تقارير

عمر.. كادح يعيش حياة الليل في انتظار أمل يحمله أولاده

 
بخطوات متقاربة وعمامة سوداء تغطي رأسه ومعظم وجهه، وقميص يتدلى إلى نصف ساقيه، يتجول عمر؛ الحارس الليلي متأبطا عصاه جيئة وذهابا، وعينه ترقب سيارات بالكاد يبلغ عددها العشرة، ركنت بشكل منتظم على جانبي طريق فرعي.
 
يبدأ عمر، الذي يتمتع بلياقة بدنية جيدة، رغم تجاوزه الخمسين، عمله بعد أن يمضي من الليل أوله، ويستمر فيه حتى الصباح، بعد أن تعود إلى الشوارع حركيتها الطبيعية. ينتظر أحيانا عودة الذين باتت عيناه ساهدة لخدمتهم، علهم يقضونه حقه، ويضطر أحيانا للمغادرة دون أن يحصل منهم على شيء.  
 
من زبناء عمر من يفضل أن يدفع له مستحقاته المالية يوميا، ومنهم من يفضل أن يكون الدفع نهاية كل شهر، فيحصل في أحسن الأحوال على ثلاث مائة أوقية أو أربع من الراغبين في التعامل اليومي، ويحصل على تسعة آلاف أوقية من الراغبين في التعامل الشهري.
 
بحكم تجربته الطويلة نسبيا، يعلم عمر أن أمكنة حراسة السيارات تختلف من حيث مردودها المادي، ومن حيث عدم خطورتها الأمنية، ويفتخر أنه لم يتعرض أثناء تأديته لعمله لمشاكل، ولم تتعرض سيارته لعمليات السرقة.
 
عمر، خلال عمله في مكان واحد لسنوات، نسج شبكة علاقات مع أصحاب المحلات التجارية القريبة منه، ومع أهل الحي، وهو ما يمكنه من قضاء وقت يستمتع فيه بأحاديث السمّار على وقع ضربات كؤوس الشاي.
 
بعد ذلك يتفرق الجمع، وتغلق المحلات أبوابها، عندها يبقى عمر وحيدا، لا يؤنسه في وحدته إلا مذياع يثبّته بإحدى السيارات، تارة يستمع منه لمحاضرات دينية، وتارة لمقابلات في السياسة أو الاقتصاد، وأحيانا يسمع منه غناء.   لا يكترث كثيرا بما يقدم مذياعه بقدر ما يهمه أن يبقى صادحا بصوت عال يسمعه أينما قادته قدماه في تحركاته الاستكشافية.  
 
بعد نحو تسع ساعات من “الحراسة المملة” كما يصفها، يعود عمر من مقر عمله القريب من ملتقى طرق مدريد إلى بيته المتواضع الواقع في المقاطعة الخامسة (السبخة) في نواكشوط، سيرا على الأقدام، فيجد أهله ينتظرونه بالشاي وفطور الصباح، فيسلّمهم دراهمه المعدودة التي يقول إنها “لا تكفي لشراء حاجيات الأسرة”، ويتكتم على عدد أفرادها، وما إن ينتهي وأهله من الفطور، حتى تستسلم جفونه المرهقة لسهاد عميق، ينسيه مكابدة هموم الحياة، ولو إلى حين.
 
يستيقظ الحارس البسيط، مساءً، وبعد حديث لا يسمح الوقت أن يطول، يبدأ رحلة الذهاب إلى العمل، سيرا على الأقدام مرة أخرى.. رحلة لا تنتهي إلا وقد أرخى الليل  سدوله، ويستأنف عمله؛ الذي يحرمه النوم ليلا.
 
تمضي أيام عمر ولياليه بين عمله وبيته، يمني نفسه بأن يكفيه أبناؤه يوما معاناة الحياة ومقاساة شظف العيش، ليأخذ قسطا من الراحة في بيته بين أحبائه وذويه.   
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة