تقارير

سجال بين الحركات السياسية حول دورها في “التحريض” على المواجهات العرقية في 1989

سجال بين الحركات السياسية حول دورها في
البعثييون والناصريون والقوميون الزنوج والحركة الوطنية الديمقراطية تدافعوا المسؤولية
تدافعت الحركات السياسية الفاعلة في الثمانينات والتسعينات في موريتانيا المسؤولية عن “التحريض” و”الشحن العاطفي” الذي سبق ورافق الأحداث العرقية التي تم فيها استهداف الموريتانيين العرب في السينغال والموريتانيين الزنوج في موريتانيا، وانطلقت شرارتها الأولي في 9 ابريل 1989 بالسنغال واستمرت تداعياتها لغاية 1991 مخلفة الآلاف من الضحايا من الزنوج والعرب وترحيل عشرات الآلاف من مواطني البلدين الي الآخر.
الوزير السابق المحسوب على الحركة الوطنية الديمقراطية، إسلمو ولد عبد القادر، اتهم الحركات القومية العروبية (الناصريين والبعثيين) بأنها كانت وراء التعبئة العرقية وتحريض نظام الرئيس السابق معاوية ولد سيد احمد الطايع ضد الزنوج بتصويرهم على انهم “عنصريون” يسعون الي الإطاحة بنظامه وإقامة دولة عرقية في مالي مستغلين المحاولة الانقلابية الفاشلة التي كان يخطط لها ضباط زنوج في 1987.
ورد القيادي الناصري، النائب البرلماني الخليل ولد الطيب، في ندوة حوارية نظمتها صحيفة “أقلام”  الالكترونية مساء أمس، على اتهامات ولد عبد القادر نافيا أي دور للناصريين في التحريض على تلك الأحداث كما لا يوجد أي بيان أو  وثيقة رسمية صادرة عنهم في تلك الفترة  تشير الي دعوتهم أو تبنيهم لارتكاب انتهاكات في حق الزنوج الموريتانيين.  
وكشف ولد الطيب بأن تحقيقا قام به مسؤولون من الدرك وشارك فيه إسلم ولد عبد القادر بصفته مفتشا عاما لوزارة الداخلية خول ملابسات التجاوزات التي حصلت في ولايات الضفة، أشار الي انه في تلك الفترة كان ولاة الولايات الجنوبية الأربعة (كوركول، الترارزة، لبراكنة وكيديماغا) التي كانت كان 3 من بينهم محسوبون على الحركة الوطنية الديمقراطية وسجلت في ولاياتهم عمليات نهب ومصادرة  واسعة لممتلكات وأراضي الزنوج الموريتانيين وترحيلهم عبر النهر الي السنغال، بينما في الترارزة التي كان واليها، محمد الامين ولد الداه،  محسوبا على الناصريين نفى التحقيق حصول نهب لممتلكات الزنوج فيها مع اعترافه بترحيل ولد الداه للمئات منهم “تنفيذا لأوامر رسمية بهذا الشأن”، حسب ولد الطيب.
وأضاف القيادي الناصري بان الحركة الوطنية الديمقراطية هي من قام بتشويه سمعة الناصريين وتحميلهم “وزر” تلك الانتهاكات الجسيمة لغرض تبرئة نظام ولد الطايع في 2008 بعد انسحابه ومجموعته من الحزب الجمهوري ومعارضتهم للنظام، في الوقت الذي كانت فيه الحركة الوطنية تستعد للتفارب مع ولد الطايع.
من جهته اتهم السياسي المخضرم، لادجي اتراوري، من أسماهم بالمتطرفين في الجانبين العربي والزنجي بتهيئة الظروف المثالية لاندلاع المواجهات العرقية بين العرب والزنوج من خلال ترويجهم لخطاب “عدائي” تجاه الآخر وتعبئة المواطنين حوله منذ الستينات، وبلغ هذا “التحريض التراكمي” ذروته في التسعينات.  وشدد اتراوري على انه برغم كل ما حصل من سوء فهم وتحريض على الكراهية بين القوميتين إلا أن احداث التسعينات كشفت عن نماذج من التسامح والتعاضد بين المجموعتين حيث رفض الكثير من العرب قتل وتصفية  الزنوج أو نهب ممتلكاتهم بل وقدموا لهم الحماية.
القيادي في حزب الصواب البعثي، محمد الكوري ولد العربي، نفى بشدة أي دور للبعثيين في تأجيج الاحداث العرفية أو تأليب نظام ولد الطايع ضد الزنوج الموريتانيين، معتبرا بأن قادة البعثيين في تلك الفترة كانوا في السجون الي جانب القوميين الزنوج الذين اتهم النظام بالتخطيط لقلب نظام الحكم.
وأكد محمد الكوري ولد العربي أن القيادي القومي الزنجي، ابراهيما مختار صار، اعترف قبل أشهر في جلسات للحوار بين حزبه والصواب ببراءة البعثيين من التحريض أو المشاركة في الأحداث العرقية، وحين طلبوا منه إعلان ذلك الموقف للرأي العام رد بأن البعثيين هم من عليهم نفي تلك التهمة “الباطلة” عنهم وإقناع المجتمع الزنجي ببراءتهم.
من جهته نفي المسؤول الإعلامي لحركة تحرير الأفارقة الموريتانيين “افلام”، ممادو عبدو، أي دور لحركته في تحريض السنغاليين على قتل الموريتانيين في السنغال عام 1989 معتبرا بأن خطاب حركته تعرض للتشويه وسوء الفهم لأنه لم تعطى لهم فرصة في السابق لشرح موقفهم ورؤيتهم. وشدد على أن حركته ليست عنصرية ولا تدعو الي الفصل والقطيعة بين العرب والزنوج بل تسعي الي ترسيخ التعايش السلمي على “أسس صحيحة” غير القائمة حاليا.
الناشطة الحقوقية، لاله عيش سي، أكدت في مداخلتها، في ندوة “اقلام”، على ان القوميين العرب من ناصريين وبعثيين وأيضا القوميين الزنوج في “افلام” مسؤولان عن “إذكاء الكراهية” بين العرب والزنوج في موريتانيا وعن التحريض والتخطيط لوقوع أحداث 89 العرقية وما تلاها من مواجهات وصدامات بين القوميتين رغم إنكار الطرفين اليوم خلال الندوة لدورهما السلبي في تلك الاحداث.
وأضافت عيش سي أنه من “الجيد” ان يطرح اليوم كل من القوميين العرب و”افلام” خطابا مغايرا يدين تلك الاحداث ويسعي الي التعايش والتفاهم بين العرب والزنوج، لكنه كان من الأفضل لممثلي الحركتين الاعتراف بمواقفهم “المتطرفة” السابقة وإعلان تغييرهم لأفكارهم بشكل إيجابي يخدم الوحدة الوطنية.
وشهدت الندوة، التي استمرت من الخامسة مساء الي الحادية عشرة ليلا وسط حضور كبير من السياسيين والأكاديميين وإن لم تسلم من حدة في السجال في بعض الأحيان بين ممثلي الحركات الإيديولوجية بين المتدخلين الذين تجاوز عددهم 20 شخصا.
وكانت صحيفة “أقلام” قد نظمت ندوة نقاشية بمناسبة الذكرى 23 لإنطلاق شرارة المواجهات العرقية في 9 ابريل 1989 تحت عنوان “احداث 89: استخلاص العبر حتى لا تتكرر المأساة”. وأكد مدير الصحيفة، رياض ولد احمد الهادي، في افتتاحه للندوة، على أن هدفهم من إعادة وضع ملف تلك الاحداث على طاولة النقاش ليس نكئ جراح لما يندمل بعضها بعد، بل من أجل إعادة التأمل في أحداث تجاوز ضررها مئات الآلاف من الضحايا، ليصل إلى المجتمع ككل مهددا “بتقويض أسس التعايش بين مكوناته”.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة