الرأي

رسالة مفتوحة إلى قائد الأركان العامة للجيوش / محمد ولد الدباغ

« هناك خدمات تبلغ درجات من السمو لا يُرَدَّ جميلُها إلا بنكران الجميل »

ألكسندر ديما

حضرة الجنرال،

لقد ترددتُ كثيرا قبل أن أقرر أخيرا مخاطبتكم عبر هذه الرسالة المفتوحة.

وقد يتساءل البعض، وربما تتساءلون أيضا، لماذا – فى دولة قانون – يكتب مواطن مباشرة إلى قائد الجيوش؟

ردي على هذا السؤال هو أنني ممَّن يعتقدون – بموضوعية- أن بلادنا، وباستثناء الفترة الوجيزة ما بين مارس 2007 و6 أغسطس 2008، ظلت تحكمها، بشكل مباشر ومستمر منذ 10 يوليو 1978، مجالسُ عسكرية منبثقة من الهرم العلوي لجيشنا الوطني.

أكيد أن رئيس النظام الحالي، الجنرال السابق محمد ولد عبد العزيز، اختار الاستقالة من الجيش للترشح للرئاسة، ليس لمحاربة الفقر ولضمان الرفاه للشعب الموريتاني كما زعم، وإنما لاستخدام السلطات الواسعة التي يمنحه إياها هذا المنصب سبيلا مختصرا نحو الثراء الفاحش واللامشروع.

وكما تلاحظون دون شك، حضرة الجنرال، لم يحدث فى موريتانيا أن انخرط رئيس جمهورية بهذا الشكل من الحميمية فى التباهي بمراكمة أملاك مادية لنفسه وأسرته وعشيرته.

وأمام المضايقات المتعددة التي تتعرض لها مجموعتِي وأتعرض لها شخصيا منذ أكثر من ست سنوات، و– للأسف- فى غياب أي احتمال للجوء إلى العدالة الموريتانية التي – على غرار أغلب مؤسسات البلد- يُفْرط محمد ولد عبد العزيز فى استغلالها، أتوجه اليوم إلى مؤسستكم الموقرة والضامنة لاستقرار بلدنا فى نهاية المطاف.

وقد تذكرتُ أنني – وفى لحظات حساسة للغاية من تاريخنا القريب- لبيتُ شخصيا كما لبت مجموعتي نداء الوطن دون تردد.

كما تذكرت أخيرا أن مؤسستكم الموقرة تعرف كيف ترد الجميل، وسيتم التنويه إلى هذا لاحقا.

يوم 25 إبريل 2017 حوالي الخامسة والنصف، وصلتُ إلى النقطة الحدودية مع السنغال عند مستوى (سد دْياما)، حيث تعودتُ العبور منذ سنوات، لأن إجراءات المسافرين العاديين تأخذ هناك غالبا دقائق معدودة.

وبعد تجاوُزي بسلام لتفتيش الدرك والجمارك، وبناء على “تعليمات عليا وعليا جدا”، طلب مني وكلاء الشرطة الذين يعرفونني جيدا أن أنزل من سيارتي التي فتشوا بدقة لا متناهية كل ما حوته من حقائب ومقتنيات وأغراض شخصية.

وقد صادروا حاسوبي المحمول وهاتفَيَّ ومصورتي، وأمام احتجاجاتي المشروعة أبلغوني أن بإمكاني استعادة هذه المحجوزات فور عودتي.

لقد كانت هذه هي الحلقة الأخيرة فى تلك الفترة من مسلسل البلطجة الطويل الذي تعرضت له وبخاصة منذ العام 2012: استدعاءات متعددة إلى الشرطة الاقتصادية والإدارة العامة للضرائب وأمام المحاكم، ومضايقات لا تنتهي فى كافة المرافق العمومية، ثم اعتقال وسجن فى فبراير 2013 لسبب كاذب وبعد عبث المفوضيْن (فودي درامي) وسيدي ولد باب الحسن ووكيل الجمهورية الشيخ ولد باب أحمد بمحاضر الاستماع إليَّ من طرف الشرطة.

لم أكن، حضرة الجنرال، أحسبني أستأهل هذا التحامل من وطني الأم الذي خدمته على الدوام بحصافة وفاعلية، وغالبا فى ظروف صعبة.

وهذا تذكير، ليس بالضرورة شاملا، ببعض الخدمات التي أسدتْها مجموعتي وقدمتُها شخصيا للبلد بشكل عام وللجيش بشكل خاص:

ـ يوم 16 سبتمبر 2010، وبصفتي رئيسا لشركة موريتانيا آيرويز، تم إبلاغي بحاجة الجيش الاستعجالية لطائرة تنقل فرقة من مغاوير النخبة من أطار إلى النعمة، فأعطيت الأمر بأن تعود فورا إلى انواكشوط طائرةٌ كانت قد أقلعت قبل قليل من باماكو باتجاه أبيدجان وكان مبرمجا أن تواصل إلى برازافيل، إلا أنها أنزلت ركابها فى العاصمة الإيفوارية، وتم توجيه ممثلية الشركة هناك باتخاذ ما يلزم لتميكن المسافرين عاثري الحظ من استكمال رحلتهم بأفضل المتاح، وعادت الطائرة أدراجها إلى انواكشوط حيث حطت عند منتصف الليل، بينما كنا قد جهزنا طاقما مناوِبا، وتم استدعاء القائد (الحاج) للعودة من إنشيري، وسيساعده الضابط الطيار (غرُّوب عبد الباسط) ذو الجنسية الجزائرية.

ووصلت الطائرة إلى عاصمة آدرار على الساعة الثانية، بعد أن أكد لنا والي آدرار يومها (صال صيدو) أن أضواء المدرج تشتغل، وأن بالمطار سُلما نقّالا لتمكين الجنود من الصعود.

وبالفعل أخذ مائة وعشرون جنديا وضابطا من الفرقة الأولى لمغاوير المظليين مواقعهم فى الطائرة لينزلوا فى النعمة على الساعة الثالثة فجرا، وبعد أن أبلغَنا (محمد ولد محمد راره)، والي الحوض الشرقي يومها بتوفر الإضاءة فى المدرج ووجود سلم نقال لإنزال المغاوير فى ظروف جيدة.

لقد كانت ليلة طويلة وطويلة جدا، ما بين التحضير المادي للطائرة والحصول على الإذن من الوكالة الوطنية للطيران المدني ووكالة (آسكنا) اللتين تترددان كثيرا فى منح تراخيص لرحلات جوية إلى مطارات غير معتمَدة.

ـ يوم 18 سبتمبر، أي بعد يومين، كان الإنذار الثاني: لقد نفد كُلياً وقودُ طائرتين لسلاح الجو الموريتاني فى (تومبوكتو)، دون وجود أي قطرة من الكيروزين أقرب من مسافة ألف كيلومتر.  لم يكن ضروريا تزويدهم بالوقود فحسب، بل إمدادهم بالذخيرة للدفاع عن أنفسهم فى مواجهة عدو يترصدهم. وطُلب مني إيجاد الحل المناسب، فتم تفكيك مقاعد إحدى طائرات موريتانيا آيرويز وحلت محلها علب الكيروزين والذخيرة، وتولى القائد (بناهي) والضابط الطيار (محمد جدو) قيادة هذه “القنبلة الطائرة” فى عز فصل الخريف، وبدآ التزحلق بين الغيوم تفاديا للمطبات القوية التي قد تعرض الرحلة للخطر. وبعد أربع ساعات هبطت الطائرة فى (تومبوكتو) حيث اضطرت للمبيت بسبب عدم وجود مطار تخليصٍ على طريق العودة إلى انواكشوط فى رحلة ليلية، وهو ما عرَّضَ الطائرة لخطر جسيم. ولتمكين ضباطنا الذين تقطعت بهم السبل فى (تومبوكتو) من التواصل مع قواعدهم، استقدمتُ من باماكو عدة هواتف (ثريا) مع أرصدة معتبرة. وأؤكد لكم، حضرة الجنرال، أن محمد ولد بوعماتو، رئيس المجموعة، قد أعطى تعليمات صريحة بتكفُّل مجموعة بوعماتو بكافة تكاليف العملية وتسديد المبالغ المترتبة عليها إلى شركة موريتانيا آيرويز وإلى بقية المورِّدين. وهكذا لم تُصرَف فى العملية أوقية واحدة لا من ميزانية الدولة ولا من ميزانية الجيش.

ـ قبل ذلك، وفى الأسبوع الثاني من أغسطس 2010، أشرفتُ عبر طائرة خاصة على تنظيم رحلة سرية لوزير العدل (عابدين ولد الخير) ومستشاره فى مهمة صعبة إلى باماكو دامت ثمانا وأربعين ساعة وتكللت بالنجاح.

ـ يوم 14 أغسطس 2010 نظمتُ نقل الإرهابي (عمر الصحراوي) إلى مالي فى ليلة غائمة، حيث أجرتُ طائرة بوينغ 737 تابعة لشركة موريتانيا آيرويز سافرتُ على متنها مع المفوض (القاسم) وعميدٍ من الشرطة و(عمر الصحراوي). إن هذه العملية التي ظلت طي الكتمان حتى هذه اللحظة مكنت من تحرير الرهائن الإسبان الذين اختُطفوا قبل أربعة أشهر على طريق نواذيبو.

ـ لقد تم الأمر بكل هذا من طرف رئيس المجموعة محمد ولد بوعماتو، الذي أمضى أحيانا ليال بيضاء للتأكد من التنفيذ الجيد لبعض العمليات الحساسة.

ـ وقبل هذا، فى سنة 2005، بعد عملية (لمغيطي) وبحكم الموارد المحدودة التي كانت آنذاك بحوزة جيشنا الباسل، وتحت قيادة رئيس اتحاد أرباب العمل، محمد ولد بوعماتو، قرر القطاع الخاص تقديم الدعم اللامشروط للجيش. وبصفتي مساعدا مقربا منه، كلفني محمد ولد بوعماتو بالاتصال بمعتمد الجيش يومها، العقيد (الداه ولد المامي) الذي رُقيَ لاحقا إلى رتبة جنرال وعُين سنة 2008 مديرا عاما للجمارك، وبأن أضع تحت تصرفه، وباسم مجموعة بوعماتو، ما قد يطلبه من معدات وتجهيزات مدنية. وقد طلب العقيد (الداه) بشكل خاص عجلات من مختلف الأحجام وبراميل من سعة خمسين ليتر استُخدمت لنقل المياه.

ـ حضرة الجنرال، لقد تمت الإشادة بهذه العملية يومها من طرف سلفكم فى قيادة الأركان الوطنية، الذي كتب فى الرسالة رقم 0886 /ق.أ.و. إلى السيد بوعماتو، الرئيس المدير العام لمجموعة بوعماتو ورئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين: « إن التضامن الفعال مع قواتنا المسلحة الذي عبرتم عنه خلال عملية (لمغيطي) يمنحني الفرصة لأوجه إليكم شكري الصادق واعترافي العميق بالجميل. لقد كان كرمكم المصحوب بنكران الذات واستعدادكم الدائم اللذان ميزا مشاركتكم طيلة هذه الأزمة محل تقدير لا يختلف عليه اثنان. وسأكون ممتنا لكم لو نقلتم بهذه المناسبة شكري أيضا لكافة عمالكم الذين ساهموا فى هذا الجهد بكفاءة واستعداد وإخلاص ».

حضرة الجنرال، إن هذه الشهادة والاعتراف بالجميل من سلفكم الموقر، وبغض النظر عن واجبنا الوطني، كانا سببا إضافيا لاصطفافنا إلى جانبكم سنة 2010 فى تنفيذ العمليات المعقدة بامتياز والمشار إليها أعلاه. وقد سلمني العقيد الداه ولد المامي هذه الرسالة يدا بيد لنقْلها إلى السيد محمد ولد بوعماتو. وإضافة إلى هذه العمليات الخاصة بالجيش، وقفت مجموعتنا إلى جانب الجنرال محمد ولد عبد العزيز، قبل وبعد استقالته من الجيش، للإسهام فى استقرار البلد، والتفاوض حول استئناف المسار الديمقراطي بسلاسة.

وفى هذا المحور، سأذكر على وجه الخصوص التحضير والتكفل سنة 2009 بالزيارات الرسمية التي قام بها الرئيس عزيز إلى فرنسا والسنغال، ونقْل المرشح محمد ولد عبد العزيز وأسرته وهو يجوب عواصم الولايات إبان الحملة الانتخابية فى يوليو 2009. وأضيفُ إلى هذه القائمة الطويلة من الخدمات المسداة وضع طائرة (فالكون 900) وطائرة بوينغ فى سبتمبر 2010 تحت تصرف عزيز ووفده الكبير (وزراء، موظفين سامين، ثلاثين عنصرا من الحرس الرئاسي) للمشاركة فى احتفالات الذكرى الخمسين لاستقلال مالي، وقد أشرفتُ شخصيا على هذه العملية، دون أن ننسى- بالطبع- رحلات خاصة عديدة تكفلنا بتكاليفها لنقل زوجة عزيز وأولاده وأصهاره من موريتانيا إلى أوروبا ودُبي والسعودية. وأتذكر على وجه الخصوص تلك الرحلة الليلية من انواكشوط التي أمرتُ بهبوطها فى الدار البيضاء خوفا على إحدى بنات عزيز من خطر صحي داهم بعد ابتلاعها عرضِياً لقطعة لوز.

حضرة الجنرال،

عادة تكون لدى الدول التي تحترم نفسها آليات ورموز للتعبير عن عرفانها بالجميل لبعض مواطنيها الذين ينجزون أعمالا استثنائية. وفى هذا السياق يمكن إدراج رسالة الشكر التي بعث بها سلفكم إلى السيد بوعماتو فى نوفمبر 2005 بعد عملية لمغيطي.

ولا أخفي عليكم، حضرة الجنرال، أنني كنت أتوقع التوصل منكم برسالة مماثلة إليَّ ومن خلالي إلى مجموعة بوعماتو ورئيسها محمد ولد بوعماتو. وللأسف، لم يتم ذلك. صحيح أنه، وفى غضون تلك المرحلة، وصل عزيز، خلسة، إلى السلطة حاملا معه عادات جديدة، ولو يعد واردا الحديث عن شكر البلد لأبنائه المستحِقين ولا اعترافه لهم بالجميل.

لقد حل محل هذه القيم وقيم أخرى نكرانُ الجميل والكذب والكراهية المجانية والرشوة الممنهجة والثراء الشخصي لعزيز وشرذمة من حوله.

وفى سنوات قليلة هدَّم هذا النظام الدولة الموريتانية، فلم تعد هناك إدارة ولا عدالة ولا سلطة تشريعية، بل أصبح عزيز يقرر كل شيء، وأصبحت « الأوامر العليا » هي القانون، وفهِم المواطنون الأمر بسرعة فأصبحوا يتظاهرون أمام أسوار الرئاسة لعرْض مشاكلهم المتصلة بالماء والصحة والتعليم … ولم يعودوا يتوجهون إلى الحكام أو الولاة أو حتى الوزراء، فالمواطن يدرك حقيقة أن هؤلاء لا سلطة لديهم.

حضرة الجنرال،

لسنا وحدنا ضحايا جحود من أسديْنا إليهم خدمات لا تقدّر بثمن.

فالرئيس الراحل (اعلي ولد محمد فال)، قائدُ أول مرحلة انتقالية عرفتها البلاد وتُوجت بتسليم السلطة إلى رئيس مدني منتخب ديمقراطيا، وبطلُ حرب الصحراء الذي دافع عن الوحدة الترابية للوطن كالأسد الهصور، كان أيضا منذ 2008 وحتى وفاته ضحية أخرى من ضحايا نكران عزيز للجميل.

فقد حُرم من كافة الامتيازات المرتبطة بوظيفته كرئيس سابق للدولة، على الرغم من طلباته المتكررة ومن الدعوى التي اضطر لرفعها.

وفيما يخصني، ما الذي جنيتُه مقابل الخدمات الجليلة التي قدمتُها للأمة؟ هل تم توشيحي؟ هل نلتُ أي نوع من الاعتراف؟ هل اتصل بي قائد أركان الجيوش، ولو مرة واحدة، للتعبير لي عن عرفانه؟ هل كلف أحدا بذلك؟ هل قدَّر حقَّ قدرها تلك الخدمات الوطنية السامية؟ هل عبر لي عن أي نوع من أنواع التعاطف لما أودِعْتُ السجن ظلما يوم 5 فبراير 2013؟ حسب علمي، لم يحدث أي شيء من هذا؟

منذ 2012 تعرضتُ لسلسلة من المضايقات والاستدراج والتخويف والاستجوابات تُوجت بسجْني عدة أشهر سنة 2013 وبإصدار مذكرة اعتقال ضدي سنة 2017.

وتدفعني هذه الوضعية إلى أن أسأل نفسي سؤالين أساسيين: هل قيادة الأركان اليوم وهي تعبر عن هذا المستوى من اللامبالاة حيال ما قدَّمتُه من خدمات، هي امتدادٌ لقيادة الأركان سنة 2005 والتي وجهتْ إلينا رسالة الشكر والعرفان المشار إليها أعلاه؟

وفي ظل هذا المستوى من الحقد ونكران الجميل، أين يمكن تصنيف محمد ولد عبد العزيز، القائد الأعلى للقوات المسلحة؟ هل هو بشر أم وحش كاسر؟

على الرغم من هذين التساؤلين، تأكدوا أنني شخصيا ومجموعة بوعماتو لم نندم يوما على ما قمنا به خدمة للأمة، بل أكثر من ذلك، تأكدوا، حضرة الجنرال، أننا جاهزون فى أي وقت لمساعدة بلدنا الذي لا تزال تترصده مخاطر عديدة.

إنني على يقين من أن أكبر هذه المخاطر وأقصرها سبيلا لتقويض بلادنا هو بقاء محمد ولد عبد العزيز على هرم السلطة.

وأنا أيضا مقتنع بأن محمد ولد عبد العزيز هو المسؤول الوحيد عن الظلم الذي تعرضتُ له.

وفي الأخير، حضرة الجنرال، تقبلوا شخصيا، ومن خلالكم كافة الضباط وضباط الصف والجنود فى جيوشنا الباسلة، مشاعر احترامنا واستعدادنا، أنا شخصيا ومجموعة بوعماتو التي أتولي نيابة رئيسها، لتلبية نداء الواجب فى أية لحظة، كما فعلنا فى الماضي.

محمد ولد الدباغ، نائب رئيس مجموعة بوعماتو

اظهر المزيد

الشيخ محمد حرمه

رئيس تحرير موقع "صحراء ميديا"

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى