانيا، وأضنه في تركيا.

**

في نيجيريا، يلعب المسلمون دورا قياديا، بتصدرهم المشهد السياسي داخل الأحزاب السياسية الرئيسية، في الجيش، والأعمال، يعلنون على الملأ الاعتزاز بدينهم، والاعتداد بأنفسهم، لذلك كان من الطبيعي أن أوليهم الاهتمام، وأربط صلات بهم، وبمشايخ الطرق الصوفية القادرية والتجانية، إضافة إلى أمير سوكتو، الذي تطرقت معه إلى الحديث عن الطرق الصوفية ودورها في تعزيز العلاقات بين الشعوب، ومن ثم الدول، ومنه الطريقة القادرية الكنتية التي كان يتبعها أجداده، من آل فودِيَّ.

وكما هو معلوم، فإن عددا من ولايات نيجيريا تطبق الشريعة حتى في الحدود، وتنتشر في الولايات حتى ذات الأغلبية غير المسلمة المعاهد الإسلامية مثل آبيووكوتا في الغرب حيث معهد زليخه الذي أقامه رجل الأعمال والسياسي الثري أبيولا، والذي حدثني سلفي الشيخ سيدي أحمد بن بابا مين أنه يضم ألفي طالب؛ وفي لاﮜوص كانت هناك مدارس إسلامية أهلية لتعليم القرءان الكريم والفقه للناشئة، من أشهرها مدرسة الشيخ سعد زغلول، الذي يشكل احتفالُها السنوي بتخريج تلامذتها مناسبة مؤثّرة، أحرِص على حضورها مع السفراء المسلمين.

وقد أبلغني سلفي أيضا أن وزير النفط الشهير، رِلْوانُ لقمان، حفظ القرءان على يد الشيخ بابا أحمد الموريتاني، المعروف بنشره التعليم العربي الإسلامي. وخلال فترتي كان وزير النفط  يحفظ القرءان أيضا ويصلي التراويح في جامع مدينته المختلطة بين المسلمين وغيرهم، في ولاية باوشي.   

العلاقات مع الجاليات الموريتانية

كانت الجالية الموريتانية في طرابلس تتشكل من الطلبة والعمال فقط، الذين كنا على صلات مستمرة بهم، لحل مشاكلهم الكثيرة، وبالذات مع شركات الإنشاء، بسبب رخص إقامتهم وتحويل أموالهم، وهو ما سوّته اتفاقية العمل والعلاقات القنصلية بين موريتانيا وليبيا، والتي تجسدت في بطاقة قنصلية اعترفتْ بها السلطات الليبية، تُعفي حاملها من الجواز، ومن ثمّ فتح حساب في البنك وسحب العملة الصعبة.

وفي سوريا لا يوجد غير الطلبة، وعلاقاتنا بهم طبيعية باستثناء الاحتجاج على تأخير المنح، وهو أمر متوقع وروتيني.

وفي الأردن، لم يكن هناك إلا الشناقطة الذين تحدثنا عنهم، وهم مواطنون أردنيون، إلا أن ذلك لم يتعارض مع تعلقهم ببلدهم الأصلي، ممّا يعبرون عنه بالصِّلات التي يربطونها مع السفارة ومسؤوليها.

التعامل مع بعض المفاجئات

الأولى، كانت سنة 1979 عندما اتصل بي باكرا القائم بالأعمال الأمريكي “وليام إيـﯖلتون” ـ الذي عمل في الستينات بسفارة أمريكا بنواكشوط – ولمّح إلى أنه يفكر في الالتجاء إلى السفارة الموريتانية، في حالة وصلت المظاهرات المنادية بالموت لأمريكا إلى سفارته، فرحبت بذلك، وأبلغت حراس السفارة. لكنه في النهاية خرج من الأبواب الخلفية لسفارته دون أن يلحق به أذى.

وقد منعتني زحمة المرور من أن أتصل بوزير الخارجية أحمدُ بن عبد الله، عضو الوفد المرافق لرئيس الوزراء محمد خونا بن هيداله الذي يقوم بزيارة ليبيا، ولم ألحق بالوفد إلا وهو عند باب مكتب القائد الليبي.

وقبل بدء المقابلة، كان الجو متوترا في الجانب الليبي، بسب المظاهرات تلك، وكنت أشعر بالخوف، لأنني شاهدت طرفا منها. فاغتنمت الفرصة، وقلت للعقيد القذافي “الأخ القائد إن المتظاهرين قريبون من السفارة الأمريكية، وهذا أمر خطير، لأن هذه السفارة تحت حمايتكم، والعاملون فيها ضيوفُكم”. فرد قائلا بنبرة استغراب، لكنها ودية “وما دخل موريتانيا في ذلك؟” قلت له محاولا تلطيف الجو “إنكم وضعتم سفارتنا بين السفارتين الأمريكية والروسية، ولا أعتقد أن ذلك مجردَ صدفة”. وفي الحال، وجه حديثه إلى أمين الاتصال (سكرتيره) عبد المجيد القعود، ورئيس مرافقيه العسكريين، وقال لهما بحزم “أوقفوا هذه المظاهرات عند حدها، ولا يمسن أحد أرواح أو ممتلكات الأمريكيين بسوء.”

وجرى هذا كله بحضور رئيس الوزراء وأعضاء الوفدين، دون أن يتدخل أحد منهم[2].

   الثانية، كانت سنة 1980، عندما احتمى حوالي أربعين سنغاليا بمكاتب السفارة في طرابلس، هربا من أحد مواطنيهم الذي غرر بهم عندما استجلبهم للعمل، كما يقولون، ثم اكتشفوا أنه يسعى لتجنيدهم. وقد قضينا يومين من المفاوضات مع أمين الخارجية، عبد السلام التريكي، لتحمل تسفيرهم إلى بلادهم، وهو ما فعلوه بقطع تذاكر لهم عبر باريس، بينما أعطيناهم تصريح مرور جماعي من السفارة يضم أسماءهم وجنسيتهم السنغالية، وعليه تأشيرة السفارة الفرنسية؛ وكان القرار النهائي بأمر من العقيد القذافي، بعد ما اتصلنا بالوزير المكلف بإدارة مكتبه.

وقد أخبرني السفير التقي بن سيدي أن رئيس الحكومة عبدُ جوف استدعاه ليُبلغ الرئيس الموريتاني بالامتنان لهذا الموقف، بينما لم أتلقّ ردّ فعلٍ من وزارة الخارجية.

الثالثة، سنة 1982، وهي لجوء حوالي ستين مقاتلا من أزواد بقيادة إياد آػ غالي إلى السفارة في دمشق بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث كانوا ضمن مجموعة أرسلتها ليبيا إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، لمواجهة الجيش الإسرائيلي، فاستُشهد بعضهم وأُسر الآخر، وأعلن الباقون العصيان، فنقلتهم الجبهة إلى دمشق، ثم تسللوا إلى السفارة طلبا للحماية.

وقد زار السفارة مبعوث من زعيم الجبهة أحمد جبريل يطلب إعادتهم، فرفضنا. وقد تمكنا من ترتيب سفرهم إلى الجزائر بالخطوط الجوية الجزائرية، بعد أن وافق السفير الليبي على دفع كلفة التذاكر، وزودناهم بوثيقة مرور جماعية مكتوب عليها أنها صالحة إلى الجزائر والعودة إلى أهلهم، كما فعلنا بالسنغاليين في طرابلس؛ وهنا أيضا لم نتلق رد فعل من الوزارة.

كنت في مواجهة أحداث طارئة كهذه أتصرف كمسؤول كامل السلطة، وأسعى إلى حل المشكلة في مهدها، ثم أبعث تقريرا بما جرى، وإن استعصت، أُبلغ الوزارة، مع اقتراح الخيارات  المتاحة.    

ولم أكن أرى من الضروري إبلاغ الوزارة باحتجاجات الطلبة مثلا، إلا عندما صار الأمر حدَثا، تبثه الإذاعات الدولية ك RFI، لكنني لم أتسبب في قطع منحة طالب خلال فترة انتدابي.

الحياة الدبلوماسية

يشكل أعضاء البعثات الدبلوماسية مجتمعا داخل بلد الاعتماد، له حياته المتميزة، وأسلوبه الخاص في التعامل بين أعضائه ومع محيطه، يرتبطون بعلاقات الزمالة، ويحرصون على تبادل الآراء والمعلومات، رغم التنافس في الاستئثار بها؛ ومع ذلك، فلن يبخل أحد منهم على زميله بتزويده بالمعلومة حسب الظروف، وفي الوقت المناسب له، والذي هو عادة بعد أن يكون قد أبلغها إلى دولته.

وكما هو معروف، فتوجد في كل مجموعة دبلوماسية فرق تمثل القارات، كالمجموعة العربية، والإفريقية والغربية والاشتراكية أيام الحرب الباردة، وهو ما انتهى مع انهيار المنظومة الاشتراكية؛ ثم أضيفت المجموعة الإسلامية بالنسبة للأمم المتحدة ومنظماتها، مع الإشارة إلا أن في اليونسكو مجموعة عربية إفريقية واحدة، ولكل مجموعة عميدها؛ وفي طرابلس ودمشق لم نشكل فريقا عربيا بشكل رسمي، لأنه قد لا يُستساغ في بلدين يَعتبران نفسيهما موطن العرب كلهم.

  وعلى كل، فسفراء الدول الكبرى هم الأكثر اطلاعا على شؤون البلد المعتمدين فيه، مع استثناءات، ترتبط بمكانة العلاقة بين بعثة مّا، ودولة المقر، والتي قد تكون سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو هي مجتمعة كما بين سوريا وإيران؛ وعلى كل، فشخصية الدبلوماسي هي المحدد النهائي لمكانته في بلد المقر وبين زملائه.

ويكون للمجموعة الدبلوماسية دائما مرجع، تلجأ إليه في الكثير من الأمور الخاصة بحياتها، هو العميد، الذي يسعى دوما أن يكون في خدمة زملائه، واضعا تحت تصرفهم تجربته ومقدما آراءه في الشؤون التي يوكلونها إليه.

  في طرابلس، كان العميد سفير مملكة بلجيكا، الذي قدم لي عرضا عن ليبيا وسياستها الخارجية، وتحالفاتها الإقليمية والدولية، وشرحا مفصلا لحالة الإدارة، وبصورة خاصة وزارة الخارجية، وما يراه من أسلوب يمكّن من فهم الليبيين والتعامل معهم. كما قدم عرضا عن المجموعة الدبلوماسية، والمكانة التي تحتلها والحدود التي تقف عندها في علاقاتها وحتى في تحركها، ليخلص إلى أن حالة الغليان الثوري، لا تتلاءم مع إقامة الأندية وتنظيم الحفلات، وحتى التزاور بين العائلات، عكس ما هو الحال في عاصمة الأمويين بمجتمعها المتعدد والمنفتح.

  وقد شرح لي صعوبة الحصول على الفنيين والعمالة المنزلية، مع الحاجة إليهم بسبب سوء الخدمات المتمثلة في الانقطاع المستمر للكهرباء والماء، وأعطاني صندوق عدّةٍ، يحتوي على المفاتيح الضرورية لإصلاح الأعطال الكهربائية، وإصلاح مفاتيح الأبواب، باختصار: صندوق كهربائي وسمكري متكامل، قائلا إذا لم تكن تعرف فلتتعلم.

رغم ألا شيء مُعدا للحماية الأمنية، فكنت يقظا بهذا الشأن، فأتنقّل داخل المدن بيقظة، وأراقب الناس عندما أكون في الحفلات الدبلوماسية، خشية هجوم إرهابي، لأن بعض العواصم العربية تعرضت لذلك، ناهيك عن العواصم الأجنبية، التي شهدت هجمات ضد إسرائيل وأمريكا، وغيرهما، كما حدث لسفيرنا في باريس.

   وكنت لا أرتدي إلا اللبسة المدنية، ولا أستعمل لبسنا الوطني إلا في مناسبة حفل عيد الاستقلال. وفي الحفلات الدبلوماسية – التي يُحتمل أن يستهدفها مهاجمون –  أرتدي عادة داكنة، وقميصا أبيضَ نصف كم،  ورُبطةً سوداء، للتخلص من السّترة الخالية الجيوب، وأتحول إلى نادل، بيده صينية وأكواب. كما لا أقف ولا أجلس داخل بيت إلا مقابل مدخله.

في دمشق كان العميد ممثلَ بابا الكنيسة الكاثوليكية بروما، وكان شديد الاطلاع على أحوال البلد؛ وانْصب حديثه على سوريا ولبنان، وخاصة الوجود السوري فيه، وذهب أبعد في حديثه عن الرئيس الأسد، فقال “إن البلاد خارجة من تمرد خطير قام به الإخوان المسلمون، وأن من أسباب الانتصار عليهم قرار الرئيس بالتخلي عن ممتلكاته وإهدائِها للدولة، وهو الوتر الذي كانت تلعب عليه المعارضة المسلحة.

بعدها هدأت الأمور وعاد الرئيس إلى تقمص شخصيات القادة التاريخيين المحبوبين بين العرب، كجمال عبد الناصر الذي كانت نقطة قوته خَطابته وعفة يده، وبساطة حياته، في المأكل والملبس”.

**

العلاقات الرسمية والاجتماعية

   مما وضعناه نصب أعيننا في العلاقات مع البلاد التي اعتُمدنا فيها، إعطاء عناية لربط الصلة مباشرة مع رؤساء الدول، ومع الوزراء وأصحاب النفوذ، ولم نقبل التنازل عن المكانة التي يحتلها مبعوثو رؤساء الدول لدى نظرائهم، ولا عن المساواة في التعامل مع بقية المبعوثين الدبلوماسيين، كما تكفل المعاهدات والتقاليد الدبلوماسية؛ فلم نرض يوما باستقبال مبعوثي رؤسائنا من غير نظرائهم، أو تسليم الرسائل لغير الموجهة إليهم، إلا في الحالات القاهرة، ولم نغب يوما عن الدعوات الرسمية لأي مناسبة كانت، مع الحرص على تحية الرئيس والوزراء، وربط الصلة بهم.   

وفي الوقت نفسه كنا نعتني بالعلاقات مع قادة المجتمع ورموزه؛ وكما هو معروف فإن جزأً أساسيا من العلاقات الاجتماعية لا يمكن أن يقوم به إلا النساء، لذلك يأتي دورهن مركزيا في خلق الصداقات وتنميتها، وفرصة للتثقيف والتعلم، والانفتاح على تقاليد وعادات العالم، التي تَبرع النساء في إيصالها.

  وما أن وصلنا دمشق حتى انخرطت زوجتي في نسج علاقات، صارت متميزة مع زوجات كبار المسؤولين، كعبد الحليم خدام وزير الخارجية، وخليفتهِ فاروق الشرع، وعدنان الدباغ وزير الداخلية، ثم خليفته بعد موته ناصر الدين ناصر، ووزير التموين، وأستاذات في الجامعة، وزوجات مراسلين صحفيين وتجار، وأصبحت عضوا نشطا في المجموعة التي تترأسها زوجة خدام. 

   وقد انضمت إلى هذه المجموعة زوجات عدد من السفراء، نذكر من هن، السعودية والكويتية والقطرية والليبية، والسودانية، والفينزويلية والتشيلية والإيندنوسية والهندية، والألمانية والرومانية؛ وزوجة الزعيم الفلسطيني المغتال أبو إياد، وزوجات عدد من قادة المجتمع؛ وليس هناك أثر لجهل اللغة الأجنبية في ربط العلاقات، لأن معظم السيدات الأجنبيات يصطحبن مترجمات.

ولم تكن الدول الإفريقية في جنوب الصحراء ممثلة في دمشق.

  يحتل العمل الخيري الجزء الأكبر من عمل المجموعة، حيث لبعض عضواتها جمعيات خيرية، تُنفق على دور الأيتام والمحتاجين بشكل خاص، عبر التبرعات وريع البازارات.

  وقد توسع هذا النشاط في أديس أبابا عندما انتقلنا إليها، وكانت تشارك فيه جميع السفارات المقيمة؛ ومما تغير في ما كان قائما قبل وصولنا إلى الحبشة – حول توزيع الأموال المحصلة من البازارات السنوية والتبرعات – أن زوجات السفراء المسلمين فرضن إعطاء نسبة إلى الفقراء المسلمين الذين كانوا محرومين من قبل، فصُرفت في الكفالات المدرسية للأيتام ومساعدة المعوزين.

وكانت عيشه تعطي عناية خاصة لتعلّم فن الطبخ والتدبير المنزلي، الذي تتفنن عائلات الدبلوماسيين فيه، وفي الوقت نفسه تهتم بالتعريف بالأطباق الموريتانية ضمن الأطباق الإفريقية، فنَشرت مع زميلاتها كتيبات عنها باللغات المتداولة، كما اهتمت بفن ترتيب المآدب. إذ السيدات في عالم اليوم، لا يكِلن على أحد طعامهن، ولا تدبير منازلهن؛ إضافة إلى ذلك كانت زوجات الدبلوماسيين يعطين اهتماما لتعلم اللغات.

   وقد ذكر لي محمد أحمد المقرحي  أول سفير ليبي في نواكشوط أنه كان يشفق على زوجته من كثرة ما تقوم به من عمل في البيت، فجاءها بطباخة سنغالية، فغضبت وقالت: إذن أنا فشلت في القيام بدوري، وشرعت في ترتيب أغراضها لتعود إلى ليبيا.

**

وبالنسبة للهدايا، فهي مطلوبة، وأنفس ما قدمتُ منها مصحفا بخط اليد لأحد الرؤساء، ولم تحظ سفاراتنا بالتوزيع الذي كان يجري على السفارات في الغرب لمنتجات الصناعات التقليدية كالزرابي، لتقديمه هدايا.

والمناسبات الأكثر شهرة لتقديم الهدايا أعياد رأس السنة الميلادية؛ وبما أننا لا نتعامل مع المشروبات الروحية، فكنا نوزع الأقلام والعطور، والقمصان وربطات العنق …  على مسؤولي وموظفي الجهات التي نتعامل معها كالخارجية والتعليم العالي، والمطار والجمارك، والبنوك، وعلى الصحفيين المحلين والمراسلين.

وكانت السيدة نجاح العطار وزيرة الثقافة محبة للشوكولا السويسرية.

  أما الولائم، فنحضّرها دوما في المنزل، خاصة في دمشق وأديس أبابا ولا تكلف أكثر من ثلاثين ألف أوقية للوليمة بقيمتها آنذاك، لأن اللحوم  لا تمثل فيها إلا نسبة ضئيلة لغلائها، عكس عاداتنا، بينما نعطي أهمية لوجباتنا الوطنية ككسكس بدهن الحيوان المرغوب جدا لدى المغاربة عامة والجزيرة والخليج، وڇيبُ نار لضيوف الغرب الإفريقي، ويتألف مدعوو الوليمة الصغيرة عادة من عشرة أشخاص إلى اثني عشر، ويحبَّذ أن يكون ضمنهم وزير أو نائبه  وسفير، وموظف دولي، وأستاذ جامعي وصحفي، مع زوجاتهم إن أمكن، حيث يحضَّر كل شيء في المنزل، وفي حالات خاصة نقيم الوليمة في المطعم.

وقد تعودنا على إقامة حفلة شاي شهرية في أغلب الأحيان، لا تُقدّم فيها إلا الفطائر والمكسرات والشاي والقهوة والعصائر، يحضُرها مجموعة قد لا تتجاوز اثني عشر شخصا، يُختارون من فئات المجتمع الذين تحدثنا عنهم سابقا، ولم تكن تكلف مثل هذه الدعوة أكثر من عشرة آلاف أوقية في ذلك الوقت.

**

متفرقات

ومما لم أستفد منه خلال مهمتي في الخارج الانتماء إلى النوادي الرياضية، وإتقان لعبة كالتنس، فلم أكن أعرف إلا السباحة؛ بينما كان اثنان من أسلافي في لاﯕوص من اللاعبين المتميزين:

الأول: أحمد بن اﭽـه، الذي حدثني عن أنها كانت مدخله إلى تنفيذ قرار الإفراج عن أحد رجال الأعمال الموريتانيين البارزين، وذلك من خلال معرفته في ملعب التنس لضابط نافذ في نيجيريا: هو حسن كاتسينا.

الثاني الشيخ سيدي أحمد بن بابا مين، الذي من المؤكد أنها مهدت له في نجاحاته في العواصم الرئيسية في إفريقيا والعالم العربي وآسيا: لاﯖوص، والجزائر، وأبوظبي؛ وبَجِينـػ، التي فَتحتْ فيها لعبةٌ كرة الطاولة الباب أمام العلاقات الأمريكية الصينية، فما بالك بكرة السلة الصفراء الملساء، ومضرِبِها المنمق بخيوط تتفوق في متانتها وزهْوها أوتارَ التيدينيت، ثم لعبة الـﮜولف التي تفرض على أي خصم التنازل، من شدة تعب المشي والبحث عن الكرات الضائعة.

**

  أما تجربتي في إثيوبيا، فكانت من نوع آخر هي العلاقات متعددة الأطراف، لوجود منظمة الوحدة الإفريقية واللجنة الاقتصادية لإفريقيا، وغيرها من المنظمات الجهوية، لكنني ألتمس العذر في عدم الحديث عنها رغم طول المدة فيها:  خمسة عشر عاما، حيث لا يسعنا الوقت.

**

خاتمة

حبى الله موريتانيا بميزات إيجابية، تؤهلها للدور الذي تلعبه في الإقليم وبين الأمم، فتركيبتها السكانية تجعلها نموذجا مصغرا لإفريقيا، تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وبعلاقات تاريخية: ثقافية واجتماعية مع محيطها الجنوبي والشمالي وصيتٍ حسن في المشرق العربي؛ أرضُها تختزن ثروات طبيعة مرغوبة، وتنتشر فيها ثروة حيوانية مهمة، وعلى شواطئ نهرها وفي كل ولاياتها مسطحاتٌ زراعية، قابلة للتمدد، ترتبط بعلاقات دبلوماسية وتجارية وثقافية مع أهم دول العالم ومجموعاته المختلفة، مما أوجد مصالح حيوية تُشكل صيانتُها وتنميتُها أولوية رئيسية. 

   وقد أبلت سياستنا الخارجية الوليدة بلاء حسنا، في استغلال هذه الميزات، رغم شح الكوادر والموارد، لكن الحاجة كانت ماسة منذ نهاية القرن الماضي إلى تطوير السياسة الخارجية حتى تلائم المرحلة، فتوسِّع دائرةَ التحرك ليغطي المجالات الحيوية في العلاقات الدولية: الثقافة، والتعليم، والتكوين، والصناعة والتجارة، وتكونَ السفاراتُ المحرك الرئيسي لهذا القطار، بعد أن تغيرت جذريا مهمتها، إذ لم تعد الواسطة الحتمية للعلاقات بين الرؤساء والوزراء، المرتبطين اليوم بينهم عبر وسائل الاتصال الحديث؛ وإنما جهازا، القائمون عليه خبراء في جلب المنافع، بتسويق ثقافتنا وإمكاناتنا الاقتصادية، ومشاريع الحكومة في جذب الاستثمار وتشجيعه.

**

أخيرا، أنقل إلى السيدات السفيرات والسادة السفراء، حكاية سمعتها في ليبيا، وهي أن العقيد القذافي اجتمع مع عدد من الوزراء الجدد، كان بعضهم سفراء، فسألهم أي المنصبين أفضل، فأجابوا: الوزارة، إلا احدهم: عبد المجيد الزنتاني، الذي قال: هل تريد الصراحة الأخ القايد؟ فقال نعم.

   فقال الزنتاني: لا وجه للمقارنة، فالسفير أمة وحده، لا يخضع للرقابة اليومية، يمثل رئيس الدولة، وسيارتُه فارهة، يرفرف عليها علم، يركب في المقاعد الخلفية، ويَفتح له السائقُ الباب، ولا يُدعى إلا بصاحب السعادة.

   أما الوزير، فهو تحت الرقابة الدائمة، لا يعرف متى يُستدعى إلى القصر، وهل لتسريحه؟ وسيارتُه من نوع الحمامة (ابّيجو) كغيره من موظفي الدولة، ويجلس جنب السائق، ويخاطبه الناس بالأخ.

**

قبل الفراق، أدعو الله العلي القدير أن يرحمنا ويرحم والدينا وكلّ من ذكرناهم في هذه الورقات من المسلمين، وأن يوفقنا جميعا إلى ما فيه خير شعبنا وبلدنا.

[1] جرى هذا الحديث بمنزل السفير المصري بتونس محمود التهامي سنة 1970، حيث دعاني للعشاء مع السفير في تونس سيدي بونا بن سيدي، أما الضيف الآخر فهو صاحب الحكاية الذي كان في القاعد، وكان التهامي أول سفير لبلاده في نواكشوط حيث ارتبطنا بصداقة.

[2] جرى هذا الحديث بمنزل السفير المصري بتونس محمود التهامي سنة 1970، حيث دعاني للعشاء مع السفير في تونس سيدي بونا بن سيدي، وكان التهامي أول سفير لبلاده في نواكشوط حيث ارتبطنا بصداقة، أما الضيف الآخر فهو صاحب الحكاية الذي كان في القاعد.

تعرف على آخر مستجدات جائحة كورونا ببلادنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق