الرأي

خصوصية الربيع الموريتاني / زياد ولد محمد يحي

يصرخ بصوت جهوري فقراء موريتانيا -الذين هم الغالبية العظمى لساكنة البلد- بأن وطنهم لازال وجهه تطبعه تجاعيد غائرة ومشينة، نتيجة لسلسلة متصلة الحلقات من الفساد الممنهج، الضارب أطنابه في إدارة جل من كُتب له اعتلاء قمة هرم السلطة في موريتانيا، ليس ذلك وحده فحسب، بل لونوه، بلون قوس قزح  المال الوفير الذي كان ينثر هنا وهناك في إطار اضطلاع  الحزب الحاكم بالدعاية لرئيس الجمهورية، الأمر الذي أثر سلبا على هامة الوطن وأفقد الجزء الأكبر من العاملين في إدارات الدولة خصلة الإباء والأنفة وحيوية الضمير الوطني!!

إلى أن وقع انقلاب المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، سنة (2005) بقيادة العقيد اعلي ولد محمدفال، حيث عمت الفرحة  مناكب موريتانيا الأربع ،أملا في طي صفحة الفساد إلى أبد الآبدين، على أن تحل محلها صفحة البناء والرخاء الاقتصادي المسيران بآليات الحكم الرشيد، الذي يعتبر هو المصل والعلاج الأوحد لإعادة وجه موريتانيا وهامة إنسانها إلى سابق عهدهما النضر، الأمر الذي جعل ذلك الأمل ينمو ويترعرع في ظل حكم العقيد ولد محمد فال، لأنه قد أعلن – في سابقة لم ينل شرفها قبله في عالمنا العربي سوى سوار ذهب السودن- استعداده للتنازل عن السلطة طواعية،وتسليمها لرئيس مدني يختاره الشعب الموريتاني بصفة لاتأثير فيها لجهة شرقية ولا لأخرى غربية ، ولعمري إن ذلك لكان شيء يحلم به كل موريتاني أصيل، رغبة وأملا منه في رجوع جيشنا البطل – الذي نفتخربه ونكن له الكثير من المحبة والاحترام – إلى ثكناته وتفرغه لوظيفته الأصلية الجسيمة، والتي من أولى أولوياتها حماية بيضة الوطن من كيد الكائدين، وترك تسيير شؤون الدولة الأخرى للمدنين أصحاب الاختصاص.

وعلى بساط ريح ذلك الأمل قد أنجز حر ماوعد ، بتسليمه مقاليد الحكم إلى من اختاره الشعب الموريتاني ، حيث كان ذلك الاختيار الحر من نصيب خبير الاقتصاد المعروف السيد سيدي ولد الشيخ عبدالله إثر انتخابات شهد الجميع بشفافتها ونزاهتها، لكن بعد فترة وجيزة من حكم ولد الشيخ عبدالله للبلاد، أتت الرياح بمالاتشتهيه سفن ذلك الرئيس المنتخب، فجر صبيحة يوم مشهود، انتفض فيه الجنرال الجسور عزيز انتفاضة الضيغم المجروح إثر إقالته من منصبه صحبة مجموعة من أصحاب الرتب العليا، كانوا يشغلون مناصب حساسة في الجيش  إقالة اعتبرها  مهينة وغير قانونية ، وتضر بالمصلحة العليا للبلاد!.

كل ذلك حدث وفقراء موريتانيا لازالوا ينتظرون بفارغ الصبر الفارس الهمام الذي يطمح لنيل شرف رفع ساكنة البلاد من حفرة شظف العيش وذل السؤال  إلى قمة أكمة العز والعيش الرغيد، حيث تم في خضم ذلك الانتظار الممل ( اتفاق داكار) بين أقطاب المعارضة الرافضين لتصرف عزيز، والفريق الداعم له بعد مخاض عسير لايتسع المجال لذكر حيثياته، تدخلت فيه أكثر من جهة لها وزنها الدولي الكبير لجعله  يخرج من رحم السنغال بصفة آمنة وقابلة للاستمرار.

وبموجب ذلك الاتفاق المبرم بين الطرفين قبلت المعارضة على مضض خوض غمار انتخابات رئاسية تعلم علم القين أنها لم تحضر لها بما فيه الكفاية نتيجة لحشرها بين فكي كماشة ضغوطات دولية شديدة تحثها على سرعة الاستجابة لكل ما من شأنه أن ينهي الأزمة السياسية الخانقة الواقعة في البلاد، وقد استغل الجنرال المخضرم تلك الفرصة استغلالا بارعا برفعه لشعـــــار براق دغدغ مشاعر الموريتانين، ألا وهو ( حرب لاهوادة فيها على الفساد) لقى استحسانا كبيرا في نفوس الغالبية العظمى من فقراء موريتانيا، مما مكن الجنرال المحنك من حيازة قصب السبق لنصر مؤزر – على خصومه الألداء ، شبهه البعض وقتئذ بانتصار الحلفاء على جيش الماريشال رومل في معركة العلمين الشهيرة، – اعترف به مرغما زعيم المعارضة وقطبها الأشهرالسيد أحمد ولد داداه  وإن كانت بعض أطراف المعارضة الأخرى لم تشاركه ذلك الاعتراف، بل خاصمته عليه ،بيد أنها لم تستطع أن تقدم أدلة ملموسة تثبت فيها تجاوزات غير قانونية تفند بها النتائج المشرفة التي حصل عليها ولد عبد العزيز أمام العالم..هنا نتذكر حينئذ أن فقراء موريتانيا لم يطرق طيف الكرى جفونهم في أنتظار لحظة ميلاد قامة سامقة وطنية وضوعها في مخيالهم الجمعي تقود بلدهم إلى مصاف الدول المحترمة، التي تنعم شعوبها بنعمتي الحكم الرشيد ،والعيش الرغيد.

وفي ضوء ذلك لابد من التساؤل عن ماهية ذلك الرجل الحلم.. حلم فقراء موريتانيا، هل هو فعلا فخامة رئيس الجمهورية الحالي أم أن الجزم بذلك يجب أن يسير تحت مظلة آليات التمحيص الدقيق والتريث الكيس؟.لأن حكم السيد عزيز لازال في بدايته مقارنة بالنظم التي سبقته والتي خلفت وراءها إرثا كارثيا على مستوى الإنسان والأرض كئب بسببه جبين الأمة، لكن الإنصاف والموضوعية يحتمان علينا الاعتراف بأن ولد عبد العزيز قد أنجزبعض الإنجازات التي عز على غيره تحقيقها  بسطنا حولها رأينا في مقالة سابقة.

ومن الأهمية بمكان في هذا المقام  أيضا تذكير فخامة رئيس الجمهورية بأن الشعب الموريتاني يحمل بين جوانحه مروءة وشهامة يغبطه عليهما كل من عاشره من شعوب الأمم الأخرى تمنعه من الميل إلى ثقافة العنف، ذلك أن طبيعته المسالمة المنبثقة من روح دينه الحنيف جعلته يزدري ويستهزئ بمن كان ديدنه العنف أو سلوكه الذي يميل إليه،  لكنه في نفس الوقت شعبا ذكيا لايسكت على الضيم،وفوق هذا وذاك يتمتع بذاكرة قوية خزن فيها أصناف المتون والقواميس،فما بلك بأشياء أخرى ، والخصلة الثانية الحميدة في طبعه هي، انه لايولي ظهر المجن مطلقا لمن خدمه أو أحسن إليه.

ولاأدل على صحة ما أشرنا إليه آنفا من السلوك المتحضر الذي انتهجه جمهور المعارضة في انواكشوط ،وجمهـــور الموالاة في العاصمة الاقتصادية انواذيبو أثناء فعاليات المهرجانين الكبيرين لكل منهما استعرض فيهما دهاقنة كل طرف على حدة حجم جمهورهم وبراعتهم الخطابية الموظفة في شحذ الهمم وشحن عواطف الجماهير بأفكار مختلفة في الشكل، متحدة في مضامينها الإقصائية إلى حد كبير. إلا أننا رغم ذلك لم نسمع عن مماراسات غير مسؤولة حدثت هنا أو هناك أو ماشابه ذلك من التصرفات التي تزعزع أمن ألدولة وتعكر صفو سكينتها، وهذا في حد ذاته يعتبر صفحة مشرفة في سجل الشعب الموريتاني، إذا ما قارنا ذلك بما يجري الآن على أرصفة وشوارع دول أخرى من سفك للدماء وتدمير للبنية التحتية أعادت تلك الدول إلى ماقبل القرون الوسطى والعياذ بالله.

وتأسيسا على ما استخلصناه من نضج سياسي وحس وطني مرهف واضح المعالم في عقول الموريتانيين ترسخ عبر أيام النضال وسنين المعاناة ،فإننا نميل إلى الاطمئنان بأن الشعب الموريتاني المسالم بطبيعته، لن يكون له إلاربيعه  النابت من ثرى تربته الطيبة، الندية من ينبوع ديننا الحنيف ،الذي ينبذ العنف ويحث على مكارم الأخلاق.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة