تقارير

حماده ولد محمد الخيري.. من “غزوات دار النعيم” في موريتانيا إلى قيادة تنظيم التوحيد والجهاد

حماده ولد محمد الخيري.. من

هرب من السجن المدني بنواكشوط في عباءة نسائية.. وأخرج من سجون مالي مقابل رهينة فرنسي

نواكشوط ـ الشيخ ولد محمد حرمه

في شريط أخير أصدره “تنظيم التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا” يظهر حماده ولد محمد الخيري بعمامة ونظارات سوداء ولغة حادة تهدد فرنسا وتتوعد بتصدير الجهاد إلى بلدان غرب إفريقيا، فكيف حملت الأقدار هذا الشاب الموريتاني من منابر المساجد و”غزوات دار النعيم” إلى تأسيس وقيادة تنظيم التوحيد والجهاد الجديد.

حماده ولد محمد الأمين ولد محمد خيري، المكنى بـ”أبي قُمقم” أيام كان أحد أبرز الموريتانيين الناشطين في تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، مولود سنة 1970 بالعاصمة نواكشوط، في حين تظل المعلومات المتوفرة حتى الآن عن مراهقته شحيحة.

فيما توحي خرجاته الإعلامية عبر أشرطة وندوات القاعدة بأنه تلقى تعليما محظرياً تقليديا وذلك بالنظر إلى ثقافته القرآنية والدينية، إضافة إلى ثقافته الشعرية الفصيحة، وتخصصه في شقه الشعبي حيث يلقبه زملاءه في التنظيم بـ”الشاعر”.

كما أن بعض المعلومات تفيد بأنه كان ينشط في مجموعات الدعوة التي تجوب مساجد العاصمة نواكشوط وتلقي خطبا قصيرة بعد الصلوات مركزة في ذلك على العقيدة وما يعتريها من نواقض، إلا أن الأمر تجاوز الخطب لدى بعض الشبان في المجموعة، حيث كانوا يستهدفون بعض الشيوخ والمتصوفة بقطع “التمائم” أمام الملأ وطردهم من الصفوف الأمامية.

ولعل أخطر ما قامت تلك المجموعات الشبابية ما عرف حينها بـ”غزوة دار النعيم”، التي قاد فيها حماده ولد محمد الخيري كتيبته المكونة من ثلاثة شبان دخلوا أحد المساجد وبدأوا في “تطهيره” ممن يصفونهم “بالمبتدعة”، قبل أن تعتقلهم الشرطة وتوجه إليهم تهمة “ممارسة العنف داخل المسجد وتكدير صفو المصلين والإساءة لرواد بيوت الله”.

كانت تلك هي المرة الأولى التي يزور فيها ولد محمد الخيري مخافر الشرطة نتيجة لأفكاره المتطرفة، إلا تلك الأفكار لم تلبث أن قادته إلى السجن إبان حملات الاعتقال التي شنها نظام ولد الطائع على التيار الإسلامي سنة 2005.

كان ولد محمد الخيري في السجن المدني بالعاصمة نواكشوط رفقة سيدي ولد حبت والخديم ولد السمان، زعيم تنظيم أنصار الله المرابطين والمعتقل حاليا بموريتانيا، حيث خطط الثلاثة بعد سقوط نظام ولد الطائع لتنظيم أغرب عملية هروب من السجون الموريتانية.

فقد تمكنوا يوم 27 إبريل 2006 من مغادرة السجن المدني وهم يرتدون عباءات نسائية كان حماده هو من ضمن تهريبها إلى داخل السجن دون أن يحس الحراس، وفي وضح النهار غادر الثلاثة السجن لتتضارب الأنباء بعد ذلك بشأن الاتجاه الذي سلكه ولد محمد الخيري.

فبعض المعلومات تفيد بأنه غادر البلاد رفقة زميليه إلى السنغال حيث استقر فترة من الزمن، وهو ما نفاه الخديم ولد السمان في محاضر التحقيق معه، مؤكدا أن الاتصال بينه ورفيقيه انقطع بشكل مفاجئ بعد خروجهم من السجن، مؤكدا في نفس الوقت أنهم كانوا يخططون للسفر معاً.

تمت تبرئة ولد محمد الخيري غيابيا يونيو 2007 من جميع التهم الموجهة إليه، وذلك خلال محاكمة إسلاميين متشددين، فيما كانت المعلومات تتحدث عن التحاقه بمعسكرات تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي شمال مالي، وبشكل خاص كتيبة الملثمين التي يقودها الجزائري خالد أبو العباس الملقب “بلعور”.

بدأ ولد محمد الخيري نشاطه في “كتيبة الملثمين” بالعمل على نقل الأسلحة إلى الكتيبة، قبل أن يتحول إلى صناعة المتفجرات والقنابل التقليدية، فكان معه الطيب ولد سيدي عالي حيث يتخذون من أحد المخابئ في مدينة جاوا بالشمال المالي ورشة للعمل على خلط وتركيب المواد المتفجرة قبل تجهيزها ونقلها إلى معسكرات التنظيم.

اعتقل ولد محمد الخيري من طرف الأمن المالي مع رفيقه الطيب ولد سيدي عالي، وذلك بعد أن وقع انفجار في الورشة التي يعملان فيها، حيث تم احتجاز كميات هامة من الأسلحة والذخيرة الحية، إضافة إلى مواد لصناعة المتفجرات وهواتف خلوية من نوع الثريا.

إلا أن تنظيم القاعدة تمكن في إطار صفقة إطلاق سراح الرهينة الفرنسي (بيير كامات) فبراير 2010، من الضغط على السلطات المالية لإطلاق سراح ولد محمد الخيري رفقة عناصر أخرى من التنظيم بعد محاكمة وصفت في حينها بأنها صورية.

موريتانيا عبرت آنذاك عن استيائها من قيام مالي بإطلاق سراح ولد محمد الخيري بوصفه يشكل تهديداً للأمن الموريتاني، معتبرة أن مالي بهذا القرار قد وضعت حدا للاتفاقيات القضائية التي أبرمها البلدان.

في أغشت 2010 وبعد إطلاق سراحه بأشهر ظهر ولد محمد الخيري في ندوة مصورة تحت عنوان “كتب عليكم القتال”، حيث تباهى التنظيم بتحريره في صفقة “التبادل مع فرنسا”، كما لقبوه أثناءها بعدة ألقاب منها: الشاعر المجاهد وحمادَ الشنقيطي.

ولد محمد الخيري كان خلال الندوة مكشوف الوجه، يتحدث بلغة حسانية قال إنه اختارها لأنها تفهم في بلدان الصحراء الكبرى، على الرغم من لجوئه في كثير من المرات إلى أمثال وعبارات عتيقة توحي بتشربه بثقافة البادية الموريتانية.

ولد محمد الخيري كان واضحاً في تنظيره للمنهج الفكري الذي يتبعه تنظيم القاعدة، يعتبر أنه في قصائده “يتعبد بتمجيد الإرهاب والخروج على القوانين الأرضية وإغاظتها”، يدافع بقوة عن قناعته بأن “الله أنزل هذا الدين ومعه كتاب يهدي وسيف يحمي، فإذا كان سيفا وحده بدون كتاب كان مافيا، وإذا كان كتابا بدون سيف كان دين دروشة يعاني من نقص في المناعة”!

كما تبالغ قصائده في ذم “القاعدين عن الجهاد” من العلماء والائمة، معتبرا أن عنترة بن شداد “الصعلوك أفضل منهم عقيدة” لرفضه المساس بالشرف، وفي نفس المنحى يهاجم بضراوة “جمعية البر والصفا” ويتأسف على الزمن الذي قضاه مع القائمين عليها الذين وصفهم بأنهم “يسعون إلى تحصيل الرزق بدل طلب الشهادة”.

ولد محمد الخيري اشتهر برثائه لعدد من قتلى التنظيم، حيث نظم القصائد في رثاء كل من أحمد ولد إسلم ولد عبد الله ولد عبيد، ومحمدو ولد مقام الملقب “أبو هيثم”، وأحمد بمب الملقب “الخديم” المكنى بأبي محمد، والامام ولد احا الملقب “عمير” والمكنى بأبي أسماء.

تميز ولد محمد الخيري بروح مرحة وحس فكاهة يغلف بها أفكاره المتطرفة، وهو ما جعل جمهور المقاتلين يتفاعلون مع كلماته تارة بالضحك والتكبير، وتارى أخرى بإطلاق الرصاص في الهواء الذي يسميه “العزف” ويصر على أن يتخلل مقاطعه الشعرية.

وبين كل هذا يتنقل ولد محمد الخيري في استطراداته من شعر محمد آسكر إلى قول الطرماح:

وإني لمقتاد جوادي فقاذف  **  به وبنفسي العام إحدى المقاذف

فيا رب إن حانت وفاتي، فلن تكن  **  على شرجع يعلى بخضر المطارف

ولكن قبري بطن نسر مقيله  **  بجو السماء في نسور عواكف

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة