الرأي

حتى لانقول: مات الفساد… عاش الفساد!!! / محمد فال ولد بلال

حتى لانقول: مات الفساد... عاش الفساد!!! / محمد فال ولد بلال

 منذ أن بدأ الحديث عن تجديد الطبقة السياسية وبدأت الظروف الداخلية والدولية تدفع بآلاف الناس إلى الاهتمام بالسياسة للمرة الأولى في حياتهم، كان من الطبيعي أن يتزايد الطلب على دخول عالم السياسة ويتضاعف عدد السياسيين “الجدد” على نحو كبير.

فقد بدأت عشرات المبادرات والجمعيات تتشكل، وانضم عشرات الآلاف إلى صفوف المتظاهرين والناشطين في المعارضة والموالاة، وهذا شيء جيد ومهم لأن السياسة نشاط عام، للجميع فيه نصيب معلوم، لكن الأهم أن يأتي الدخول إلى عالم السياسة وممارستها بطريقة تخدم الإصلاح حتى لاتتكرر أخطاء الماضي، فنجد أنفسنا بعد سنوات أمام نظم “جديدة” تعيد إنتاج نفس أخطاء النظم “القديمة”.

وفي هذا المعنى، أتفق تماما مع الكاتب المصري د. ابراهيم عرفات وأستشهد بكلامه. أبواب المشاركة في السياسة وأدوارها متعددة. منها ما هو “فاسد” ومنها ما هو أقرب إلى الإصلاح. ومن يدخل في عالم السياسة اليوم عليه أن ينتبه جيدا لهذا الأمر، وأن يأتي بشيء جديد يحمل بشائر التغيير والإصلاح. وإلا فإننا سنظل نراوح مكاننا إن لم نتراجع إلى الوراء. أنا لن أدعي هنا معرفة الإصلاح… ولن أدعي أهلية النصح والإلمام بشروط ومناهج التغيير… ولكني أدعي معرفة الفساد من طول ممارستي للسياسة وخبرتي الواسعة بالأنظمة “القديمة”.

ولذا قررت أن أضع هذه السطور بين يدي رواد ساحتنا السياسية “الجدد” بسبب ملاحظتي جهلهم لموضوع الفساد، عسى  أن يعرفوه أكثر ويتبيّنوا الطريق الحق لمحاربته. أدري – من باب الإنصاف – أنهم ولدوا مع الإصلاح، وأنهم عُمُرَهم لم يمارسوا الفساد… لكن جهلهم بالفساد قد يحجب عنهم رؤيته، أو يجعله يتخفى عنهم، أو بالأحرى يقعون فيه دون قصد منهم… وبالتالي، أردت التذكير (إن نفعت الذكرى) ببعض الممارسات “القديمة” التي أفسدت البلد بأهله وثروته ورؤسائه، عسى أن يساعد ذلك على رسم ملامح طريق مختلف. وقد قال الأقدمون: “بضدّها تُعرف الأشياء”. أولا:أخطر أساليب الفساد… ما كان بدعوى الإصلاح علمتني الحياة أن ليس كل من ادعى الإصلاح مصلح.

وقد شاهدت الأنظمة الموريتانية السابقة تدعي بأنها أنظمة “تحرير” و”إنقاذ” و”خلاص” و”ديمقراطية” و”إصلاح”. ومن خارج موريتانيا شاهدت حكاما مستبدين معروفين مثل .. بوكاصا وعيدي أمين دادا وموبوتو يمارسون أبشع أنواع الفساد بدعوى “الإصلاح” و”الأمن” و”الاستقرار”… وحتى فرعون كان يدعي الرشاد ومحاربة الفساد، قال تعالى: {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو يظهر في الأرض الفساد}. وقال كذلك عن نفسه أي فرعون: {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد}… إذن، هو الإصلاح المزعوم… منهج فرعوني قديم، يموت ويحيى، ثم يموت، ثم يبعث حيا. كم من حاكم فاسد رفع شعار الإصلاح للتأثير على الجماهير وإرضاء نفسياتها وتشوقاتها.

وكم من نظام مستبد جارى الجماهير الشعبية في أحلامها وتطلعاتها، سايرها وزايد عليها ونافقها وطرح من الشعارات والأهداف الحالمة ما جعلها تخرج بالمظاهرات والمسيرات الداعمة وتلهب أكفها بالتصفيق وحناجرها بالهتاف… منطق التاريخ يشير إلى أن الحاكم الفاسد والشعبوي هو أول من يقدم للشارع ما يرضيه وما يوافق هواه وما يهيجه وما يثير شهواته للانتقام من الماضي البعيد والماضي القريب، يخاطبه بما يحب أن يسمع على نحو يثير العواطف.

ومن هنا، علينا جميعا – سابقون ولاحقون – أن نعي مخاطر “إصلاح” قد لايحمل من الإصلاح إلا اسمه، وأن نكون دوما حذرين من فساد جديد مجهز للاستهلاك الآني السريع على طريقة الفاست فود (fast food) ومغلف بشعارات براقة واستقطابية تستحوذ على أذهان الناس وتُصمّ آذانهم عن أي أطروحات أو رأي مشكك أو معارض. ثانيا: السياسة… بمنطق الأخذ والربح والخسارة من مظاهر الفساد المستشري في الحقب الماضية، دخول النخب إلى عالم السياسة وممارستها على طريقة “العوام”، وهي الطريقة الهمجية التي يتدافع فيها الناس ويتحركون كالقطيع بأسلوب الصخب والتهافت والزحام تماما كما يأمرهم الراعي، أو ممارستها بـ”التسلل” وهي طريقة انتهازية يمارسها المتلوّنون الذين يسيرون مع التيار ويحرصون على أن يكونوا مع الكفة الراجحة، أو ممارستها بـ”القفز” وهي طريقة الوصوليين والمتعجلين الذين يحلمون بخرق المراحل وصعود السلم في قفزة واحدة متسلحين بسلاح الولاء الأعمى والمدائح التي لاتنتهي..

هكذا فسدت السياسة في الماضي بسبب الارتزاق ومنطق الأخذ والربح، واكتسبت صورة مشوهة وحقيرة في اذهان الناس. ومن يريد إصلاحها اليوم، عليه أن ينتبه إلى أن أولى واجباته أن يُثْبِتَ للناس أنه دخل الحلبة ليعطي.. لا ليأخذ، وأنه لن يقبل التلوث ولن يطبّل، ولن يزمّر، ولن يرقص على أنغام مفروضة عليه، ولن يمالئ، ولن ينافق.. وذلك لسبب بسيط وهو أن الإصلاح المنشود يستدعي بالضرورة عقليات وممارسات جديدة وأساليب مغايرة تماما لما تعوّد الناس عليه في العهود السابقة. ثالثا: اختيار الرجال… على أساس الزبونية والولاء ومن مظاهر الفساد إسناد الأمور إلى غير أصحابها. عندما يختار الرئيس رجاله على أساس الولاء الشخصي والتبعية، والتصفيق باليدين وبالرجلين، يتصدر قليلو الخبرة والتجربة والمهارة على الأشخاص الملائمين للقيادة، ويكون ذلك سببا لفساد الإدارة وانتشار المحسوبية والمحاباة والوساطة والسمسرة على حساب التفوق والكفاءة واحترام طابور الوقوف. فتصبح المؤسسات العمومية حاضنة لصورة بشعة من صور البطالة المقنعة (chômage déguisé) يشعر فيها “الموظف” (مسكين) بأنه مجرد “شاغل مكان” لادور له ولا مهمة ولا صلاحية ولا مكانة… يحسب نفسه معفي من كل شيء، وغير معني بما يدور. ما عليه إلا أن ينتظر “التوجيهات النيرة” من فوق… وهذا النوع من الفساد هو محل الإضرار الحقيقي بمصالح الوطن والمواطن، لأن الحاكم هنا يبادل التصفيق بالتوظيف والتعيين، ويمنح الترقية فوق ذلك لمن يزيد ألقابه ويعاظم في صورته. فالعقد بينه وبين الناس يكاد يكون عقد إذعان يلتزم فيه من يريد “سهما” بالخضوع المطلق والصمت المطبق… وكأن دعوات الأنظمة السابقة “للإنقاذ الوطني” و”الخلاص” و”الديمقراطية” و”محاربة الفساد” لاتبتغي سوى تصميم مواطن موريتاني بارع في الانقياد، سالم من الرجولة، مستسلم بجوارحه، قانت في منبره أن يطيل الله بقاء الرئيس، وأن ينفي من الأرض خصومه.

رابعا: اعتماد اللغة الخشبية ونهج سياسة النعامة في جو التطبيل والتمجيد والتسبيح بحمد السلطة، يصبح الرئيس هو قطب زمانه ومكانه، ومحور الحركة والفكر والإنجازات والحياة. يكاد يسمع كل صباح ومساء بأنه هو الوطن والوطن هو… هو حامي حماه.. وصانع مجده وعلاه..هو باني الطرقات ومحقق الإنجازات والمعجزات… هو الزعيم الأوحد.. والمنقذ الفذ..عقله حكيم… وخطابه تاريخي… وكلامه هو آخر الكلام… بيده الأعناق والأرزاق… لانرى إلا ما يرى… إما هو أو الفوضى… أي صوت يختلف معه مشبوه أو خائن أو حاقد… صاحبه يعشق الرئاسة ويدعو إلى التخريب والفتنة… ويتردد على سمعه بالليل والنهار “إن الشعب بخير، ولا يريد إلا الأمن والاستقرار، وهكذا وهكذا وهكذا بالمطلق تجند وسائل الإعلام كافة لنقل وتعميم هذا الخطاب الخشبي الفاسد: الإذاعة والتلفزة والوكالة والجريدة والمنابر الرسمية والشوارع والجدران في سباق محموم لكسب ثقة الزعيم. ولذات الغرض، لابد من إلقاء بعض الشتائم واللعن والسباب والقاذورات على المعارضين والمشككين والصامتين وحتى الملتزمين بالحد الأدنى من الموالاة، لأن الحد الأدنى هنا لايكفي… فالتشدد مطلوب لتحسين المواقع والمغانم. ومع ذلك تبقى الازدواجية في اللغة والموقف حالة حتمية قائمة، مفارقة موريتانية عجيبة. المواطن عندنا في العلن وضمن تعاطيه مع الرسميات والموالاة والحزب الحاكم… “يلحلح” ويطرح آراء منغمسة مع السائد داعمة له، وفي دوائر الخواص يفرِّج عن نفسه ويصرح بآراء معاكسة تماما للتعبير عن حقيقة موقفه.

خامسا: الفاسد…. والسباحة في بحر من الزيف أمام سيل عارم من تشويه الحقائق والزيف، يصاب الزعيم بجنون العظمة والغرور، ويسقط في أشد درجات التخلف حين يباعد بين نفسه وأي صوت معتدل وهادئ، أو أي تصورات من شأنها أن تجدد فكره وتوسع آفاق الرؤية أمام عينيه مكتفيا بما يصل إلى أذنيه من زبنائه المفضلين متجاهلا أن الهاجس الأول والأخير لحاشيته هو استرضاه والدوران حوله والابتسام… سبيلا إلى الاستفادة منه وليس لإفادته . وخطورة هذا الوضع عليه، أن  هؤلاء لايقولون له إلا ما يحب أن يسمع… غالبا ما تراهم يستنبطون كلامهم مما سبق أن نطق هو به أو لاحظوه وقد خطر بباله أو عشعش في تفكيره. فيكون ما وصل إلى سمعه هو نفسه ما جرى على لسانه… عندئذ لايتجدد تفكيره، ولا يتعلم من دروس، ولا يستفيد من تجربة… ولا يتعظ ممن سبقوه وإنما يرى أنه يختلف عن غيره وأن له خصوصية فريدة… فيصاب عقله بالضمور.. ويقضي الله ما يشاء. وفي النهاية عزيزي القارئ، فقد أردت التذكير بهذا القدر من مظاهر الفساد كما عشناه سابقا، وذلك اقتناعا مني بأن تجديد الطبقة السياسية وتطهير المؤسسات من “رموز الفساد” أمر ضروري ومهم، ولكن الأهم هو بناء قاعدة جديدة من رجال حكم “التغيير والإصلاح” لاتعمل بنفس “الأجندات الفاسدة” ولا تتّبع نفس آليات العمل الفاشلة. الشعب يريد أن يكون “التطهير” قرارا فعليا له نتيجته على الأرض.

وهذا لسان حاله يقول من باب الحزم: إن كانت الطبقة “الجديدة” تعتزم حقيقة محاربة الفساد وإبعاد المفسدين، فعليها أن تحذر كل الحذر من استمرار مظاهر الفساد وأساليبه القديمة، وخاصة الفساد الأكثر ضراوة وهو ما يسمى بـ”الفساد الكبير” (grande corruption) أو “اقتناص الدولة” (capture de l’Etat) الذي يصيب المستويات والأجهزة العليا في الدول مع تسخير النخب لخدمة تلك الأجهزة والشخصيات النافذة. فالشعوب قد تسجل نقاطا مهمة في كبح جماح الفساد الصغير (petite corruption) وتلجم حصان الإدارة الدنيا والوسطى مثل الحاكم، والشرطي، والمدير، والمحاسب، وحتى الوالي والأمين العام… ولكن المعضلة الحقيقية تكمن في “الفساد الكبير”. ولا أعتقد أن أحدا منّا يريد أن ينظر إلى حصيلة التغيير والإصلاح ليقول:مات الفساد… عاش الفساد!!!”

والله الموفق وهو من وراء القصد.

محمد فال ولد بلال

ecc_v@yahoo.fr

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة