أخبار

جلسات اللقاء التشاوري.. نظرة من الداخل

دخل “اللقاء التشاوري التمهيدي الموسع للحوار الوطني الشامل” في يومه الرابع من النقاشات المستمرة والمتنوعة، صعدت المطالب الاجتماعية والحقوقية على حساب الصوت السياسي الذي تصدر الجلسة الافتتاحية بحضور ستة وزراء وجمع غفير من الأحزاب السياسية.
 
بدا واضحاً من الجلسات وطريقة إدارتها أن دفة اللقاء يتحكم فيها سياسيون من الأغلبية الحاكمة مع وجود معتبر لشخصيات سياسية انسحبت من صفوف المعارضة، ومن الجلي أن هذه الشخصيات تحظى بتقدير كبير في الجلسات وتلفت الانتباه في تحركاتها داخل قصر المؤتمرات، إنهم نجوم الحوار بلا منازع.
 
تجد النائب البرلمانية أماه منت سمته صعوبة كبيرة في التنقل بين غرف قصر المؤتمرات، لأن الجميع يريد الحديث معها وتهنئتها على المشاركة في الحوار، والخروج من صف مقاطعيه، فتسمع الكثير من الأوصاف الوطنية.
 
من جانبها لا تضيع منت سمته الفرصة لتقديم تبريرات لخروجها من إجماع تكتل القوى الديمقراطية المعارض، فتتحدث عن “تغليب المصلحة العليا للوطن والمواطن”، والرغبة في البحث عن مخرج “يجنب بلادنا مخاطر الانزلاق والتفكك والانهيار”.
 
غير أن منت سمته وبقية الشخصيات المعارضة التي شاركت في الحوار، ظلت طيلة الجلسات تؤكد على تمسكها بمواقفها المعارضة للنظام، وهنا تقول: “قررت الحضور والمشاركة مع بقية الموريتانيين في فعاليات اللقاء التشاوري الدائر حاليا، مع احتفاظي بمواقفي المعارضة لسياسات النظام وأدائه”.
 
السياسة تقود ولا تهيمن
مع سيطرة السياسيين على إدارة الجلسات، يبقى حضور المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان طاغياً في المداخلات، فحضرت بذلك ملفات الحقوقيين المعتقلين والعبودية والإرث الإنساني وعمالة الأطفال والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة.
 
من جهة أخرى حاولت بعض الأحزاب “الموسمية” الصغيرة أن تقتنص اللحظة وتجد لنفسها موطئ قدم في الفراغ الذي خلفه غياب أحزاب كبيرة فضلت مقاطعة اللقاء، تزاحمت هذه الأحزاب وكأنها تخوض صراع وجود داخل قاعة صغيرة.
 
جلبت هذه الأحزاب ما أمكنها من مواطنين، وعبأتهم لإلقاء كلمات مقتضبة عن “الحوار وضرورة استمراره”، وعن أهمية مشاركتها فيه لأنها “تأسست على مبدأ الحوار”، فيما ذهب بعضها الآخر إلى توجيه اتهامات مباشرة لمنتدى المعارضة بمحاولة اختلاق أزمة سياسية عبر رفض الحوار.
 
أصوات سياسية قليلة أكدت أن حواراً في غياب المعارضة الحقيقية سيظل ناقصاً، قد يخرج بقرارات مهمة تنعكس على مستقبل البلاد، ولكنه لن يحل المشكلة لأنه يقصي جزء من الشعب الموريتاني ومشهده السياسي، غير أن هذا الصوت ظل خجولاً وغير قادر على المزاحمة في الفوضى العارمة.
 
ليس حواراً
حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم يحاول عبر خبرته التنظيمية أن يحدد معالم الفوضى العارمة داخل القاعات، ويبذل جهداً كبيراً لجعل المشاركين يفهمون المغزى الحقيقي لهذا اللقاء، وفي كل مرة تجد أحد كوادره يقول: “هذا ليس حواراً وليست مهمتنا إصدار القرارات، نحن هنا لنحدد معالم الحوار المقبل وموعده”.
 
يتولى نائب رئيس الحزب اجيه ولد سيداتي إدارة ورشة تحديد مواضيع الحوار، ومن موقعه في صدر المجلس عليه أن يستمع لشتات أفكار متباينة ومتناقضة، حتى إن بعضها لا يمت للواقع بصلة، وعليه في كل مرة أن يذكر هذا أو ذاك بأن الوقت قد انتهى دون أن يتدخل في غزل أو نقض حبل أفكاره، لأن تهم الإقصاء جاهزة.
 
في الورشة الأخرى يجلس السفير السابق بلال ولد ورزك في صدر المجلس، وهو المنسحب من حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض، ليترأس فعاليات ورشة يقع على عاتقها تحديد موعد الحوار المرتقب، ويتولى محمد الأمين ولد الداده مهمة مقرر الجلسة.
 
تتنوع الآراء بخصوص موعد الحوار، على الرغم من مطالب خجولة من طرف البعض بضرورة تأجيله ما أمكن لإفساح المجال أمام مشاركة المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة المعارض، فيما تؤكد أغلبية المداخلات على أن الحوار يجب أن يستمر وأن لا يتوقف لأن المنتدى لا يرغب فيه.
 
الحوار الصعب
اللافت في جلسات اللقاء التشاوري هو الحضور الشعبي الكبير، وهو ما فاجأ الكثير من المراقبين ممن كانوا يتوقعون أن يتراجع شيئاً فشيئاً بعد الجلسة الافتتاحية، فظلت القاعات ممتلئة وأروقة قصر المؤتمرات ملجأ لمن ضاقت عنهم هذه القاعات.
 
كما شهدت الجلسات حالة من التزاحم على منصة الخطابة، فالجميع يريد أن يدلي بدلوه وأن يعطي وجهة نظره في المواضيع التي يجب أن تناقش على طاولة حوار ما تزال معالمه غير واضحة، بينما يعتقد بعض المشاركين في اللقاء أن لديهم الحل السحري لما تمر به البلاد.
 
عدد كبير من المشاركين في جلسات اللقاء التشاوري لديهم قناعة تامة بأن ما يتم التحضير له سيدخل تغييرات جوهرية على المشهد السياسي في البلاد، غير أنهم قدموا إلى الحوار من دون رؤية إستراتيجية واضحة.
 
المداخلات المتشعبة والمتناقضة زادت من صعوبة مقرري الجلسات الذين يتولون مهمة إعداد تقارير سترفع إلى لجنة الحوار التي بدورها ستقوم بفرز توصيات ترفع إلى لجنة مصغرة تضم في صفوفها الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية.
 
مخرجات اللقاء من المنتظر أن تحدد معالم الحوار المرتقب، وهو حوار تعهدت السلطات الموريتانية على لسان الوزير الأول بتطبيق جميع النتائج التي سيسفر عنها.
 
ذلك هو المسار الذي انخرطت فيه الحكومة الموريتانية، بعد أن وصلت إلى طريق مسدود مع منتدى المعارضة الذي يسلك هو الآخر مساراً موازياً للترويج لأفكاره ولتأكيد أن ما يجري لن يكون حواراً في ظل غيابه، ويصفه بأنه “مونولوج” داخل النظام.
 
وحدها المعاهدة من أجل التناوب السلمي كانت تقف في النصف بين الطرفين، رشحت نفسها لتلعب دور الوسيط المسهل للحوار، غير أنها فيما يبدو اصطدمت بصخرة نظام لا يرى في المعارضة شريكاً جديراً بالحوار، ومعارضة تسعى فقط لحوار يطيح بالنظام الحالي، وذلك بالنسبة للكثيرين حوار محكوم عليه بالفشل.
 
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة