الرأي

خطاب عيد العرش / السفارة المغربية بنواكشوط

خطاب عيد العرش / السفارة المغربية بنواكشوط

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

حضرات السيدات والسادة،

يحتفل الشعب المغربي يوم الاثنين 30 يوليوز 2012، بالذكرى الثالثة عشرة لتربع حضرة صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين، وهي ذكرى غالية يتجدد فيها التحام الشعب المغربي الأبي بالعرش العلوي المجيد .

مناسبة عيد العرش لهذه السنة، تطل علينا والمملكة المغربية تشهد انفتاحا متواصلا وتطورا مضطردا وجهودا حثيثة للرقي بمستوى البلاد في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك في إطار نهج المبدء الحكيم القائم على أساس التطور في ظل الاستمرارية، وهو المبدأ الذي يشكل العقيدة المؤسسة للممارسة السياسية بالمغرب.

ويتجسد النجاح الذي صاحب تطبيق هذه العقيدة، في عدة عوامل وخصوصيات مؤسساتية وسياسية وذات صلة بالهوية، تتمثل في:

-عراقة وتجذر قوة الشعور بالانتماء للوطن، وهو ما يمكن المغرب من انخراط كافة مكوناته البشرية داخل إطار هويته الوطنية.

– الحفاظ على السلم الاجتماعي بفضل نبذ المغرب، منذ البداية، لمبدإ الحزب الواحد، والتزامه باحترام رأي المعارضة الشرعية، والنشاط النقابي الحر والإعلام التعددي،

– التشبث بالإسلام في إطار الاعتدال والوسطية والتسامح،

– المؤسسة الملكية التي مثلت، على الدوام، رمز استمرارية الدولة، والمدافع عن قيمها الروحية والضامن لوحدة البلد. كما أنها ظلت دائما في قلب المسار التنموي للأمة.

على هذا الأساس، أطلق صاحب الجلالة الملك محمد السادس عدة إصلاحات سياسية شجاعة، من بينها مدونة الأسرة وجعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، والنهوض بكافة التعبيرات اللغوية والثقافية المغربية وفي مقدمتها الحسانية كثقافة أصيلة للأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة التي مكن عملها من طي صفحة الماضي بشكل نهائي، فضلا عن الجهوية المتقدمة التي ستمكن من إفراز تنظيم جهوي جديد بالمغرب.

وبناء على هذه القاعدة الصلبة الموحدة، استطاع المغرب أن يهيئ المجال لدينامية داخلية من خلال الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الناشطة في مجال حقوق الإنسان والجمعيات الثقافية وهيئات التنظيم والمراقبة في جميع المجالات.

في نفس السياق، عمل المغرب منذ نحو عشر سنوات على تطوير منهجية متميزة في الحكم، تمزج بين الديمقراطية والانفتاح والتضامن.

وقد توج هذا المسار بالمصادقة على دستور جديد في يوليوز 2011، يكرس لمبدإ فصل السلط واستقلالية العدالة، ويمنح لرئيس الحكومة صلاحيات هامة ويمكن البرلمان، فضلا عن مسؤوليته فيما يخص مراقبة العمل الحكومي، من ممارسة مهام تشريعية أوسع.

كما أن الدستور الجديد تناول أيضا معايير الحكم الرشيد والمساءلة بشأن احترام حقوق الإنسان. وفي هذا الصدد، فقد نص هذا الدستور في بند تخليق الحياة العامة على إنشاء الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

إن الإمكانيات الكبيرة التي يمنحها هذا الدستور على مستوى ترسيخ الديمقراطية، ستضمن للمغرب بناء نموذج جديد للحكم المحلي وإرساء شكل جديد من العلاقة بين السلطة المركزية والهيئات المحلية أو الجهوية.

من جانب آخر، فإن إصلاح العدالة يهدف أساسا لتمتين استقلالية القضاء وعصرنة إطاره وتطوير الأمن القضائي.

وفي مجال تطوير حقوق الإنسان، فإن مخطط العمل الوطني للديمقراطية وحقوق الإنسان، سيكون جاهزا في المستقبل القريب، هذا في الوقت الذي يتم فيه العمل بجد على أن تكون القوانين الوطنية منسجمة مع المواثيق والاتفاقيات الدولية.

ومحصلة ما سبق، أن الدستور الجديد يمكن المغرب من مواصلة بناء مجتمع ديمقراطي منفتح، وتطوير مجال حقوق الإنسان وإرساء نموذج متميز للحكم الرشيد والتماسك الاجتماعي.

كما أن خصوصية النموذج المغربي تكمن في قدرته على الاستجابة سياسيا بشكل مناسب واستباقي، لانتظارات الحركات المطالبة بإصلاحات اقتصادية واجتماعية، هذا فضلا عن عنايته الخاصة بمبدإ المواطنة وتقويته للتماسك الاجتماعي وتمتينه للخيار الديمقراطي.

وبهذا، فإن النظام الملكي المتأصل بالمغرب، والذي يكتسب قوته ومتانته من شرعيته الروحية والاجتماعية، يمثل القوة المحركة للانفتاح والتطور والعصرنة التي يعيشها الشعب المغربي.  

حضرات السيدات والسادة،

لقد كرس الدستور المغربي الجديد مكانة المغرب كجزء من المغرب الكبير والتزامه ببناء اتحاده، وبتوطيد علاقات الأخوة العربية والإسلامية، والتضامن الإفريقي وتوسيع علاقات التعاون والشراكة مع جواره الأوربي والمتوسطي ومع مختلف دول العالم، وكدولة عصرية متشبثة بالمواثيق الأممية وفاعلة ضمن المجموعة الدولية.

وإيمانا من المغرب بحتمية انتصار التوجه المستقبلي على مخاوف الماضي، وبضرورة تجاوز الجمود، ومسايرة العالم في منطق التكتلات الاقتصادية، واستجابة لنداءات المنتظم الدولي، فقد بادر إلى تقديم مبادرة مقدامة لحل النزاع الإقليمي حول مغربية الصحراء، من خلال مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية في نطاق سيادة المملكة المغربية ووحدتها الوطنية والترابية، إذ من شأن إيجاد حل لهذا المشكل المفتعل، تهييئ الظروف الكفيلة بتفعيل العمل المغاربي المشترك، كخيار استراتيجي لتحقيق تطلعات شعوبه نحو التنمية والتكامل.

 

حضرات السيدات والسادة،

انسجاما مع التقدم الذي حققه في المجال السياسي، فإن المغرب لا يدخر جهدا في سبيل النهوض بالقطاعين الاقتصادي والاجتماعي من خلال تمكينهما من الموارد المادية والبشرية الضرورية.

وبالرغم من الآثار السلبية للأزمة العالمية، فإن المغرب حرص على مواصلة مسيرته التنموية المرتكزة على دعم النمو والاستثمار وإنجاز المشاريع الكبرى والإصلاحات الهيكلية وتنويع اقتصاده وموارده.

وهو ما يتجلى في اعتماد استراتيجيات قطاعية في مجالات الصناعة والفلاحة والسياحة والطاقة والتكنولوجيات الحديثة، وتأهيل الموارد البشرية من خلال التعليم والتكوين، وذلك مواكبة لمتطلبات التنمية واحتياجات المستثمرين للبنى التحتية المتطورة وللموارد البشرية الكفأة والمؤهلة .

وفي هذا الإطار، فقد عرف مجال البنى التحتية تطورا كبيرا ومتواصلا في الفترة الأخيرة، وكمثال على ذلك، افتتاح الطريق السيار الرابط بين مدينتي مراكش وآكادير على مسافة 234 كلم سنة 2010 والطريق السيار الرابط بين مدينتي فاس و وجدة على مسافة 320 كلم سنة 2011، وتواصل الأشغال هذه السنة لإنجاز الطريق السيار الرابط بين مدينتي برشيد وبني ملال على مسافة 172 كلم ليكون جاهزا في السنة القادمة،  مما يجعل طول الشبكة الوطنية للطرق السيارة يرتفع لمسافة 1800 كلم في أفق 2015، ويمكن من توفير السلامة للمسافرين والسرعة في التنقل والاقتصاد في استهلاك الطاقة. يضاف إلى ما سلف ما تم تحقيقه من إنجازات جد هامة على مستوى البنى التحتية الأخرى المرتبطة بالنقل السككي والجوي والبحري، تيسيرا للعبور وتنقل الأشخاص والبضائع.

أما في ميدان الطاقة، وحرصا من المغرب على التخفيف من تبعيته للخارج في هذا المجال وإنتاج طاقات متجددة ونظيفة، فقد تم تدشين عدة حقول لإنتاج الطاقة الريحية أضخمها مشروع  قرب مدينة طنجة بقدرة 140 ميكاواط.

كما تم بدء العمل في إنشاء مركز ضخم لإنتاج الطاقة الشمسية قرب مدينة ورزازات على مساحة 2500 هكتار وهو جزء من مشروع مندمج لإنتاج طاقة بديلة غير ملوثة يضم 5 مواقع وذلك لإنتاج 2000 ميكاواط في حدود سنة 2020، مما  سيمكن المغرب فضلا عن تخفيض فاتورته النفطية من سد الاحتياجات المتزايدة التي تتطلبها الأوراش الكبرى التي تشهدها مختلف جهات المملكة. وبهذا أصبح المغرب رائدا في هذا الميدان ونموذجا يحتذى به بفضل المجهودات الضخمة المبذولة على مستوى إنتاج الطاقات المتجددة والمحافظة على البيئة.

أما في المجال الفلاحي، فقد تم وضع استراتيجية جديدة لتنمية القطاع الفلاحي من خلال مخطط المغرب الأخضر من أجل منح هذا القطاع الحيوي دينامية أكبر، واستغلال وتيرة النمو التي يشهدها وتنمية إمكانياته الواعدة ومواجهة التحديات الجديدة، مع الحرص على الحفاظ على التوازنات الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.

وبخصوص المجال السياحي، فإن المغرب، الذي جعل من هذا القطاع أحد خياراته الإستراتيجية، قد استطاع بفضل نجاعة سياسته في هذا المجال، أن يحقق نتائج جد هامة على جميع المستويات ومنها الاستثمارات الوطنية والأجنبية و توفير مناصب شغل جديدة وتحقيق موارد مالية إضافية والرفع من أعداد السياح. وفي هذا الإطار، ينتظر من مخطط تنمية هذا القطاع الذي يندرج في ” رؤية 2020 ” رفع أعداد السياح إلى 20 مليون سائح والمداخيل إلى 140 مليار درهم في أفق سنة 2020.

حضرات السيدات والسادة،

إن العلاقات المغربية الموريتانية المتميزة التي تتجسد في  الروابط الأخوية المتينة والمتجذرة التي تجمع بين البلدين الشقيقين، تتجلى في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

فبالإضافة إلى التعاون الثنائي بين البلدين الشقيقين الذي ينتظم في إطار ترسانة غنية من الاتفاقيات والبروتوكولات ومذكرات التفاهم التي تغطي مختلف المجالات، فإن تعاون البلدين حاضر أيضا بقوة على المستوى المتعدد الأطراف سواء في الإطار المغاربي أو العربي أو الإسلامي أو الدولي.

وتتمثل مجالات التعاون بين البلدين الشقيقين في عدة قطاعات حيوية من بينها التعليم والتكوين، إذ يخصص المغرب سنويا عددا كبيرا من المقاعد الدراسية والمنح للطلبة الموريتانيين لمتابعة دراستهم بمختلف الجامعات والمعاهد العليا المغربية، حيث تم خلال السنة الجامعية 2011-2012 تسجيل ما يفوق 600 طالبا موريتانيا بمختلف مؤسسات التعليم العالي بالمغرب، كما أنه من المقرر أن تلتئم بنواكشوط، في الأسبوع الأول من شهر غشت المقبل، اللجنة المغربية –الموريتانية المكلفة بانتقاء الملفات الخاصة بالمنح والمقاعد الدراسية المخصصة للطلبة الموريتانيين برسم السنة الأكاديمية 2012-2013.

كما يتجلى التعاون الثنائي في عدة قطاعات أخرى من بينها المجال الفلاحي الذي حظي باهتمام كبير من لدن الجهات المختصة  بالبلدين، وذلك من خلال تقديم الخبرة المغربية في ميدان إنتاج القمح وتطوير الثروة الحيوانية وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية. وفي هذا الصدد، فقد تم في الفترة الأخير إيفاد خبراء مغاربة في الميدان الفلاحي لموريتانيا لبحث سبل تطوير التعاون في هذا المجال الحيوي.

ويتمثل التعاون القطاعي أيضا في ميدان الاتصالات من خلال مشروع ربط البلدين بالألياف البصرية الذي سيوفر للمستعملين خدمة عالية الجودة ويفتح آفاقا أوسع فيما يخص  مستقبل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

 كما أن تعاون البلدين الشقيقين يتسع ليشمل عدة مجالات أخرى ومنها الصحة والماء الشروب والتكوين المستمر للأطر الإدارية وميدان الشباب وأيضا التعاون بين المؤسسات التعليمية الجامعية وغيرها من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 وفي الختام، ونحن نعيش في هذه الأيام أجواء شهر رمضان المبارك ونستقبل نفحاته الطيبة، نتوجه للشعب الموريتاني الشقيق، قيادة وحكومة وشعبا، بأحر التهاني وأطيب المتمنيات، مبتهلين للمولى عز وجل أن يعيننا على حسن صيامه وقيامه، وأن يعيد هذا الشهر الفضيل على بلدينا الشقيقين وعلى الأمة الإسلامية جمعاء بالخير واليمن والبركات، سائلين الله العلي القدير أن يديم على بلدينا نعمة الأمن والسلام والاستقرار وأن يحقق لشعبينا ما يصبوان إليه من رفعة ورقي وتقدم وازدهار تحت قيادة قائدي البلدين صاحب الجلالة الملك محمد السادس وأخيه فخامة السيد محمد ولد عبد العزيز، رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية الشقيقة، إنه سميع مجيب.

 والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة