الرأي

سنوات جمال / في ذكرى رحيل جمال ولد الحسن

سنوات جمال / في ذكرى رحيل جمال ولد الحسن

السيد ولد أباه
السنة  الدراسية1981 -1982 في نواكشوط:كنت تلميذا في السنة النهائية بالثانوية الوطنية في قسم الآداب الفرنسية.وبحكم علاقتي الأسرية الخاصة بفقيد الثقافة والعلم المرحوم جمال ولد الحسن ,كنت اصحبه أحيانا إلى المحاضرات العديدة التي يقدمها أسبوعيا في مختلف المؤسسات التعليمية العليا.

كان الشاب الذي لا يتجاوز عمره آنذاك 22 سنة هو ثاني  موريتاني متحصل على التبريز في الآداب ,تلك الشهادة العويصة التي لا تمنح إلا للعباقرة المتفوقين. استدعاه يومها عميد كلية الآداب بتونس الشيخ الوقور “احمد عبد السلام” وقال له :”أود أن أهنأك ثلاث مرات :لأنك الأول من دفعتك في المسابقة,ولأنك أول أجنبي يتحصل على التبريز من تونس,ولأنك اصغر متحصل على التبريز سنا منذ تأسست الجامعة التونسية”.
كان جمال يومها واحد من بين خمسة أو ستة أساتذة  موريتانيين يدرسون في التعليم العالي.ومع أن تخصصه في الآداب العربية والحضارة الإسلامية,إلا أن ظروف البلد الأكاديمية فرضت عليه أن يدرس علوما شتى.
حضرت أوانها دروسا ثلاثة مؤسسة ,أظن إنها تركت أثرها المكين في مسار البلد الثقافي .
كان الدرس الأول هو درس “الأدب الموريتاني ” لطلبة المدرسة العليا للأساتذة وهم يومئذ في غالبهم من ابرع خريجي المحاظر ومن المعلمين المخضرمين. سمع هؤلاء لأول مرة في حياتهم بمناهج النقد الأدبي الحديثة ,التي لم تدخل وقتها الحقل التداولي العربي إلا بصفة محدودة وبسيطة.كان جمال قد اعد دراسة مبتكرة حول أسلوب الشاعر الكبير “محمد ولد الطلبة” طبق فيها مناهج الدراسات الأسلوبية الجديدة.وفي قاعة الدرس بلور جمال فرضياته النظرية الخصبة وطبق آليات تحليل الخطاب المستمدة من النماذج اللسانية ,كما اشرف على تحقيق طلابه لكنوز الشعر الشنقيطي في القرن الثالث عشر التي أضاف إليها بعد سنوات تحقيقه الخاص  لديوان ولد امبوجة الضائع من مدونة هذا القرن الذي يمكن ان نطلق عليه عصر الأنوار في هذه البلاد.
وكان درس الأدب لصيقا بدرس التاريخ الذي شكل احد اهتمامات جمال الثابتة.ولا زلت اذكر الجلسات الممتعة شبه اليومية  التي حضرتها ما بين المؤرخ وعالم الاجتماع المرموق “عبد الودود ولد الشيخ” وجمال ,وقد كانت أوانها حافلة بجديد الاستكشاف في الحقل التاريخي .
اذكر في هذا الباب دراسته المثيرة والمتميزة حول “حركة الإمام ناصر الدين” التي قدمت تصورا جديدا غير مسبوق لهذا الحدث المحوري في تاريخ جنوب البلاد,بعيدا عن أشكال التوظيف الإيديولوجي المختلفة للموضوع.
أما الدرس الثاني الذي كان بقدمه جمال تلك السنة فهو درس الحضارة الإسلامية لطلاب المدرسة الإدارية الوطنية ,وهم اليوم من الولاة وكبار الموظفين ومن بينهم من تقلد وظائف وزارية مرموقة.اذكر كيف كان جمال يتحدث لطلبته عن نظريات الدولة والسلطة,وكيف كان يبدع في قراءته المبتكرة لأطروحة ابن خلدون في العصبية والعمران ,وكيف كان يحلل الدراسات الاستشراقية حول المدينة الإسلامية (لدى لويس غارديه وبرنارد لويس…).وعلى الرغم من المناخ السياسي المتوتر وقتها ,كان جمال يقف أحيانا عند الموضوعات الإيديولوجية والملفات السياسية,مبتعدا عن المواقف المباشرة وملتزما بأخلاقيات العالم الموضوعي المتجرد.
أما الدرس الثالث  الذي لا اذكر هل هو في هذه السنة أو تلك التي تلتها :فكان يقدمه لطلبة المعهد الإسلامي ,وهم يومئذ من كبار طلبة المحاظر ومن بينهم فقهاء بارزون .كان جمال يدرس مع نخبة من كبار علماء البلاد يقدرونه اشد التقدير اذكر من بينهم :العلامة محمد يحي ولد الشيخ الحسين والعلامة محمد سالم ولد المحبوبي والعلامة محمد سالم ولد عدود رحمهم الله .لم تكن الدراسات الإسلامية الجديدة قد دخلت الحقل الأكاديمي الموريتاني.
في درس جمال,استمع الطلبة لأول مرة إلى أعمال الجابري والعروي وحسن حنفي واركون …وبدفع من جمال بدا الطلبة الإسلاميون يطلعون  على الأفكار التجديدية لراشد الغنوشي ومنير شفيق وعلي شريعتي .
كان الدرس يمتد في المساء وأيام العطل في بيت جمال بضاحية توجونين التي انتقل إليها أوانها سكان انواكشوط الأوائل.
جانب من الدرس في “نادي الكثيب” كما كان يسميه الشاعر الكبير احمدو ولد عبد القادر ,ويعني الحلقة الخاصة التي تنتظم حول السياسي والمؤرخ والزعيم الوطني البارز المرحوم محمد عبد الله ولد الحسن(والد جمال).في هذه الحلقة التي تدار على التلة الشمالية في فناء البيت يحضر مؤرخ موريتانيا وعلامتها  المرحوم المختار ولد حامدن والشيخ الجليل محمد فال ولد البناني رحمه الله والزعيم الأمير المرحوم حمود ولد احمدو وعميد الشعر الحساني المرحوم محمدن ولد سيدي إبراهيم ….وربما حضر الجلسة بعض الزوار الآخرين  مثل الأستاذ الفاضل محمد محمود ولد ودادي الذي كان سفيرا  معتمدا في الخارج والشاعر والكاتب المرموق خليل النحوي(خل جمال وعيبة سره)  والشاعر اللامع عبد الله السالم ولد المعلى حفظهم الله.
في مكتبة جمال الشخصية الأهلة بأمهات الكتب واحدث المراجع يمتد أيضا الدرس ,ويتواصل العطاء الفكري الثري.
يمكن القول إذن إن السنوات الأولى من عقد الثمانينات كانت بدون شك “سنوات جمال” في الحقل الفكري والثقافي ..وهي بدون ريب سنوات مؤسسة لتقليد أكاديمي نستفيد اليوم من حصاده.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة