تحقيقات

سجن بومديد.. ذكريات وشجون لمعتقلين متنوعي الأطوار

بشير ببانه

بصعوبة بالغة تصل السيارة إلى بومديد بعد معارك طاحنة من حبات الرمل الزاحفة من كل اتجاه، وبالكاد لا يصدق السائق نفسه بعد أن نجح في تخطي عقبة قد تساوي خسارتها، حياة عابريها.

خلف قضبان بيوت متهالكة في بيئة صحراوية قاسية ومنعزلة، وحيث لا طرق معبدة، والحرارة تبلغ معدلات قياسية، صور وقصص كثيرة، تروي فصولا مأساوية عن واقع السجون والمعتقلات، ومعاناة المعارضين السياسيين مع الأنظمة التي تعاقبت على الحكم في موريتانيا خلال العقود الماضية.
بين انزواء أحمد ولد داداه والخليل النحوي مع كتبهما وأذكارهما، وقوة تأثير شخصية جوب مصطفى، وبساطة حمدي ولد مكناس ورعيه للإبل، وعناد وعصبية ابريكه ولد امبارك، تتناثر الذكريات هنا وهناك؛ يروي المكان، على لسان ساكنيه، جزءا قاتما من تاريخ موريتانيا الحديثة، لكنه أيضا يمثل ذكريات لمن عاصروه، يمتزج فيها الإنساني بالرسميات وضوابط السجن والمنفى الصحراوي.

البيوت الخربة التي تآكلت جراء عوامل الطبيعة والجغرافيا، وغياب الصيانة، ليست سوى معتقل “بومديد” الذي ربما لا يتفوق عليه في القساوة سوى نظيره في مقاطعة ولاته بالحوض الشرقي.

هنا توقف الزمن مرات عديدة ببعض أشهر السياسيين والعسكريين، ورموز التيارات والحركات السياسية؛ الذين كانت لهم أدوار مفصلية في تاريخ موريتانيا، وذاقوا فيه صنوفا من المعاملات القاسية والإهانة النفسية؛ داخل جدران لا تقي من برودة الشتاء ولا حرارة الصيف، في أجواء لم يعتد عليها أغلبهم، في المقاطعة المنزوية غرب ولاية لعصابه على بعد 108 كيلومترات من عاصمتها كيفه.

يروي سكان حي “الدفعة” -حيث يقع السجن- حكايات وقصصا مثيرة عن نزلاء السجن وطريقة عيشهم؛ وظروف حياتهم داخل المعتقل.

ولد مكناس.. راعي الإبل

يحدق طبيب المقاطعة السابق (يُبَّ سيلي) خلف نظارته السوداء، وهو يتذكر فصولا من أحداث في تاريخ غابر، يبدو وكأنه بالأمس القريب، ويبدأ شريط الذكريات، الذي يحتل فيه وزير الخارجية الأسبق حمدي ولد مكناس، مكانا متقدما.

يقول سيلي إن ولد مكناس كان يوزع مبالغ مالية على عدد من فقراء المقاطعة كل يوم جمعة؛ وكانت تأتيه سيارة كل شهر تحمل بعض المواد الغذائية والملابس والعطور.

وزير الخارجية الأشهر في موريتانيا والذي شغل منصبه لمدة عشر سنوات، حل ضيفا على المعتقل عقب انقلاب الجيش على الرئيس المختار ولد داداه، في 10 يوليو 1978، فكان من نزلاء السجن الذين تركوا أثرا بارزا في حياة الناس، لم يكن مثيلا له سوى العقيد جوب مصطفى، ووصل التأثير إلى درجة أنه يمكن أن تصادف أكثر من مرة فتى أو شابا يحمل اسم جوب مصطفى ولد أحمد أو حمدي ولد مكناس ولد سيدي.

لم تكن تلك بداية قصة السجن بعد قيام دولة الاستقلال، فقد استقبل بعض الناشطين الطلاب والسياسيين بعد أحداث 1966، من بينهم شخصيات حقوقية وسياسية بارزة اليوم.

كان ولد مكناس عاشقا لحياة البادية وتقاليدها، واندمج فيها وغاص في تفاصيلها، وفي لحظة ما ربما نسي أنه سجين ومسؤول سابق، فقد منحه أحد وجهاء المقاطعة قطيعا من الإبل، وجد فيها حمدي أعظم هدية، وكان يتولى رعي القطيع في الوادي المجاور للسجن، ويقوم بتوزيع لبنه على السجناء والحراس وبعض السكان، كما شارك حمدي مع السكان في الزراعة، وكان يقطف معهم الحصاد.

خرج حمدي من السجن منتصف الثمانينات، على موعد مع سجن آخر بعد نحو عشر سنوات منذ ذلك التاريخ في تيشيت، ليفسح المجال لوافدين جدد من سجناء الرأي، هذه المرة من رموز شباب التيار البعثي ومن أبرزهم الخليل النحوي ومحمد الأمين ولد حرمة الله؛ وعبد الله ولد محمدو.

تتذكر أم الخيري بنت ساعو، السيدة الخمسينية القاطنة بجوار السجن، أن النزلاء البعثيين كانوا أكثر السجناء احتكاكا بالسكان باستثناء الخليل، وكان بعضهم يلعب “ظامت” ويمارس بعض الهوايات الرياضية.

بعد الانقلاب على حكم الرئيس محمد خونه ولد هيداله زج خلفه معاوية ولد سيدي احمد الطايع ببعض أبرز أركان الحكم السابق في معتقل بومديد؛ في مقدمتهم رجل النظام القوي النقيب ابريكه ولد أمبارك، والعقيد جوب مصطفى المدير العام للأمن الوطني، ويحفظ سكان المنطقة ذكريات متباينة عن الرجلين.

يروي سكان مجاورون للسجن، أن ابريكه كان عنيدا في مواجهة حراسه، ويوجه لهم الشتائم بشكل دائم، وأحيانا واجههم بالقول إنه قادر على الهرب من محبسه، فاضطروا إلى إبلاغ السلطات المعنية، فأمرت بتشديد الحراسة عليه ومنعه من الخروج لأي سبب كان.

يقول يب سيلى: “حاولت مد يد الصداقة إلى ابريكه، لكنه اتهمني بالعنصرية؛ وكان سليط اللسان؛ ويتجاهر بقدرته على الهرب”.

ويضيف الطبيب سيلى أن ابريكه يختلف عن جوب مصطفى، “فالأخير رجل هادئ؛ لكنه أصيب فجأة بمرض وظل طريح الفراش لعدة أيام، فطلبت مني الحكومة فحصه فتبين لي أنه كان مضربا عن الطعام، إذ يرفض تناول وجباته الغذائية لأنها معدة بطريقة سيئة”.

قرر والي لعصابه إخراج جوب من المعتقل، وطلب من سيلى أن يتولى الإشراف على رعايته؛ يقول سيلي: “ذهبت به إلى منزلي؛ وكنت أعد له وجبات جيدة حتى تحسنت حالته الصحية؛ لكن فجأة تلقت السلطات الإدارية في كيفه وشاية بأنني قمت بمساعدة جوب في الزواج؛ فأمر الوالي الحراس باستدعائي إليه، وقال لي: هل صحيح أنك قمت بتزويج جوب مصطفي؛ قلت له: إنه لا علم لي بالموضوع؛ وإذا كان بالفعل تزوج فأنت السيد الوالي من خطبت له؛ لأنه تحت حراسة مشددة من حرس لا يلتقي التعليمات إلا منك، وضف إلى ذلك أني لا أخاف أحدا ولا أتلقى التهديدات، فهو ليس ابن عمي لأني سوننكي وهو فلاني؛ والآن خذه معك، فلن يعيش معي بعد اليوم”.

يضيف سيلى أنه ذهب إلى نواكشوط والتقى وزير الداخلية جبريل ولد عبد الله (غابرييل سيمبير) وقدم شكوى من الوالي والحاكم؛ وقال له: “هل من أخلاق الدول أن تعمل على التلفيق وبث الشائعات المغرضة حول من يحاول مساعدتها؟!”.

يقول يب سيلى: “استمع إلي وزير الداخلية باهتمام، وسلمني ورقة صغيرة كتب فيها بضع كلمات وطلب مني تسليمها يدا بيد للوالي؛ ولما عدت إلى كيفه، سلمت الورقة للوالي فأخذ الهاتف واتصل على مسؤول الخزينة الذي جاء بظرف يحتوي مبلغ مائتي ألف أوقية وسلمها للوالي الذي مدها لي وقال: خذ هذا المبلغ، فقد طلب مني الوزير تسليمه لك. لكني رفضت أخذه وقلت له: لم أذهب إلى الوزير طلبا للمال، بل لأشكو منك؛ فرد الوالي علي بأن آخذ المبلغ، وأعطاني عهدا بأن الأمر لن يتكرر، وطلب مني صرف 70 ألف أوقية في بعض الملابس والعطور للسجين جوب مصطفى”.

يتذكر يبّ سيلي أنه لم تمض سوى أيام قليلة حتى صدرت أوامر من نواكشوط بنقل العقيد مصطفى إلى سجن ولاته.

 

ولد داداه.. الكتب والشجرة

عقب الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها العاصمة نواكشوط عام 1995، وعرفت باسم “أحداث الخبز”، وكان وقودها الطلاب والحركات والأحزاب السياسية المعارضة، بعد رفع سعر الخبز؛ اعتقل الأمن مجموعة من المعارضين، وجرى نقلهم إلى تيشيت في ولاية تكانت، أبرزهم رئيس حزب اتحاد القوى الديمقراطية /عهد جديد أحمد ولد داداه، ورئيس حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم حمدي ولد مكناس، الذي حل ضيفا على سجن ناء في ثوب منفى، للمرة الثانية في حياته، لكن صحته كانت قد بدأت تتدهور.

بعد ذلك بعامين، وتحديدا 1997 اعتقل ولد داداه والقيادي في حزبه الوزير السابق محمذن ولد باباه، وأيضا المحامي البارز محمدن ولد اشدو، على خلفية ما عرف بقضية النفايات الإسرائيلية، وكان بومديد في استقبالهم هذه المرة، بالنسبة لولد اشدو كانت تلك تجربته الثانية مع بومديد، بعد الأولى عام 1996.

تقول أم الخيري بنت ساعو إن ولد داداه كان منزويا؛ ولم يقبل الاحتكاك بالسكان المحليين؛ وكان يفضل قراءة كتبه تحت الشجرة المجاورة لفناء المعتقل.

وتضيف أم الخيري “كان أحمد ينزعج دائماً من شاب لا يكاد ينام حتى يوقظه، فالشاب يسكن بجوار المنزل يستيقظ الرابعة فجرا؛ وينشد بعض الأشعار والأذكار، بصوت عال”.

يقول الطبيب يب سيلى إن ولد داداه أصيب بآلام في العين، فرفض علاجها بدون طبيب فرنسي أو أخصائي قادم من داكار؛ يضيف الطبيب المتقاعد “طلبوا مني فحصه فقمت بعلاجه، وبعد ثلاثة أيام شُفي تماما، رغم أني وقتها لم أعد أعمل طبيبا”.

ويشير سيلي إلى أن أحمد ولد داداه لم يكن الوحيد الذي لم يقبل الاحتكاك بالسكان؛ فقبله كان الشاعر والإعلامي الخليل النحوي منشغلا بسبحته وأوراده؛ “وكان يأتيني في المنزل عندما يكون محتاجا لبعض الأدوية” يقول سيلي.

شباب جامعيون صاروا الآن في مقدمة صفوف سياسي المعارضة والسلطة، كانوا آخر ضيوف سجن بومديد، بعد الموجة الثانية لأحداث الجامعة عام 1997، ومن أبرزهم أحمد صمبه ولد عبد الله؛ وعبد الله ولد حرمة الله، بعد أن عانوا في نواكشوط من القمع، وحوصروا في مقر حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم، وكان من بينهم نجل رئيسه، أحمد ولد حمدي ولد مكناس.

أسدل الستار على آخر فصول السجن المثير التي امتدت لأربعة عقود من الزمن، لتنتهي بذلك ذكريات ما إن تخبو حتى تعود من جديد، في أذهان من عاشوا التجربة المريرة من جهة، ولدى رُوّاتها من أمثال يبّ وأم الخيري، حيث ارتبطا بالمكان، وما زالا يعيشان أحداث الماضي كأنها وقعت بالأمس.

بينما أصبح السجن بعد إغلاقه، منزلا لأسرة فقيرة وجدت فيه مأوى من نوبات الدهر، في بيئة صحراوية قاسية، اختيرت لتترك بصماتها على من أريد يوما ما أن يعاقب على موقف لم يرض السلطان.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة