تحقيقات

حراس ازويرات.. رحلة “القصر” تنتهي في “حي عشوائي”

يجلس محمد القرفصاء أمام عريش بني على عجل في مدخل العاصمة الموريتانية نواكشوط الشمالي؛ ويقول إنه لن يغادر المكان؛ قبل أن يوصل قضيته إلى السلطات العليا في البلد.
 
محمد الشيخ الذي يقترب من تدشين عقده الثامن، عمل سابقا لمدة سبع عشرة سنة مظليا في الجيش الموريتاني، وشارك في حفل إعلان الاستقلال في مشروع المدينة التي يمنع من دخولها بعد مرور أربعة وخمسين عاما على الحدث الذي كان شاهدا عليه.
 
محمد واحد من بين أزيد من مائتي عامل في قطاع الحراسات، قرروا شد الرحيل من مدينة ازويرات؛ شمال موريتانيا، والسير على الأقدام لأكثر من سبعمائة كيلومتر؛ للمطالبة بما يسمونه “حقوقهم المشروعة” التي سلبتها شركة الحراسات التي كانوا يعملون فيها.
 
ربما يكون محمد عميد عمال ازويرات المرابطين على بعد أمتار من نقطة الشرطة، لكنه ليس الوحيد الذي تقدم به العمر من بين العمال، فمنهم عمال متقاعدون في شركة (سنيم)، وآخرون من مختلف التشكيلات العسكرية في الجيش.
 
الشباب أيضا لهم وجودهم في المخيم العشوائي الذي أقامه العمال على مشارف العاصمة.
 
يقول العمال إن الشركة التي يعملون لها فصلتهم بدون حق؛ وبدون أن تراعي المستحقات المالية المترتبة على نهاية الخدمة، وبدون أن تحترم الأقدمية التي تنص عليها عقود العمل.

خلال رحلة العمال من أزويرات وإلى نواكشوط، عانى عدد منهم -كما يقولون- من التعب والإعياء؛ غير أنهم أصروا على المواصلة، فلابد من القصر الرئاسي في نواكشوط؛ ولو طال السفر.
 
فعلا.. طال السفر، شد العمال أحزمة الرحلة يوم فاتح أكتوبر؛ كانوا يقطعون يوميا ما بين الثلاثين والأربعين كيلومترا.
 
قبيل وصولهم إلى مدينة أكجوجت دشن اتحادي حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم في المدينة محمد ولد عابدين؛ جولة مفاوضات بينهم ومشغليهم؛ ومكث العمال أسبوعا ينتظرون نتائج مساعي ولد عابدين؛ ليخبرهم مضيفهم بأن “جولة المساعي الحميدة باءت بالفشل”، فأقسم العمال لا يبيتون ليلتهم في أكجوجت.
 
بدأت الحلقة الأخيرة، من قال إنها الأخيرة؛ فما زالت الرحلة طويلة، يقول العمال..
 
عند مدخل نواكشوط أُبلغ العمال برفض السلطات دخولهم الجماعي إلى المدينة، وهنا بدأت مرحلة أخرى: “منعنا من حقنا في إيصال معاناتنا إلى قيادة البلد؛ التي انتخبناها، وخُرق فينا حق التنقل الذي يكفله القانون للمواطنين على كامل تراب الجمهورية”، يقول عبد الله ولد جد أهلو الذي نصبه العمال متحدثا باسمهم.
 
عبد الله الشاب الأربعيني؛ ينشغل طول النهار بالحديث مع الصحافيين المحليين ومراسلي القنوات الدولية الذين يزورون حي العمال العشوائي.
 

قرر العمال الإقامة عند مدخل العاصمة حتى يجد جديد في قضيتهم، “سنمضي سنة هنا، وإذا انتهت السنة فمن المعقول أن نمضي سنة أخرى”؛ يقول محمد ولد أمين ولد حمادي، الشيخ القادم من ازويرات.
 
جمع العمال أعواد شجرة “العشر” المسماة محليا (تورجه)، والتي تنتشر بكثرة في مجال السافانا الصحراوي؛ الذي تنتمي له بامتياز منطقة مدخل العاصمة الشمالي، وبدؤوا يبنون أعرشة غطوها بالأعواد وبعض الملابس المستعملة، وما تيسر من هِبات وهدايا المتبرعين.
 
انضافت إلى الأعرشة خيم صغيرة تناثرت هنا وهناك، “في هذه الخيمة يقيم عشرة عمال، نبيت هنا.. البرد قارس لكن العزيمة أقوى”، يقول إسلمو أحد العمال.
 
قسّم العمال أنفسهم فرقا، فرقة لجلب الحطب، وفرقة للطهي وطبخ الطعام، وأخرى لإعداد الشاي، يعلق أحدهم: “لقد صرنا أسرة واحدة؛ ألّف بيننا الهم المشترك والمعاناة”.
 

لم يَرُق بناء الحي العشوائي لساكنة المنطقة الأصليين من الثعابين الصحراوية، التي خرجت عن جحورها لتحيط ضيوفها أنهم في المكان الخطأ، وأن تلك المنطقة هي جزء لا يتجزأ من مملكة الزواحف.
 
النتيجة “قنص” عشرات من الثعابين علق العمال جلودها على سياج يقع في الجانب الشرقي من الطريق أمتارا شمال مخفر الشرطة.
 
الانتصار على الثعابين ربما يكتسب منه العمال دفعا معنويا يوحي بأنهم سينتصرون في معركتهم الأكبر.
 

داخل المدينة أعلن عدد من نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي تبنيهم قضية العمال، وتظاهروا نيابة عنهم أمام أسوار القصر الرمادي في قلب العاصمة.
 
الناشطة السالمة بنت الشيخ الولي؛ التي كانت من بين من حمل لواء قضية عمال ازويرات المفصولين؛ ترى أنها عندما تظاهرت ورفاقها باسمهم أمام الرئاسة؛ كانت تقوم بـ”أقل الواجب”.
 
على الجانب الآخر، وبالتوازي مع دخول موسم الشتاء على الخط، يقوم بعض “الخيرين”، على حد تعبير العمال، بالتبرع بين الفينة والأخرى بذبائح وأغذية وحاجات أخرى للعمال.
 
يصر العمال على أن لا دخل للسياسة في قضيتهم، وأنها قضية حقوق في المقام الأول والأخير، بل إن أحدهم حمل صورة الرئيس ولد عبد العزيز طيلة مسار القافلة.
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة