مقالات

ربع قرن على فتوي الإمام الخميني

عندما أهدر الإمام الخميني ” قٌدّس سره ” ،  دم سليمان رشدي  إثر إساءته للنبي صلي الله عليه وسلم في روايته التافهة آيات شيطانية ، سنة .1989،  قامت قيامة حكومات  الدول الأوربية ، واعلنوها حربا شعواء  إعلامية  واقتصادية ودبلوماسية   ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدعوي  الدفاع عن حرية الرأي ،  يومها  سارت مظاهرات في شوارع  باريس ولندن  يحمل أصحابها شعارات كتب عليها : ” كلنا سليمان رشدي   وتنادي الكتاب الأوربيون لنصرة   صاحب الرواية ، وتبعهم تبعتُهم من  الكتاب والأدباء العرب ، الذين أصدروا   معهم بيانات  تضامنية تحمل نفس الشعار،  بقي “  الخميني  وحيدا في معركته تلك  إنتصارا للنبي صلي الله عليه وسلم  ، فلم تتحرك مظاهرة  في العالم الإسلامي  ضد الكتاب ،  ولم تصدر مشيخة الأزهر بيانا ضد المؤلف ، ولم يصدر عن مسؤولي حكوماتنا  أي تصريح  مندد   بتلك الإساءة  ،  بل إن ما وقع  هو العكس تماما ، حيث  شنت وسائل الإعلام  المكتوبة  والمسموعة في طول العالم العربي وعرضه  حملة  مسعورة   لتسفيه  فتوي الخميني  والتقليل من أهميتها  بدعوي أنه رافضي ينتمي إلي فرقة منحرفة   وقد تولي كبر تلك الحملة فقهاء ورجال دين معروفون .      

قطع الأوربيون علاقاتهم الدبلوماسية مع إيران  ، وفرضوا  عليها ضروبا من العقوبات الإقتصادية    المؤلمة ، وفتحوا مخازن أسلحتهم  لصدام  حسين  الذي كان  قد  شن حربا  لإجهاض الثورة   الإسلامية  الوليدة  ،  ورغم ذلك  كله  لم يتراجع الخميني عن فتواه  باعتبارها واجبا شرعيا ، يتقرب إلي الله به ،  وظل متمسكا بها حتى  رمقه الأخير ،  وشكلت  فتواه  بعد وفاته أحد أكبر العوائق   التي حالت دون  تطبيع العلاقات بين إيران  والدول الأوربية  لسنوات طويلة  ،  

ولم تجد الدول الأوربية  بدا من التراجع  عن اشتراط  إبطال فتوي الخميني ، لإعادة  علاقاتها  مع إيران ،  واقتصرت علي تكليف “الأسكوتلانديارد”  بتشديد الحراسة علي  سليمان رشدي  وضمان أمنه ،  ولا زالت   “جمعية الإمام الخميني”   في طهران،  حتى  يومنا هذا  ،   ترصد جائزة   قدرها مليونان وثمانمائة ألف دولار بالتمام والكمال   لمن يأتيها بـ ” سليمان رشدي ”  حيا أو ميتا .

 وكانت  تلك بداية سيل الإساءات التي تتالت بعد ذلك   : تسليمة نسرين  البنغالية ( رواية العار 1994 )    فيلم ”  الخضوع  “( 2004)  للمخرج الهولندي ”  ثيو فان جوخ  ” بالإشتراك مع الصومالية  – الهولندية المرتدة  ” هرسي علي  وبعد ذلك تم “نشر رسوم ”  كورت فيتسجارت”   المسيئة في صحيفة ” يولاندس بوستن ”  الدنماركية  لأول مرة  سنة  2005   ثم   أعادت  نشرها ” شارلي أبدو ”  الفرنسية  سنة  2006   ،  وتلا ذلك    فيلم ” فتنة ”  للسياسي الهولندي  المتطرف   ” خيرت فيلدرز( 2008 )    ثم  ” براءة المسلمين  ” للمخرج الأمريكي – الإسرائيلي ”  سام باسيل”  2012 ..إلي آخر تلك الإساءات التي لم تكن ولن  تكون ” شارلي أبدو ”  إلا  حلقة   واحدة  من حلقاتها البغيضة  .

 ورغم  تهافت  هذه الأعمال   وخلوها  من  أي ملمح فني أو إبداعي – ناهيك عن الأخلاقي  أوالجمالي – فقد تم الإحتفاء  والإحتفال بها  في  عواصم الدول الأوربية  ، وحظي  أصحابها  بالتكريم  والتبجيل  وأغدقت عليهم   أرفع الأوسمة و وأعظم الجوائز ،  وكان لفرنسا القدح المعلي في ذلك حيث جمع الرئيس    المخلوع  ساركوزي  في سنة 2009  بين ” الأختين  ”  تسليمة نسرين  و “هرس علي”  في مدينة باريس  وكرَّمهما   في حفل رسمي بهيج .

 لقد مضي الآن ربع قرن بالتمام والكمال ( 1989-2014  ) علي فتوي  الإمام الخميني  الذي   يمكن اعتباره – بفتواه تلك –     المؤسس الفعلي الأول   لتيار   ” نصرة النبي صلي الله عليه وسلم  ”  الذي  يتواجد اليوم في ساحات العالم الإسلامي ،  ويواجه  بقوة  موجة الإساءات التي يتعرض لها الإسلام في شخص رسوله الكريم .

لقد كان استحضار  فتوي الإمام  الخميني بهدر دم  ” سليمان رشدي ”   وراء  المظاهرات العارمة التي  خرجت سنة 1994  في العاصمة البنغالية  ” دكا ” احتجاجا علي رواية ” العار ” للمسيئة  البنغالية ” تسليمة نسرين ”    ثم امتدت  تلك المظاهرات  بعد ذلك   بأعنف وأشد  إلي الهند وباكستان وإيران وأندنوسيا ، حتى تم  طرد  ” نسرين”  – لا من القارة الهندية فقط – بل من قارة أسيا بأكملها ،  وهي  تعيش الآن شريدة طريدة في سراديب المدن الأوربية  وأقبيتها المظلمة ، ثماما مثل سلفها في الإساءة  والردة ” سليمان رشدي ” .
 

لو كان الإمام الخميني حيا   في أيامنا هذه  لكان  أصدر  فتوي  شرعية    تحرم   علي المسلمين المشاركة في مسيرة باريس  ، ولبارك  عملية الأخوين كواشي –  ضد الصحيفة الفرنسية ، ولأطلق  اسمهما  علي  شارعين  من أكبر وأجمل  شوارع  العاصمة  الإيرانية  طهران … وذلك رغم  أنف “هولاند”  و”ميركل”  و”نتانياهو”   ووزراء خارجية العرب .. و” ببكر  كيتا ” .

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة