تحقيقات

“تفريت” من قبلة للمصطافين إلى مكب لنفايات نواكشوط

يجلس “محمد سعيد” في بهو منزله المطِلّ على طريق الأمل، إلى جانبه مجموعة من رجال قرية “تفريت”؛ انتدبهم الأهالي للتفاوض مع مجموعة نواكشوط الحضرية، لإيقاف تفريغ نفايات مدينة نواكشوط بالقرب من قريتهم الصغيرة.

يتذكر “محمد سعيد” أياما خلت، كانت فيها قريته الوادعة محجا لبعض كبار زوار البلد من أمثال العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، الذي استضافه الرئيس الموريتاني الأسبق محمد خونه ولد هيدالة، خلال زيارته لموريتانيا عام 1981.

“تفريت” الواقعة على المشارف الشرقية لمدينة نواكشوط، على بعد 25 كلم فقط، اشتهرت خلال العقود الأخيرة بكونها المتنفس الصيفي لسكان نواكشوط، عندما يشتد الحر في العاصمة، حيث يملك أغلب الميسورين والنافذين قطعاً أرضية شيدوا عليها أعرشه وغرفا من طراز معماري يتماشى مع أجواء الصيف والخريف.

يشير أحد شباب القرية بإصبعه ويقول: “هذه كزرة مسعود”، في إشارة إلى رئيس الجمعية الوطنية السابق ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي الحالي؛ ويضيف محولاً وجهه صوب جهة أخرى: “هناك.. تلك البيوت المتناثرة بين الكثبان كانت المكان المفضل لوالديْ الرئيس الموريتاني الحالي، لقضاء العطلة، ومازال حارس العقار يقيم هناك في انتظار عودتهم”.

عودة يبدو أنها لن تكون قريبة بعد التحول الكبير الذي شهدته “تفريت” خلال السنوات الأخيرة، منذ أن صدر في 15 من يناير 2004، مقرر حكومي يقضي بمنح قطعة أرضية بمساحة 204 هكتارات، لصالح مجموعة نواكشوط الحضرية، مخصصة لدفن النفايات الصلبة، قرار سيقلب الأمور على عقبها في القرية التي كان يصفها بعض زوارها بأنها “رئة نواكشوط”.
 
لماذا “تفريت” ؟

بعبارات تشوبها مرارة دفينة، يحاول إمام مسجد القرية محمد سعيد ولد سيدي إبراهيم، أن يسرد قصة اختيار قريته لتكون مكباً للنفايات،  وتبدأ مرحلة من التلوث التي دفعت بعض السكان إلى الهجرة، فيما يفكر يومياً أغلب السكان في الرحيل، يقول الإمام.

ولد سيدي إبراهيم قال في حديثه مع صحراء ميديا: “بحسب ما بلغنا من معلومات شبه مؤكدة، فقد تم اختيار أربعة أماكن تصلح لتفريغ ومعالجة نفايات نواكشوط، أولها الطويله شمالي نواكشوط، ومنطقة تقع شرق سجن دار النعيم، بالإضافة إلى “تفريت” ونقطة على طريق نواذيبو باتجاه شاطئ المحيط الأطلسي”.

ويضيف إمام القرية أن السلطات آنذاك لجأت إلى خبير ألماني نصحها بأن “تفريت” هي المكان الأنسب لبعدها عن المحيط، ولشدة عمق المياه الجوفية؛ بالإضافة إلى كونها خارج مجال العاصمة الحضري؛ وبناء على هذه النصيحة تم اختيار القرية لتصبح مكباً لنفايات نواكشوط.
 
مصنع البلاستيك

خلال أحد أيام عام 2004 استيقظ سكان قرية “تفريت” على هدير محركات شاحنات محملة بمواد البناء وآليات أشغال تتحرك بالقرب من القرية، وحين استفسروا قال لهم المقاول المشرف في مكان العمل إن الدولة بصدد إنشاء مصنع بلاستيك على مشارف القرية، وسيؤمن لشبابها العمل في مسقط رؤوسهم.

لم يدر في خلد سكان “تفريت” أن مصنع البلاستيك ليس سوى معمل خاص لاستقبال مئات الأطنان من النفايات الصلبة، طبعاً سيكون البلاستيك أكثرها بحسب ما يظهر في الصور التي خرجت من المصنع.

يعدل إمام المسجد من جلسته ويواصل حديثه: “في أواخر سنة 2007، أبرمت السلطات الموريتانية عقداً مع شركة فرنسية لتنظيف مدينة نواكشوط، وينص العقد على جمع القمامة ونقلها ومعالجتها قبل دفنها، بنود التزمت بها الشركة الفرنسية طيلة سبع سنوات ماضية.

يتحدث السكان عن حالات مرضية ظهرت في القرية بعد فترة من بداية عمل المصنع، حيث بدأ انبعاث روائح كريهة تلوث هواء القرية مع ساعات الصباح الأولى؛ ما تسبب -بحسب السكان- في ظهور حالات من جفاف الحلق والسعال وأمراض أكدوا أنها لم تكن موجودة قبل انطلاق العمل في مصنع البلاستيك.
 
نقص الوسائل

يجلسُ عبد اللطيف ولد محمد عبد الرحمن، مديرُ الدراسات والتنمية المستدامة في المجموعة الحضرية لمدينة نواكشوط، خلف مكتبه بالمقر المركزي للمجموعة، يفردُ أمامه خريطة تظهر مواقع فرق عمال النظافة في مقاطعة “تفرغ زينه”؛ المقاطعة الأهم في العاصمة حيث مقار الوزارات وبعثات السلك الدبلوماسي والفنادق.

بعد دردشة سريعة حول أزمة قرية “تفريت”، يبحث عبد اللطيف في أرشيفه لدقائق قبل أن يُخرج وثائقَ من بينها المقرر المتضمن لمنح قطعة أرضية بنواكشوط؛ حيث تشير المادة الأولى منه إلى أن وزارة الداخلية والبريد والمواصلات تمنح قطعة أرضية بمساحة 204 هكتارات، لصالح مجموعة نواكشوط الحضرية، وتوضح المادة الثالثة من المقرر أن القطعة “مخصصة لإنشاء مركز لدفن النفايات الصلبة”، وهو ما قال عبد اللطيف إنه “يثبت أن قصة التحايل على سكان “تفريت”، ومصنع البلاستيك لا أساس لها من الصحة”، على حد تعبيره.

بلغة مركزة وجادة يقول عبد اللطيف ولد محمد عبد الرحمن، متحدثاً لصحراء ميديا: “يجب أن نفهم أمراً مهما وهو أن مسألة نظافة نواكشوط مسألة وطنية؛ وأن الدولة قامت بدراسات من أجل تحديد المكان الأمثل لقيام هذا المشروع”.

ويضيف ولد محمد عبد الرحمن: “بودي أن أوضح للرأي العام أن الشركة الفرنسية كانت تملك الوسائل للقيام بعملها، بينما نحن الآن نقوم بنفس العمل من دون أن نملك الخبرة ولا الوسائل للقيام بهذا العمل، إلا أننا لا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي ومدينتنا تغزوها الأوساخ”.

لم يأت كلام المسؤول في المجموعة الحضرية من فراغ؛ فالطريقة التي تنقل بها النفايات على متن شاحنات المجموعة تعاني من ضعف كبير في الحرفية، بسبب قلة الخبرة والجاهزية لدى العمال.

كما غاب الالتزام بالخطوات الفنية التي كانت تتبعها الشركة الفرنسية في معالجة النفايات من حفر الأرض لعمق يصل إلى 7 أمتار، ثم دفن النفايات إلى مستوى 3 أمتار، و ردم الحفرة بالتراب ورش الماء عليها؛ كل ذلك لم تلتزم به المجموعة الحضرية، وذلك ما يرجعه عبد اللطيف إلى نقص الخبرة والتكوين والأدوات لدى العاملين في المجال.

وأضاف في حديثه مع صحراء ميديا: “أنا متفائل بخصوص التغلب على المشكلة، عندما يتسلم العمال الأدوات المطلوبة التي كانت بحوزة الشركة الفرنسية؛ وقد اقتنينا ميزانا صناعياً يزن الشاحنات وهي تحمل الأوساخ، حيث يفرض على كل شاحنة أن تحمل 20 طناً لتفريغها عند المكب”.
 
أرقام مفزعة

20 طناً تفرغها كل شاحنة قادمة من نواكشوط، كم هائل من النفايات غيّر معالم “تفريت”؛ فأصبح بإمكان زوار القرية أن يشاهدوا بالعين المجردة ومن مسافة 500 متر فقط، جبالا من النفايات تكونت خلال الأعوام السبعة الماضية، بالإضافة إلى مساحات كبيرة مغطاة بقناني الأدوية منتهية الصلاحية، وعلب المشروبات التي تتناثر على جانبي الطريق المؤدي إلى مصنع التفريغ.

بحسب إحصائيات المجموعة الحضرية لمدينة نواكشوط، فإن العاصمة أنتجت 800 طن من النفايات الصلبة، خلال ثلاثة أشهر فقط؛ وقد استخدمت 90 شاحنة لنقل هذه النفايات، حيث تحمل الشاحنة الواحدة 20 طناً فى الرحلة الواحدة؛ وتوزع أزيد من 30 عربة تفريغ لمواجهة إنتاج النفايات المتزايد، وتوظف المجموعة مئات العمال غير الدائمين موزعين على المقاطعات التسع للعاصمة.

أرقام مخيفة تشير إلى أن الفرد الواحد في نواكشوط أنتج 1 كلغ من النفايات الصلبة خلال هذه الفترة؛ فيما ينظر سكان تفريت من زاوية أخرى لهذه الأرقام، حيث يؤكدون أنهم فقدوا ثمانية أشخاص، بسبب أمراض مرتبطة بالتلوث الناتج عن نفايات مدينة نواكشوط.

ورغم التلوث وتشوه المشهد في قرية “تفريت”، كان الوقت مساءً وصبية القرية يلعبون في أزقة ضيقة ضيق أفق ذويهم، وأملهم في أن تشرق شمس الصباح فلا تهب عليهم روائح مزعجة تحملها رياح الجنوب، وأن تعود قريتهم مزارا للباحثين عن نسمة صافية وهواء عليل بعيدا عن مصنع جلب لهم الهم وحول قريتهم إلى مكب نفايات كبير.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة