تحقيقات

تحقيق خاص: قصص وروايات تنشر لأول مرة..حول الحادث الأعنف من نوعه في موريتانيا

“صحراء ميديا” تلتقي ضحايا “زلزال الغاز” في نواكشوط

نواكشوط ـ الربيع ولد ادوم

بعد أن خمدت نيران “زلزال الغاز” وهدأت الانفجارات وانسحب رجال الحماية المدنية وعناصر الشرطة الذين طوقوا المكان لساعات.. بدأت قصص حزن مريرة، يغذيها “الاهمال” ضمن مرحلة جديدة من حياة الضحايا، فقد كان الفصل الأول من الكارثة مليئا بالاتهامات الموجهة للسلطات بالتقصير في الحفاظ على سلامة الناس، ولملاك مصنع الغاز بتموقعه في حي سكني دون أخذ الاحتياطات اللازمة.

يتحدث المتضررون عن الفصل الثاني من الاهمال، فقد تناست السلطات وملاك مخزن الغاز حياة عشرات الجرحى، وكذلك من قضوا تحت ركام المباني، دون أدنى تعويض ولا تعزية ولا حتى مواساة.

أدى الإنفجار إلى انهيار المبنى الذي يوجد فيه المستودع بالكامل، كما أدى إلى خسائر مادية كبيرة. . وأصاب الانفجار بعنف وكالة بيع سيارات وألحق أضرار بكافة السيارات الموجودة، فيما تطايرت الشظايا وحطام البيوت في لحظة عنف حكا الذين عايشوها عن قرب أنها أقرب إلى زلزال مدمر يقضي على الحياة بسرعة وقوة.

وفي هذا التحقيق نرصد قصص أشخاص دفعوا دماءهم وصحتهم وأموالهم في لحظة إهمال وتقصير.. وعاشوا لأيام على عبارات من قبيل : “ما حدث كان قضاء وقدرا” و”ليس هنالك من يدفع ثمن الحادث..”

“كان الكثير من الناس يصرخون بقوة، وكانت الانفجارات تدوي بشكل عنيف، وعندما تأكد لي أن الانقاض قضت على حياة أحد الأصدقاء، كنت أقاوم الألم وأحاول بصعوبة أن لا أفقد الوعي رغم أن اجزاء كاملة من جسمي تعطلت عن العمل بشكل نهائي، وكانت الدماء تنزف من ذراعي بقوة وبالكاد ارى الاشياء بوضوح” هذا ما يتذكره عبد الله وهو أحد ضحايا انفجار مخزن لتفريغ وتخزين الغاز الصناعي في 31 من يناير الماضي في مقاطعة”لكصر” بالعاصمة نواكشوط حيث قتل عشرة وجرح عشرات الأشخاص.

في بيت قيد البناء في احد أحياء تفرغ زينة تقف السالكة بنت تزكاي، سيدة في عقدها الرابع تبدو حزينة وحائرة ومحطمة من الداخل، توحي لها تلك البناية التي يشيدها أحد أثرياء تفرغ زينة بإعادة بناء نفسها من الداخل، لقد فقدت ابنتها في “زلزال الغاز” طفلتها الوحيدة التي كانت تسليها في هذا المكان شبه المهجور.. عندما تتذكر الموضوع تنزل الدموع على خدها وتتمتم : “لقد كان حادثا فظيعا”.. “والأكثر سوءا أنه لا أحد يسألك، ولا أحد يعترف بالخطأ.. لا أحد يتحمل المسؤولية، ليس بسيطا أن تفقد طفلة في سنتها الرابعة، لأن آخرين يبحثون عن الربح وزيادة ثروتهم، ويزرعون المواد الخطرة في مناطق مأهولة، كان يفترض أن يفتح تحقيق رسمي في الموضوع، وأن يتحمل كل شخص مسؤوليته،” وتضيف :”..النساء لا ينجبن أطفالهم لتحصدهم الموت في لحظة إهمال”.

عثر على الطفلة عائشة بنت محمدو ذات السنوات الـ4، بعد يومين من حادث الانفجار، تحت أنقاض البناية التي كانت مسدودعا للغاز، دفنتها قوة الانفجار العنيف، وظل البحث جاريا عنها لمدة يومين، وقلب أمها يحترق بحثا عن صغيرة خرجت بها من سنين “الفرح والأمل” كما تقول، وكانت تملأ حياتها مع زوجها محمد موسى الذي يعمل حمالا للأمتعة.

عائشة هي أصغر ضحايا الحادث، لكن عائلتها الفقيرة لم تتلق تعزية من السلطات الحكومية كما لم تتلق أي تعويضات بعد وفاتها، ولم يتم الحديث معها من طرف أي شخص يتحمل مسؤولية الحادث.

رحلت عائشة فقط لتترك حزنا وفراغا وعائلة صغيرة محطمة ترفع أيديهعا إلى الله ( اللهم انك تعلم ما لا نعلم وتقدر ما لا نقدر.. فخذ لنا بحق صغيرتنا يا أرحم الراحمين”.. تقول والدة الطفلة: “اننا حتى لا نملك لها صورة، قدرها أن تفارقنا إلى الأبد، من الصعب على سيدة في الأربعين أن تفقد طفلتها الوحيدة”.

بحسب تقديرات غير رسمية فإن عائشة هي من بين 13 شخصا قضوا نحبهم في الحادث وتحولت جثث بعضهم إلى أشلاء بحسب تقديرات الشهود العيان الذين هرعوا لانتشال الجرحى والجثث.

يؤكد المفتش “صال” المدير الجهوي للحماية المدنية في نواكشوط أن 7 قتلى تم التعرف عليهم فعلا وإحصاؤهم إما لكونهم يحملون أوراقا شخصية، أو لأن عائلاتهم تعرفت عليهم، لكنه لا ينفي وجود جثث تحولت إلى أشلاء وقطع متناثرة، بالاضافة إلى أعداد من الجرحى وعشرات السيارات من موديلات وماركات مختلفة.

ويقول المفتش إن قنينات الغاز التي انفجرت هي من النوع الأكثر خطورة، تستعمل لأغراض صناعية وليست استهلاكية وهو يحوي مواد الاكسجين –لاروت-كاربير – مونياك – بالاضافة الى غاز البوتان، وبالتالي يلزم عدم زرع مستودعاته في المناطق المأهولة بالسكان من جهة والقيام بكل الاحتياطات الامنية اصثناء الشحن او التفرغ وكذلك وضع الاستعلامات اللازمة التي تبرز خطره.

ولا توجد لجنة لمتابعة الأمور القانونية المتعلقة بالتعويضات والدية المستحقة لكل الذين قضوا في الانفجار، ويصعب الاتصال بغالبيتهم نظرا لعدم التعرف على بعض الجثث التي تم انتشالها من تحت الأنقاض، لذلك لا يبدو أي اثر لعشرات الأسر التي فقدت شخصا في الحادث.. بينما يخيم الحزن في بيوت عديدة بعيدا عن أعين الصحافة والمسؤولين.

عبد الله ولد محمد هو أحد من قضوا في ذلك الحادث، و لم يكد الرجل يكمل شهره الاول من ربيعه الـثامن والأربعين حتى كان الحطام المتطاير بفعل الحطام يختطف منه حياته، وتحطمت سياراتان يملكهما في نفس الحادث حيث كان موجودا في وكالة بيع السيارات المحاذية لمستودع الغاز، وعندما التقينا بأحد أخوته وهو يعقوب ولد بلال (45 عاما) بدا مستاء من التجاهل الذي عانته قضية ضحايا “زلزال الغاز” بصفة عامة، وقال إن أهل الضحية لن يتجاهلوا حادث وفاته وسيطالبون بحقوقه وسيحملون المسؤولية لمن تلزمه شرعا وقانونا.

وفي مقاطعة تيارت بالعاصمة نواكشوط قادنا التحقيق إلى بيت رجل آخر من الضحايا، هو عبد الله ولد محمدو ولد عبد القادر كان لحظة الانفجار يزور صديقة مدير وكالة بيع السيارة الواقعة بمحاذاة مخزن الغاز، حيث كان الأقرب إلى الحادث من بين الناجين وعندما حدث الانفجار سقط تماما على الأرض لكنه قاوم بشدة حتى لا يغمى عليه وسط السيارات وركام المباني الذي انتشر في كل مكان، فحاول الخروج رغم الآلام الموجعة التي كان يعاني منها، حيث تلقى المساعدة من قبل بعض المنقذين الذين سحبوه من آخر مكتب ظل سالما في الوكالة التي تحطمت عن آخرها.

وفي المستشفى كشفت الفحوصات أن ولد عبد القادر(42 عاما) تعرض لكسرين في الحوض وكذلك كسور بالساعد الأيسر ورضوض وجروح أخرى في مناطق متفرقة من جسمه، بعجز صحي يصل إلى ثلاثة أشهر يقضيها في الفراش وهو يتلقى مساعدات طبية، وفي غرفة نومه عندما زرناه، كان الرجل يواجه صعوبة في احتضان ابنه القادم من المدرسة كما تعود قبل الحادثن إذ يحتضنه ويرفعه عن الأرض، لكنه اليوم بالكاد يستطيع أن يضمه بيده اليمنى وهو راقد في السرير.

يقول عبد الله: “أولا أرفع التعازي القلبية إلى كل من قضوا في حادث الانفجار وأتمنى لكل الجرحى شفاء عاجلا”، ويضيف: “..نحن مؤمنون ونعرف أن هذا الحادث هو قدر محتوم، وأن من كتبت له خطوة خطاها، كما نعلم تماما أنه لا أحد ممن يملكون مستودع الغاز كان يستهداف الناس أو قتلهم في انفجار مروع مثل الذي حصل. هذا مفروغ منه ومن المسلمات، ولكن الأكيد أن هنالك تقصير وإهمال تسبب في كارثة راح ضحيتها العديد من الناس، وهنالك تقصير حقيقي تسبب في تعريض الناس للخطر، ويجب ان يكون هنالك من يتحمل المسؤولية”.

وفي مثل هذه الكوارث يلزم فتح تحقيق حول الحادثة وتحميل المسؤولية لمن يتحملها، وقد سمعت انه تم مسح مسرح الحادثة ونقل كل آثار الانفجار وهذا طبعا ما كان يجب أن يتم ألا بعد استكمال التحقيق حول الحادثة وملابساتها”.

ويقول ولد عبد القادر :”أما الصورة الأولى التي شكلتها حول الموضوع وانا في سريري فهي كالتالي: هنالك أشياء لم تحترم، و خطوات غير طبيعية تم اتخاذها لتغطية الموضوع ربما، وسؤاليلى عمدة لكصر: هل كنت تعلم بخطورة ما يتم في مستودع الغاز؟ وهل أعطيت ترخيصا لانشاء مخزن كهذا في مكان كالذي تم فيه الانفجار؟”.

ويضيف :”ثم ان العرف في مثل هذه القضايا معروف، فمن أضعف الايمان أن يتصل ملاك المخزن بالناس، يصلون أرحامهم يزورن مرضاهم يعزون قتلاهم، وقد تعامل ملاك هذا المستودع خارج إطار القانون والدين والأعراف.. وهو امر غريب حقا”ز

ويوجه الرجل كلمة إلى الرئي قائلا: “لدي كلمة إلى رئيس الجمهورية بوصفي أحد المواطنين الذين هو وحده المسؤول عنهم: انني مصدوم حقا من ما حصل ومن تعامل السلطات معه.. وأشير هنا إلى نقطة مهمة: عندما حصلت كارثة انهيار مسجد في المغرب، قدم الرئيس تعزية للسلطات المغربية، وهذا أمر جيد وإنساني ومن واجبات الجوار والأخوة، لكننا أولى بالتعزية ، نحن مواطنون منكوبون في بلدنا وضحايا مأساة لا أحد يتحمل مسؤوليتها، ألسنا أولى بتعازي الدولة وتحملها لنفقات علاجنا؟ ….لقد كان أملنا أن تتعامل معنا السلطات بمستوى إنساني لائق.

و ختم عبد الله كلامه بالقول:” لدينا ثقة كبيرة في القضاء، وسنتابع موضوعنا في الوقت المناسب، حتى ينال كل ذي حق حقه مهما طالت الايام، لكن كان من الواجب وجود ودي لتقاسم المصيبة بين الناس فتلك هي أخلاق المسلمين والطيبين”.

في مكان آخر من نواكشوط كانت هنالك قصة لأحد جرحى الحادث محمد ولد سيدي ولد الهيبة (42 عاما) أصيب بجروح في الأذن ورضوض في اليد اليسرى، كان هو الآخر قد اصيب في الحادث ونقل إلى المستشفى من قبل مجهولين سرقوا بعض مقتنياته وسلموه لقسم الحالات المستعجلة حيث قضى يومين قبل أن يفيق، ويبدأ في استرجاع الأحداث، فقد محمد سيارته (غولف) ولديه عجز مرضي يصل الى 20 يوما، لكنه بدأ ينزل يوميا الى المدينة لممارسة عمله في شراء وبيع السيارات ولا يزال محبطا من تداعيات الحادث وتجاهل السلطات الرسمية وملاك المستودع لقصته الحزينة وقصص الآخرين.

أما يعقوب ولد صمب فال وهو الشخص الذي رافق قصة الانفجار منذ البداية، وحتى اليوم فيبدو أكثر المتضررين استياء..فقد حطم الانفجار وكالته بالكامل.

وعندما زرنا الرجل في حطام وكالة السيارات التي كان يملكها، لم يكن هنالك مكان ملائم للجلوس، فقد تهدمت مكاتب الوكالة وبقي فقط “بيت الشاي، الذي فقد سقفه رغم أنه احتفظ بمقاعد للجلوس.

يعقوب كان رجل الانقاذ في يوم الحادث المروع، أنقذ عدة أشخاص رغم إصابته بجروح خفيفة إثر حادث الانفجار، وبوصفه مالك الوكالة كان الشخص الأكثر حضورا، وكان يتحمل المصيبة بثبات وهو يرى أكثر من عشرين سيارات من مختلف المديلات تتحطم بفعل الانفجار المدوي، وقضى شخص من أصدقائه في الانفجار، وقضى أيضا في نفس اليوم “رباح ولد بلال” العامل في غسيل السيارات لدى وكالة، ويقدر اجمال خسائر الوكالة التي يديرها يعقوب بـ75 مليون اوقية.

يتابع مالك الوكالة الأكثر تضررا قضيته اليوم امام محاكم نواكشوط بعد أن دفعت محكمة لكصر بعدم الاختصاص في موضوعه.. يقول الرجل: “يتنامى عندنا شعور بعدم اهتمام الدولة بالمواطنين: كيف لحادث مدوي كهذا أن يمر ببساطة..؟”.

ويضيف:”أرواح الناس، وأموالهم، وأعراضهم التي انتهكت بفعل التجاهل، كل هذا غير مهم بنظر الضحايا، في أي موضوع ستتحرك الدولة اذا لم تتحرك في مثل هذه الحالات ك عشرات الجرحى والقتلى والخسائر المادية، كل هذا بلا حقوق ولا يستحق من الدولة الوقوف موقف الحكم العادل؟!!”.

ويختم يعقوب ولد صمب فال بالقول: “الناس يلزم ان يحصلوا على حقوقهم، ويجب ان يكون هنالك من يتحمل المسؤولية، وبالنسبة لي شخصيا سأتابع هذا الموضوع بالطرق القانونية، ولكن من المهم لفت الانتباه إلى ان ضياع الحقوق لن يكون في صالح أحد فالناس لهم الحق الكامل في نيل حقوقهم واسترجاعها بأي ثمن”.

أما هارون ولد عبد الفتاح الذي يعمل في مجال تجارة السيارات فقد يكون من أكثر ضحايا الانفجار حظا، فقد غادر قبل وكالة السيارات القريبة من مخزن الغاز بـ30 دقيقة قبل الحادث لمتابعة ظروف دراسة ابنته في إحدى المدارس غير الحكومية وسط العاصمة ليحدث الانفجار في غيابه، وعندما عاد كانت الجثث في كل مكان وكان الحزن يخيم، وتحطمت سيارته من نوع ( تويوتا ـ آفنسيس) ويتابع اليوم موضوع خسائره الشخصية مع عشرات المتضررين الذين لم يمسكوا بعد رأس الخيط ولا يعرفون من المسؤول بالتحديد.. لكنهم يعرفون أن مأساة تتضرر فيها الأنفس والمال تلزمها عدالة تعطي لكل ذي حق حقه.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة