الرأي

عرض بعنوان: من بوراتين إلي انواذيبو، تاريخ مدينة عريقة

إعداد و تقديم: محمد المامي ولد الشيخ ماء العينين ولد أحمد زروق ، إطار في الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك SMCP

تمهيد:

لقد حاولت في هذا العرض تسليط الضوء على جزء غال من أرض الوطن رغم شح المراجع و ضآلة المعلومات، فعالجت الموضوع بتقسيمه إلى ثلاثة محاور رئيسية هي : ما قبل دخول الاستعمار و مرحلة الاستعمار، ثم مرحلة ما بعد الاستقلال و اعتمدت الكثير من المصادر المختلفة مع مقارنتها دائما و الرجوع إلى أكثرها مصداقية  هذا مع العلم أن عامل الوقت كان حاسما و لا مجال فيه للتأخير، فهذه المحاضرة عن تاريخ العاصمة الاقتصادية  انواذيبو لا تخرج عن كونها محاولة ً لبحث ذلك الموضوع الهام  و نواة ًيمكن البناء عليها في موضوع ندرت الكتابة فيه. و نحن في أمس الحاجة لمعرفة الكثير عنه.  

 

 

الموقع و الاسم والمعالم

 

تقع مدينة انواذيبو في شِبه جزيرة تدعى محليا بدخلت انواذيبو التي تبدأ من الرأس الأبيض جنوبا و يطلق عليه أيضا رأس انواذيبو و تنتهي شمالا بمنطقة تدعى راس الماء أو آطويفات، و يبلغ طول شبه الجزيرة  60 كلم تقريبا و عَرضُها يتذبذب حسب التضاريس و الانحناءات في الخليج الشرقي، و تحدد إحداثياتها علي الخريطة ب 21 شمالا و 17 غربا 

 

 

 

 

                                 

الاسم القديم قبل المستعمر:

الاسم انواذيبو نسبة إلى بئر قديمة تقع غرب حي لعريكيب حاليا و لا تبعد إلا بضعة أمتار غرب السكة الحديدية  و قد وقفت عليه رفقت بعض الشيوخ الذين سبق واستغلوه لسقي الحيوانات، و مياهه مالحة ُ إلا أنها في فترة الأمطار تميل إلى العذوبة فيتم استغلالها

و معنى اسم هذه البئر نواح الذئب أو الذئب الشره النهم و ربما كناية عن كثرة الذئاب في تلك المنطقة انذاك  ويطلق على تضاريس المنطقة آكركر و هي ذات صخور رسوبية.

 

ومن الأماكن القديمة الشهيرة  في شبه الجزيرة و المناطق القريبة  بترتيب من الجنوب إلى الشمال نذكر :

           كربت اشوايل : وهي المرتفع الصخري الذي بنيت عليه دار سكن الوالي حاليا والتي يطلق عليها الدار البيضاء و معناها هضبة النوق الحلوب .

           اكريب اذياب : و هي سلسلة مرتفعات صخرية صغيرة تقع موقع حي بغداد حاليا

           النبكة الزركة : مرتفع رملي  يقع غرب المدينة

           أم أشائف العود : مرتفع صخري يقع غرب محطة النقل (الاتحادية) حاليا

           أم أشايف التلية : مرتفع صخري يقع شمال  المدرسة 10 في حي مدريد حاليا

           وين سكون : منخفض شبه واد يمر شمال مركز شرطة مدخل المدينة حاليا

           جرف الكلامِ: كهف مطل على البحر عند مدخل المدينة

           سبخة الكلام : السبخة المحاذية لجرف الكلام و تقع شمال خليج النجمة أي كابانو 4 حاليا

           أكليب عمّـُو: عند الكيلومتر 27 شمالا من المدينة

           أربيط لعشار: عند الكيلومتر 32 شمالا و يعني مجموعة َ كثبان رملية منسوبة إلى نوق عشار أي هو مكان تواجد تلك القطعان من الإبل و يذكر أن الاسم أطلقه عليها مالك لقطعان من الإبل كان يقطن تلك المنطقة آنذاك قبل دخول المستعمر وهو المرحوم المختار بن محمذا ولد سيد

           لمصيبط : و يقع عند 37 شمال المدينة

           كربت لكريزيمة : مرتفع صخري شمال المدينة ب 39 كلم

           تنبرّاز: مرتفع رملي شمال غربي  المدينة

           اغراد لخريزَه:كثبان رملية

           كور اجفنة: مرتفعات صخرية

           دخلت اركيس: شبه جزيرة على الضفة الغربية للخليج شمال مدخل المدينة  و هي مصيد قديم و يذكر أن الساكنة آنذاك قبل الاستعمار كانوا يستغلونها خاصة عائلة المرحوم محمد بن المكناس

           آطويفات: منطقة واسعة عند نهاية شبه الجزيرة شمالا

           راس الماء: يعني رأس الخليج شمالا

           طرفيات المرْوح: خارج الدخلة و هي أشجار من الطرفاء أي الأثل و المروح تعني الإستراحة و يقال إن الاسم يعود إلى مكان استراحةٍ من رحلة نقل الماء من بئر العيوَج إلى انواذيبو قبل دخول المستعمر الفرنسي

           آرِكـِّتْ لمعيز : موقع خارج الدخلة يكثر فيه نبات الطلح و يصلح لتربية الماعز

 

 

 

 

النباتات

 

أما الغطاء النباتي في شبه الجزيرة و المناطق المجاورة فقد شهد نكسة كبيرة خاصة منذ السبعينات اثر الجفاف الذي ضرب غالبية البلاد و نذكر هنا بعض الأنواع لكي لا يطويها النسيان:

لعصل ، الغردك ، العكاية ، لحبالية، الظمران ، اسكاف، امركبة ، اصبط ، انسيل ، اسردون، اتيل، التمات ، الطلح، ايكنين، تورجة، الكرطوفة، الفولة، الركم، أكشيت، الطير، اربعيت لمعيز، ام اجلود، احدج لحمار، الريمادة، شم الطير، آفز، اسدر، افرشي، الحال، لبثينة، الترثوث، التيلوم، الفرنان،  …. 

 

مرحلة ما قبل الاحتلال الفرنسي  :  أي ما قبل 1902 م  شبه جزيرة الرأس البيض  أو  دخلت انواذيبو

 

تاريخ شبه الجزيرة و المناطق  المحاذية:

 

لقد تميزت منطقة ولاية داخلت انواذيبو بجملة من الخصائص الجغرافية والتاريخية ندُر توفرها في أي منطقة أخرى، فبسبب وجود منطقة الرأس الأبيض و حوض أركين الغنية بالأسماك و الأحياء البحرية، و وجود أرخبيل من الجزر في المنطقة الساحلية،  تميزت المنطقة الساحلية باهتمام الأقدمين، فالمتجول في مناطق الولاية عموما يلاحظ أن المنطقة عرفت و جودا بشريا منذ القدم، لازالت آثاره شاهدة ً في مناطقَ واسعةٍ من تازيازت تأكدها الرسومات الصخرية في مناطق الدواس و صطل وكمان و كذلك بقايا آثار الأواني الطينية في مختلف المناطق خاصة داخل شبه جزيرة الرأس الأبيض، و آثار المعدات القتالية المنحوتة من صخور البازلت و الاكرانيت المتواجدة أين ما حللنا في مناطق الولاية.

 

انواذيبو، مهد نشأة  دولة المرابطين :

و خير شاهد على الأهمية الإستراتيجية و المكانة التاريخية للمنطقة من مختلف النواحي  أن اللبنة الأولى لإنشاء دولة المرابطين انطلقت من منطقة حوض اركين و بالذات من جزيرة تيدرة   قرب قرية إويك التابعة لبلدية انوامغار، حيث أسس العلامة عبد الله ابن ياسين و رفاقه رباطـَهم الفكري و الديني و السياسي، الذي تطور و انطلق من هنا يحمل مشعل نشر المعرفة و الدين الحنيف في ربوع إفريقيا شرقا و جنوبا و استمر شمالا حتى حكم شبه جزيرة  ابيريا و بلاد المغرب و أجزاء من شمال إفريقيا لمدة ناهزت مئة و أربعين عاما تحت راية دولة المرابطين الشنقيطية.  وقد صنفت دولة المرابطين كدولة إسلامية، حكمت شمال غرب أفريقيا والأندلس ما بين  1056- حتى 1147 ميلادي.

امتد حكمها ليشمل جنوب الصحراء. اتخذت من فاس عاصمة لها بين 1056-1086م ثم أنشأت  مدينة مراكش و انتقلت العاصمة إليها عام  1086م.

و من أمرائهم  و قادتهم الأجلاء  نذكر و حسب الترتيب في الحكم  ببكر بن عامر و يوسف ابن تاشفين و علي بن يوسف و تاشفين بن علي و  إبراهيم بن تاشفين  و إسحاق بن علي.

 

فمنطقة انواذيبو قبل غيرها كانت منطلق المرابطين الأوائل من قبائل صنهاجة، و المكان الذي وجدوا فيه الحماية و الاستقرار حتى قويت شوكتهم و استقام عودهم و لو أن عوامل التعرية و الزمن لم تفعل فعلتها في الآثار،  لظلت قائمة على شواطئ الأطلسي ، لكن بالنظر إلى أن  طبيعة صخور المنطقة، صخور رسوبية لينة لا تصمد كثيرا أمام ملوحة مياه الأطلسي لم يتسنّ العثور على الكثير من بقايا تلك الآثار، هذا مع ملاحظة الغياب الكامل لأي حفريات أثرية أو دراسات تاريخية أو أثرية للمنطقة. فهذه المهمة لم تكن من اهتمامات المستعمر و لا الدولة الموريتانية بعد الاستقلال فالمستعمر يرى فيها ربط موريتانيا الحديثة بماضيها الناصع في نشر الثقافة و الإسلام و التسامح و الإصلاح و إحياء الجذور العريقة الضاربة في التاريخ و هذا ما لا يريده بالطبع.

 

وتشير مختلف المصادر إلى أن منطقة انواذيبو ظلت دائما مصدرا اقتصاديا من خلال الغذاء البحري الذي تجنيه الساكنة عبر العصور، فقد كانت ساكنة البدو المنتشرة منذ القدم في المنطقة تمر ذهابا و إيابا بقرى ايمراكن للتزود بالأسماك المجففة التي ظلت أهم احتياطي غذائي في المنطقة خاصة فترات الجفاف و الحروب و في المقابل يتزود ساكنة ايمراكن باللحوم و الألبان و البضائع المختلفة.

 

المكتشفون الأوربيون الأوائل :

اكتشف البرتغاليون منطقة  نواذيبو  سنة 1441 م وأطلقوا عليها اسم كاب بلاه (Cabo Blanco) حيث استقروا في منطقة جزيرة تيدرة و انشأوا فيها  ميناء سمي ب بورتانديك Portendick كانوا يستعملونه لتصدير الصمغ العربي العلك الذي كان يتوفر بكثرة في المنطقة  إلى أوروبا التي كانت تستخدمه  في مختلف الصناعات. و البرتغاليون هم من أطلقوا اسم كانصادو  و تعني عندهم مكان نهاية التعب  و زوال الخطر و هذا يشير إلى الهدوء الذي يتمتع به هذا الخليج و الذي يصلونه بعد الكثير من العناء عبر المحيط الاطلسي.

و تؤكد بعض المراجع أنهم في بعض المراحل اقاموا في جزيرة ا¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬كادير أواسط القرن السابع عشر و عقدوا اتفاقية مع الأمير اعل شنظوره و أنهم كانوا يجلبون الماء من بئر الكارب 40 كلم من الشاطئ

وقد ظلت هذه الشواطئ محط اهتمام مختلف الغزاة و المستكشفين فقد غزاها الهولنديون و الانكليز و الأسبان خاصة صيادو الباسك في نهاية القرن السابع عشر. و ذكرها  الرحالة و المستكشفون في كتاباتهم خاصة تيودور مونو و كوستو

 

النشاط الاقتصادي في تلك الفترة:

لقد عرفت المنطقة بساكنتها من البدو الرحل و صياديها المنتشرين عبر امتداد الشواطئ و لم تشتهر بكثير التقري رغم وجود العديد من الآبار  إلا مع دخول الفرنسيين إلى البلاد  1903  لأسباب كثيرة منها قلة المياه و قلة الأمن قرب الشواطئ، و مع ذلك ازدهرت تربيت الإبل هنا خاصة داخل شبه الجزيرة و هذا ما تؤكده القصص المتوارثة في هذا الشأن و مسميات المناطق وذلك بسبب خصوبة هذه المنطقة في تلك الأزمنة. و  من الأنشطة التي  مارسها السكان الأوائل تجارة القوافل و تبادل السلع مع الأوربيين خاصة الصمغ العربي مع البرتغاليين.

 

النشاط الثقافي و العلمي:

 

عرفت المنطقة مدا ثقافيا منذ أمد بعيد  وهذا ما تقره الوثائق و المراجع و الكتب التي لازالت ماثلة للعيان بين أيدي الكثير من العائلات فهناك المحاظر و الكتاتيب و الزوايا و لم تمنعها  الطبيعة البدوية  من التحصيل و نشر العلم فكان هناك العلماء و القضاة و الشعراء الذين ذاع صيتهم شرقا و غربا ، نذكر بعض رموز هذه  المحاظر التي ينطبق عليها قول العلامة  الشهير المختار ولد بون :

و نحن ركب من الأشراف منتظم       أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا 

قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة         بها نبين دين الله تبيانــــــــــا

محظرة أهل محمد سالم، محظرة أهل الشيخ محمد المامي، محظرة  أهل الشيخ ماء العينين، محظرة البخاري ولد الفلالي، محظرة أهل أحمد زروق ، محظرة أهل الرباني، محظرة أهل محمد بوب، محظرة سيد أمبارك ولد أحمد باب،  محظرة أهل ابّوه، محظرة أهل الشيخ عبد الله ولد صلاح الملقب: كلاه، محظرة حابيب ولد ابوبكر، محظرة أهل محمد موسى، محظرة أهل أحميدي بَهَيّ

 

وقد واجهت المحاظر الموريتانية تحديات كثيرة ً علي يد المستعمر الفرنسي الذي حاربها بكل الوسائل، ففي بعض المراحل فرض عليها لمزاولة العمل الحصولَ على التصاريح القابلة للسحب في أي حين و رغب و رهب ففي 1903 انشأ لجان مراقبة عليها، وقرر طرد طلابها الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 16 سنة و توجيههم إلى المدارس الفرنسية و لما لم يثمر ذلك أصدر مرسوما في 12 يونيو 1906 يقضي بصرف منحة ب 300 أفرنك لشيخ المحظرة مقابل أن يأمر طلابه بتخصيص وقت لتعلم الفرنسية. و لكن ذلك  كله لم يجد نفعا فظلت المحظرة الشنقيطية قلعة منيعة أمام مختلف التحديات و المكائد التي واجهتها على مختلف الأصعدة

 

مرحلة الاستعمار الفرنسي : ما بعد 1906 م  شبه جزيرة الرأس الأبيض أو بوراتين

 

الاهتمام الفرنسي بمنطقة انواذيبو:

 

بعد أن احتل الفرنسيون البلاد بدأت بعثاتهم الاستكشافية و العلمية تبحث عن سبل تحقيق الأهداف الاقتصادية  التي هي الغاية القصوى للمستعمر مهما تقمص من عباءات التستر و المخادعة، حيث راحت تجوب هذه البلاد طولا و عرضا بحثا، عن مكامن المعادن و غيرها من مصادر الثروة الدفينة و بالطبع لم تكن الثروة البحرية إلا إحدى هذه الاهتمامات الملحة، كغذاء جاهز للاستغلال خاصة إذا علمنا انه في تلك المرحة من عمر القارة الأوربية  قد بلغ التنافس أشده بين أساطيل الصيد، و قد بدأت مناطق الصيد تضيق و يقل مردودُها،  خاصة في البحر الأبيض المتوسط و بحر الشمال و المانش و أعالي الأطلسي.

لذلك قررت سلطة الاحتلال إيفاد بعثة استكشافية إلى المنطقة الممتدة من الرأس الأبيض إلى رأس تيمرست قرب انوامغار و كانت هي المهمة الأولى للباحث الفرنسي Gruvel على متن السفينة La Guyane للفترة من يناير إلى يونيو 1905، حيث أنه إثر تلك الرحلة  أكد غنى هذه المنطقة  بالغذاء الضروري لمختلف الأسماك التي لاحظ وجودها بشكل كثيف، و قال Gruvel بالحرف الواحد: إن الأنواع المتواجدة هنا تضاهي مجموع المتوفر في البحر الأبيض المتوسط و الأطلسي الشمالي و خليج غينيا ، و هذا ما تضمنه تقريره الذي تم نشره لاحقا  عام 1906، و كان له الأثر البالغ، إذ تم تبني التوصيات التي وردت فيه و ترجمته  في بعض الإنشاءات كان أولها منارة Phare الرأس الأبيض لإرشاد السفن أو غندير صب نور، وبعض علامات الإرشاد Balisage من خليج لفريي حتى كانصادو، و كذلك بناء رصيف عائم في خليج الراحة انتهى بناءه 1908 .  

 

 

 

 

 

 

 

 

تسمية شبه جزيرة انواذيبو بـ: بوراتين Port Etienne :

 

 

 

بعد نشر تقرير الباحث Gruvel و إثر الأهمية التي بدت شبه الجزيرة تـَحظى  بها من طرف المستعمر،  قرر  الحاكم العام لإفريقيا الغربية الفرنسية Ernest Roume   بتاريخ 15 أغسطس 1907 تسمية الميناء المنشأ حديثا  ب بوراتين « Port Étienne » و ذلك تشريفا لوزير المستعمرات السابق في الحكومة الفرنسية انذاك  Eugène Etienne 1844 1922 ،و هو فرنسي من مواليد وهران بالجزائر مثل وهران في الجمعية الوطنية ثم في مجلس الشيوخ خلال الجمهورية الثالثة.

و منذ ذلك القرار اعتمد المستعمر في ما بعد و في  مختلف وثائقه هذه التسمية التي أصبحت  دائرة إدارية  باسم  بوراتين Cercle Port Etienne. و قد اشتهر هذا الاسم في مختلف مناطق المستعمرات الفرنسية و ظهر على الخرائط انذاك. واستمر استخدامه حتي 1969 بعد الاستقلال.

 

وقد ظل هذا الميناء هو المنفذ البحري الوحيد حتى حدود 1955 حين بدأت شركة ميفرما MIFERMA بإنشاء الجزء الأول من ميناء انواذيبو الحالي الذي سيتم تطويره لاحقا عدة مرات بعد الاستقلال سنة 1960  بإضافة رصيف تجاري، و في سنة 1968 بإضافة رصيف للصيد البحري و في 1976 تمت تكملة رصيف الصيد البحري بالتعاون بين موريتانيا و الكويت و البنك الدولي .

 

 

 

 

أول شركة لاستغلال الأسماك في بوراتين :

 

 في هذه المرحلة من تاريخ شبه الجزيرة أنشأ المستعمر أول شركة لمعالجة الأسماك و تصديرها و بعض النشاطات الأخرى  SIGP عام 1919 Société Industrielle de la Grande Pêche  و قد مارس المستعمر من خلال هذه المؤسسة، الكثير من الأنشطة  التنظيمية و الاقتصادية و السياسية في منطقة الساحل عموما وفي شبه جزيرة انواذيبو خصوصا  و لازالت أثارها قائمة لحد الساعة، وكان مردودها على الساكنة  دون المطلوب فعلى سبيل المثال في سنه 1922 و في أوج ازدهارها كانت تشغل حدود 200 عامل و تشتري بعض منتوج ايمراكن من سمك أزول و تصدر جراد البحر  إلى فرنسا أما الأسماك المملحة و المجففة فتصدر إلى  جزر الكناري القريبة، و قد مارس القائمون عليها بعضا من الأنشطة الأخرى مثل التجارة العامة حيث امنوا تزويد السوق بالبضائع الاستهلاكية و وفروا بعض حاجة الناس من الماء الشروب. 

ففي المرحلة الأولى كانت السفن الفرنسية القادمة من مدينة مرسيليا  تزود المدينة الناشئة  بالمياه الصالحة للشرب قبل عملية  تحلية مياه البحر التي أنشأها المستعمر لاحقا لكي يتغلب علي شح المياه. و كان التوزيع في هذه المرحلة يتم حسب عدد أفراد الأسرة حيث يتم إعطاء الفرد 5 ليترات يوميا إن كان موريتانيا و 25 ليترا إن كان فرنسيا. و قد سكّت عملة خاصة لذلك الغرض تم تداولها لبعض الوقت.

هذه الشركة تولت مع ذلك تخزين التموينات الغذائية  و كذلك الإشراف على نقلها إلى الضفة الشرقية من الخليج ليستلمها الجمالة إلى مختلف نواحي البلاد و هو ما يطلق عليه كوَيّ، حيث أنشأت لذلك ميناء خاصا بالشحن عبر السفن الصغيرة الشراعية  في خليج الراحة و بنت مخزنا على الضفة الشرقية 1925 عند منطقة تنودارت وظلت هذه البضائع تنقل بهذه الطريقة حتى 1945 تقريبا 

البريد الجوي الاستعماري و إنشاء المطار:

في سنة 1920 م انشأ الفرنسيون مطارا في سبخة البونتية أي مكان المطار الحالي، شارك السكان في ردم تلك السبخة بتعويض رمزي و بمشقة كبيرة لا تخلو من الترغيب و الترهيب فكانت الطائرات تحط فيه في طريقها إلى بقية المستعمرات الفرنسية في غرب إفريقيا و آمريكا الجنوبية و شكل أحد النقاط الرئيسية في سلسلة عبور البريد الجوي الفرنسي بين الحربين العالميتين من مرسيليا جنوب فرنسا إلى البرازيل في امريكا الجنوبية .

 

 

المقاومة المسلحة:

تصدي الشعب الموريتاني للغزاة المستعمرين بكل ما أوتي من قوة عسكرية و ثقافية  و كان لمنطقة انواذيبو حظها الوافرَ من ذلك النضال الخالد فقد سطر المقاومون الإبطال بعزم لا يلين و لا يتقهقر أروع الملاحم البطولية و رووا  بدمائهم الطاهرة أديم هذه البقة من بلادنا الحبيبة، فلم يتركوه ينعم بالاستقرار و الطمأنينة في يوم من الأيام رغم العدة و العتاد الذي يملكه و سنذكر هنا بعض هذه الأحداث و بعض أبطالها التي كثيرا ما عتم عليها المستعمر كي يطويَها النسيان و لكن أني له ذلك:

معركة أم التونسي  الشهيرة  1932 و معركة 1920 بقيادة وجاه ولد الشيخ ماء العينين    و معركة  أكليل  بقيادة محمد المأمون  و معركة أهل الروظة داخل انواذيبو 1934 الشهيد أشبيه ولد أحمد باب و الشهيد الكوري ولد أحمد  و معركة آحميم 1924 و معركة الدواس 1924  في تازيازت و معركة حرك ادبش عند عين الظِـّ بقيادة إبراهيم السالم ولد ميشان إلى غير ذلك حيث تكبد المستعمر مختلف أنواع الهزائم و الخسائر

و بالنظر لأهمية المقامة و رجالها العظام من الأبطال والشهداء فقد أفردت لها اللجنة المنظمة محاضرة خاصة بها.

إنشاء ميفيرما MIFERMA:

 

 في  16 فبراير 1952 تم إنشاء ميفيرما  la Société Anonyme des Mines de Fer de Mauritanie

بعد الكثير من الدراسات و برأس مال مشترك بين فرنسا و انكلترا و كندا بالإضافة لبعض المساهمين الصغار حيث دشن أول كيلومتر من السكة الحديدية 5 مارس 1961 و في

12 ابريل 1963 أول قطار محمل بخام الحديد و في 27 ابريل 1963 أول عملية تصدير للحديد من انواذيبو و كان لإنشاء هذه الشركة أثر كبير على المدينة و تطورها.

 

مرحلة الاستقلال حتى اليوم : من 28 نوفمبر 1960  إلى اليوم شبه جزيرة الرأس الأبيض  أو ولاية داخلت انواذيبو العاصمة الاقتصادية لموريتانيا

 

الوضع الإداري :

 

ظلت دائرة بوريتن مدينة صغيرة ضئيلة السكان لم ينشئ المستعمر فيها إلا القليل من المنشات الضرورية لوجوده هناك، فلا صناعاتٍ و لا طرقَ و لا إنشاءاتٍ مهمة ً و ركز أنشطته في مؤسسة صيد الأسماك سي جي بي و في آخر المراحل ركز على استغلال المرفأ لنهب ثروة الحديد بإنشاء ميفرما في 16 ابريل 1952

  

بعد الاستقلال، أعادت السلطات الموريتانية إلى انواذيبو اسمها الأصلي على الرغم من أن جل الموريتانيين لم يتعرف علي الاسم بوراتين إلا من خلال الوثائق الاستعمارية، فظل الاسم الأصلي هو المتداول على نطاق واسع، و حملت انواذيبو في التقسيم الإداري اسم ولاية داخلت انواذيبو و لاحقا  ذات الرقم 8 في ترتيب ولايات الوطن.

 و ضمت مقاطعة واحدة هي انواذيبو و أربعة مراكز إدارية هي انوامغار عند رأس تيمرست و هو احد المصائد القديمة على سواحل المحيط الأطلسي  و كان دائما مأهولا بالسكان شانه في ذلك شان مختلف المصائد الأخرى، تكثر ساكنتهم اثناء فترة صيد سمك البوري الأصفر Mule jaune المسمى محليا بازول الذي يجففونه و يستخرجون زيوته، و تقل هذه الساكنة و تتحول غالبا إلى البادية و الآبار المجاورة في الفترات الأخرى ، و من المراكز الإدارية مركز بلنوار 85 كلم من انواذيبو و يقع على الحدود الشمالية الموريتانية و اسمه نسبة الى بئر بلنوار  2 كلم شرقي المركز الاداري  الواقع على السكة الحديدية الرابطة بين انواذيبو و وزويرات وقد شيد هذا المركز في منطقة تدعي اكريب لغنم حتى أن الساكنة المحلية تدعوه لكريب إلا أن  الاسم الإداري غلب في التداول، و أهم مايميز بلنوار وفرة المياه العذبة وهي اقرب نقاط المياه العذبة الي انواذيبو و لذالك تم تزويده من بلنوار بواسطة  الأنابيب بالماء الشروب، كما تستغل شركة اسنيم هذه المياه بواسطة منشآتها في بلنوار و تقوم بنقل المياه بواسطة قطار من الصهاريج  من اجل الاستخدام الصناعي و كذلك تزويد التجمعات السكانية على طول السكة الحديدية بالماء الشروب.

 

 و من المراكز الإدارية ايضا التي نشأت مع و جود تواجد قاعدي عمالي لشركة اسنيم على السكة الحديدية : انال عند الكيلومتر 255 من انواذيبو  في نقطة التماس بين تيرس و تازيازت و انال جبل يبعد عن المركز الإداري حدود 3 كلم و يطلق عليه الساكنة المحلية اخريص تيرس  و منها تميمشات في وسط السهول الرملية المسماة اذراع ازفال على بعد 319 من انواذيبو ، هذا مع الإشارة إلى أن هذه المراكز الإدارية تمثل أربع بلديات بنفس الاسماء.

 

 

 

 

انواذيبو و الاستقلال الاقتصادي و بداية الامل

 

مع القرارات الكبيرة و التاريخية ذات الطابع الاقتصادي التي أعلنها المرحوم الرئيس المختار ولد داداه  بداية بالانفصال عن العملة الاستعمارية 1973 بإنشاء العملة الوطنية الاوقية و تاميم ميفرما 1974 بدأت مدينة انواذيبو تخطو إلى الأمام و تتسع  فلم تعد تقتصر على الأحياء القديمة لعريكيب و صالة و الغيران و كانصادو و ازدهرت كمركز تجاري و كميناء يتم فيه استيراد معظم واردات البلد من الخارج، حيث يتم نقلها من انواذيبو إلى مختلف المدن الأخرى و عزز ذلك النشاط الاقتصادي التزايد المطرد والسريع في السكان إذ استقبلت المدينة هجرات كبيرة خاصة أثناء الجفاف الذي ساد في تلك الفترة و تعززت تلك الهجرات بعد إنهاء حرب الصحراء 10 يوليو 1978 و عودة الهدوء إلى المنطقة  و إنشاء بعض المؤسسات الوطنية التي تعمل في قطاع الصيد و انتعاش شركة اسنيم بعد تأميم ميفرما

  

و قد ظلت مدينة انواذيبو مدينة صغيرة نسبيا، و دون مخطط معماري واضح المعالم، حتى وقت قريب، و تحكمت العشوائية في معمارها الأولي خاصة المنطقة القديمة لعريكيب و صالة أي صالة المبلولة حاليا و أجزاء من الغيران، و كأن المستعمر لم يرد لها أن تصبح مدينة كما أصبحت اليوم ، فحتي 1986 لم يكن هناك و جود لكل انواذيبو الشمالي اليوم المسمى التخطيط أو انيمروات، الذي يمثل اليوم حدود 70 بالميئة من السكان فأول ترحيل للعشوائيات و أحياء الصفيح كان عام 1986 ثم تلته عدة عمليات و محاولات لحل مشكل الحيازة غير القانونية للأراضي  طبعتها الارتجالية و الزبونية و عدم وضوح الرؤية، و في كل مرة يتم الترحيل عن مكان معين تعود إليه الكزرة أو الحيازة دون إذن مرة أخرى، وكنها تنبت من جديد ، أو كأن السلطات الإدارية المتعاقبة علي تسيير وقيادة هذه المدينة لم تكن معنية بمستقبلها و واقعها السيئ الفوضوي الذي ظل إلى وقت قريب عاملَ عرقلة قويا في وجه تطور المدينة و ازدهارها ، و هذا ما دفع بالسلطات في عام 2010 باتخاذ بعض الإجراءات الحازمة لعلاج هذه المعضلة التاريخية حيث تمكنت في وقت قياسي من القضاء نهائيا علي الحيازة غير الشرعية و شق الطرق و إسكان المرحلين في أماكن مستصلحة و مزودة بالماء و الكهرباء و المدارس و المستشفيات، و هذا الإجراء النوعي و التاريخي يدخل في إطار سياسة إصلاح طموحة للإسكان و العمران تنتهجها الحكومة تطبيقا لبرنامج رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز .

 

 

 

 

 

 

انواذيبو اليوم:

 

 

مدينة تخطو في الاتجاه الصحيح، و تأخذ مكانتها الصحيحة كمدينة عصرية و عاصمة اقتصادية لبلد يتجه بكل إرادة و حزم نحو الإصلاح و البناء و التقدم

مدينه تساهم مساهمة قوية في الدخل القومي من خلال الأنشطة الاقتصادية الممارسة على أديمها مثل تصدير و معالجة خامات الحديد ،  و معالجة و تصدير المنتجات البحرية. مدينة تتوفر على  أربعة موانئ  بمواصفات مناسبة:  ميناء لتصدير خامات الحديد ويتم في النقطة المركزية ل اسنيم إنشاء ميناء منجمي جديد إلى جانب القديم، و هناك الميناء البترولي و هناك ميناء انواذيبو المستقل الذي يشهد حاليا توسعة مهمة و هناك أيضا ميناء الصيد التقليدي في خليج الراحة.

 و انواذيبو هي منفذ البلاد الشمالي علي  المغرب و أوربا من خلال البر و البحر و الجو و تتوفر على مطار بالموصفات المطلوبة و هو في طور التجديد و التوسيع حاليا، كما تربطها أحدث الطرق المعبدة بالعاصمة انواكشوط و تعتبر قبلة سياحية مهمة للسراح من مختلف البلدان، خاصة إذا علمنا أنه في الفترة الأخيرة تم تشييد مركز لإرشاد السراح في محمية الرأس البيض يضم شبه متحف بحري ويجري كذلك بناء مركز نموذجي لإرشاد السياحي لكل منطقة حوض أركين على الطريق الرابط بين انواكشوط و انواذيبو عند الكيلومتر 240 من انواذيبو

وتتوفر حاليا على المؤسسات التعليمية الفنية و البحرية  الضرورية التي هي في قابلية جيدة للتطور.

و من ما لا شك فيه أن المسار المتبع حاليا لإصلاح المدينة و تنظيمها و حل مشكل الكزرات سيكون خير محفز و دافع لرقي و نمو مدينة تملك كافة المقومات الضرورة لمدينة حديثة تليق بعاصمة اقتصادية و بوابة بلد على  العالم  الخارجي. و تحظى هذه الولاية بالكثير من المعادن الدفينة الثمينة كان آخرها معدن لكوارتز الذي سيتم استغلاله قريبا و تمتلك كذلك ثروة بحرية متنوعة تشكل سلة غذاء رفيعة القيمة التجارية و الغذائية و ما الإجراءات المتبعة مؤخرا في تثمين و ضبط التصنيف و النوعية في هذه الثروة إلا خير دليل علي جو المناخ  الإصلاحي و التصالح مع الذات الذي وفره و حفز إليه التوجه العام السائد في عموم البلاد ، فهذه الثروة التي ظلت عرضة للنهب الخارجي و التسيب الداخلي تمثل سنويا ما يعادل 22 بالمائة من صادرات البلد أي ما يناهز 303 مليون دولار أمريكي و ذلك حسب أرقام البنك المركزي الموريتاني للعام الماضي 2009 . 

 

 

أيها السادة

أيتها السيدات

انواذيبو تتميز بأنها مدينة جمعت كل الموريتانيين و إنتاجها يدخل كل بيت موريتاني فهي بحق عاصمتنا الاقتصادية فببنائها و الحفاظ على ثرواتها و التحلي بروح المدنية و الوطنية اتجاه و احترام القوانين المنظمة نكون قد قدمنا  أهم مساهمة   في إنعاش الاقتصاد الوطني و بناء موريتانيا دولة القانون و الرفاهية و الاستقرار و بذلك أيضا  نكون قد استوعبنا معنى الاستقلال الحقيقي  فالاستقلال السياسي قد حصلنا عليه فعليا 28 نوفمبر1960 و لكن المستعمر بقي في كل شيء، فلاستقلال الاقتصادي و الثقافي لازال منقوصا ما لم يعيش المواطن الموريتاني من داخل أرضه و يحقق اكتفاءه الذاتي  و يبني صناعته و يعتمد على ذاته و يغير مسلكياته في تسيير المال العام و يتصالح مع ذاته و خصوصيته و يتمسك بهويته الإسلامية السمحة الصافية و البعيدة كل البعد من الغلو والتطرف ، ويتمسك بهويته العربية الإفريقية العريقة، فهذا الشعب شعب ذكي و طموح و أرضه ارض غنية  بالثروات، و الفرصة ملائمة و مناسبة أكثر من أي وقت مضى في ظل ورشة البناء و الإصلاح التي تعيشها البلاد حاليا،

أيها الأخوة

أيتها الأخوات

 

هكذا نفهم روح الاستقلال  و هكذا عليه أن  يكون ،  و دمتم في رعاية الله و حفظه و السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته.

 

محمد المامي ولد أحمد زروق انواذيبو 11 نوفمبر 2010

 

  

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة