مقالات

عن المطار الجديد، رؤية أخرى

لم تثر صفقة في موريتانيا جدلا أكثر من ما أثارته صفقة بناء مطار نواكشوط الدولي التي تم منحها لـ”كونسورتيوم النجاح” المشكل من مجموعة شركات وطنية، جدل كان سياسيا في الدرجة الأساس، ولم يكن هذا الصخب السياسي والإعلامي مبنيا على أرقام ومعطيات تقنية محددة، فتم التركيز أساسا على ظروف منح الصفقة وما إذا تمت مراعاة الشروط القانونية في منح الصفقة.
سأحاول خلال هذا المقال المختصر النظر بزاوية مختلفة لهذا المشروع، حسب المعلومات المعلنة وحتى قبل انقلاب 2005 كانت الدولة قد أعلنت نيتها بناء مطار جديد يراعي المعايير الدولية وخارج المجال العمراني لمدينة نواكشوط؛ في نفس الوقت ومع التمدد العمراني لنواكشوط شرقا وشمالا أصبح موقع المطار القديم يطرح إشكالا مروريا متزايدا.
حسب تقرير صندوق النقد الدولي 12/246 الصادر في أغسطس 2012 والذي خصص ملحقا كاملا لصفقة المطار، فإن التقديرات الأولية لمشروع المطار الجديد تتراوح بين 400 مليون ومليار دولار؛ أي أنه يعادل ميزانية الدولة الموريتانية لسنة كاملة؛ طبعا تم تأجيل المشروع لعدم وجود السيولة الكافية وغياب مستثمرين متسعدين لخوض مغامرة بهذا الحجم.
في عام 2011 اقترح “كونسورتيوم النجاح” صيغة بناء المطار مقابل 451 هكتاراً من الأراضي في نواكشوط،300  هكتار منها تشكل مساحة المطار القديم؛ طبعاً من الصعب عمليا تقدير القيمة الفعلية للصفقة فنظريا سعر المتر المربع تحدده الدولة بستمائة أوقية، وهو ما يجعل  القيمة الجزافية للصفقة ثلاث مليارات أوقية، أي حدود10  ملايين دولار؛ لكن بافتراض التقييم الحالي للأراضي في منطقة تفرغ زينة بحوالي عشرة آلاف أوقية وبعد نزع عشرين في المائة للطرق والمساحات، تبقى360  هكتاراً، بقيمة 36 مليار أوقية، أي حدود120  مليون دولار؛ هذا دون احتساب تكلفة تهيئة الأراضي وتشييد الطرق؛ إذاً سقف الصفقة لا يتجاوز 120 مليون دولار، وهو مبلغ زهيد جدا بالمقارنة مع مشروع بهذه الضخامة (مليوني مسافر سنويا، بمهبطين من الخرسانة المسلحة، أحدهما مهيأ لاستقبال الطائرات العملاقة مثل 380 A الآيرباص).
ولوضع القارئ في الصورة سأقدم أمثلة للمقارنة لمطارات بسعة قريبة وأنجزت دراسته حديثا، الأول مطار الهواري بومدين في الجزائر والذي تم تدشينه في عام 2006 بسعة تبلغ ستة ملايين مسافر سنوياً، أي ثلاث أضعاف مطار نواكشوط الدولي، قام بتشييد المطار الجزائري العملاق الصيني (China State Construction Engineering) بعمالة صينية، وبتكلفة ثلاث مليارت دولار؛ أي ضعف تكلفة مطار نواكشوط 25 مرة وتم تأجيل تدشينه عاما كاملاً.
المثال الثاني هو مطار نانت الدولي (Notre dame de landesوالذي من المتوقع البدء في أعماله قريبا، ومن المتوقع أن يستوعب أربعة ملايين مسافر سنويا بمدرجين قدرت قيمة صفقته بما يعادل778  مليون دولار، تقوم الدولة الفرنسية بتمويل43  في المائة منها والباقي قروض واستثمارات خاصة؛ إذاً ضعف سعة مطار نواكشوط وتكلفة تعادل تكلفته ست مرات.
أما في مالي فقد انتهى مشروع تحديث المطار القديم، لتوسعة مدرج الإسفلت الوحيد من  2,706متر إلى 3,180 متر، وإضافة بعض المنشآت الأخرى لتصل سعة المطار إلى 900 ألف مسافر سنويا، أي أقل من نصف سعة مطار نواكشوط، التوسعة تمت بهبة من وكالة مساعدة تابعة للخارجية الأمريكية بقيمة 180 مليون دولار.
صيغة التمويل المقترحة وإن كانت مختلفة في صيغتها إلا أن إطارها العام معروف دوليا (PPP  Public Private Partnership)، واستخدمته الكثير من الدول الصناعية والدول النامية في بناء المشاريع الضخمة بدل التمويل المباشر والذي يحتم تقليص الميزانية وفي أحيان كثيرة الاستدانة من المؤسسات الخارجية، هذا النوع من التعاون يتم من خلال تعاقد بين الدولة ومجموعة كونسورتيوم خاصة تتكون عادة من: شركة بناء، شركة تأمين ومؤسسة تمويل توفر السيولة، يتعهد من خلالها الكونسورتيوم بانجاز المشروع مقابل تأجير المنشأة لمدة معينة أو بإعفاءات ضريبية أو من خلال امتيازات خاصة تقدمها الدولة في المقابل ولفترة زمنية محددة.
المختلف في حالة مطار نواكشوط الدولي الجديد هو أن الصيغة الحالية لا تتضمن أي اتفاق طويل الأمد، ولا أي تكلفة تشغيل، بالإضافة إلى أن المشروع – وحسب تقرير صندوق النقد الدولي – لن يشكل أي عبء على الميزانية، إذ لم تتأثر ميزانية أي وزارة أو أي قطاع خدماتي ولم تقم الدولة باستدانة أوقية؛ بل على العكس المشروع يشغل أكثر من ثمان مائة عامل جميعهم موريتانيون باستثناء أقل من عشرة خبراء أجانب متخصصون في بناء المطارات، أحدهم أشرف على بناء مطار جون كنيدي في نيويورك.
طبعا من نافلة القول أن هذه الأراضي التي تم احتسابها بتقدير مرتفع جدا كانت ستوزع من طرف الحكام على بعض النافذين وتجار القطع الأرضية، ولم تكن لتستمثر بصيغة أخرى أفضل لخدمة المواطن؛ والأمثلة كثيرة ومعروفة لدى الجميع.
من الناحية التقنية، فقد قامت الدولة باكتتاب مكتبEGIS  الفرنسي لمراقبة الجانب التقني للمشروع، وقد أكد مهندسو المكتب أن “كونسورتيوم النجاح” تراعي المعايير الدولية،  وقد أكد للفريق الصحفي الذي زار مؤخرا أرضية المشروع تقدم الأشغال ومطابقتها لدفاتر الشروط.
في الختام، بعيدا عن الجدل السياسي المختلق حول صفقة المطار، الواقع أن “كونسورتيوم النجاح” خاض مغامرة كبرى بتقدمه بهذا المشروع، وما أتمنى حقا هو أن يكتمل هذا المشروع ويسلم في وقته، وأن نبدأ التفكير بواقعية في طريقة لإنجاز مشاريع ضخمة في عاصمتنا التي تمر بأزمة منتصف العمر وهي لا تزال بلا صرف صحي ويختنق سكانها في زحمة مرور وليس بها  طريق سريع.
إن بلدا محدود الموارد ومحدود البنية التحتية، ولينفذ مشاريع بنى تحتية ضخمة أمامه ثلاثة خيارات، الأول الاقتراض وتسول الممولين الدوليين والقبول بشروطهم المهينة؛ الخيار الثاني هو توجيه الميزانية المحدودة أصلا لتشييد البنى التحتية على حساب قطاعات حساسة مثل الصحة والتعليم والأمن؛ أما الخيار الثالث وهو الأفضل فهو إيجاد صيغ حديثة للتعاون بين القطاع الخاص والعام توفر البنية التحتية الضرورية وتوظف عمالة وطنية.
محيي الدين ول المهدي، مهندس مقيم بالولايات المتحدة
 
————————————————————
مصادر:
http://www.airport-technology.com/projects/bamako-senou-international-airport/
http://fr.wikipedia.org/wiki/Projet_d’a%C3%A9roport_du_Grand_Ouest
http://www.imf.org/external/french/pubs/ft/scr/2012/cr12246f.pdf
http://www.jeuneafrique.com/Article/ARCH-LIN20078jcdeceriati0.xml/Actualite-Afrique–jcdecaux-vise-le-marche-regional-de-l-espace-publicitaire..html
اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة