تقارير

غلاء العلف وانخفاض سعر الماشية في مواجهة كارثة أودت بنصف مليون رأس من البقر

غلاء العلف وانخفاض سعر الماشية في مواجهة كارثة أودت بنصف مليون رأس من البقر

صحراء ميديا تقتفي أثر الجفاف في ولايات الشرق الموريتاني

محمد ولد زين

لا تخطئ عين الزائر لولايات الشرق الموريتاني هذه الأيام؛ نذر موجة جفاف بدأت تظهر ملامحها على الأرض والأشجار وجثث المواشي المتناثرة على جنبات طريق الأمل، الرابط بين العاصمة نواكشوط، وعاصمة ولاية الحوض الشرقي.

فغالبية الهكتارات خسرت غطاء نباتيا لم تسعفه الظروف الطبيعية هذه السنة ليتشكل في كثافته المعروفة في ولايات الحوضين والعصابة؛ والتي كانت تؤمن المرعى على مدار العام.

من مرتفع “اشكيك” إلى بطحاء “النعمة”؛ تتبدى معالم الأزمة؛ فقطعان الأبقار لا تبارح في الغالب حظائرها؛ فيما  تحاول الأغنام تسلق الأشجار؛ وأحيانا أعالي الجبال علها تحصل على كلإ بات شبه معدوم؛ وحدها  الإبل تبقى استثناء من القاعدة؛ في بلد تساهم الثروة الحيوانية في نحو 15% من ناتجه المحلي الخام؛ وتعتبر ­أول قطاع اقتصادي من حيث امتصاص البطالة إذ توفر ما يقارب   200.000 فرصة عمل؛ يحتل الرعاة صدارتها بـ 120.000 راع.  

عندما تسأل أحد المنمين؛ وهو يخطو متثاقلا خلف قطيعه؛ او جالسا يحتسى الشاي وقد أعياه وجود المرتع؛ عن الوضع الحالي؟ يرسل إيماءات وإشارات قبل أن يجيبك باللغة العامية “الحيوان اخل”.

شيخن ولد اسويدي؛ رجل خمسيني، لا يذكر تاريخ ميلاده الحقيقي ويستعيض عنه بـ”عام لحميره”؛  أحد رعاة الماشية في ضواحي تمبدغه؛ شرقي موريتانيا، قال لصحراء ميديا؛ إن موجة الجفاف الحالية سببها “نقص الأمطار، وهو ما جعل الأرض جدباء والحيوان يتناقص بفعل النفوق وقلة المرعى”؛ موضحا أن موجة الجفاف الحالية “غير مسبوقة وتذكره بجفاف هيداله”؛ وفق تعبيره.

وأكد ولد اسويدي؛ انه كــ”راع متجول” انتجع في ربوع الولاية  و”لم يبق أمامه سوى مرتع وحيد يقع بمحاذاة حاسي سيد عثمان، وقد بدأ البداة الرحل التوافد عليه، ولن يؤمن المرعى لأكثر من شهرين” .

راع آخر هو محمد ولد عثمان27 سنة؛ أكد لـ”صحراء ميديا”، وهو يجلب الماء بيديه من البئر لسقي أبقاره؛ عوضا عن الحمير والثيران التي يشفق عليها؛ أن “الأبقار تعيش عاما صعبا أدى إلى موت الآلاف منها؛ وما بقي يتم إسعافه بالأعلاف والقمح، والتي ارتفع سعرها أحيانا إلى 150.000 أوقية للطن”؛ الذي لا يبدو مجديا لان تلك القطعان “لم تعتد يوما إلا على الغطاء النباتي الطبيعي”.

وأضاف ولد عثمان؛ أن هناك الكثير من الأبقار والمواشي عادت من مالي بسبب الجفاف وان “الوضع محرج جدا”؛ على حد وصفه.

أما الراعي الشاب يحي ولد شيخنا 16 عاما؛فقد حكى بمرارة كيف انه خسر الكثير من الأبقار خلال الموسم؛ ويعجز اليوم عن استدراك الموقف نظرا لتراجع أسعارها؛ حيث وصل سعر البقرة إلى 42000 أوقية، بدلا من سعرها الطبيعي 120000 أوقية في السابق؛ ولا يختلف وضع قطعان الأغنام؛ إذ تراجع سعرها من 19000 أوقية للرأس الواحد سابقا إلى 9000 أوقية حاليا بـ”النسبة للكبش السمين”؛ يقول يحي.

 

تحذيرات

قبل أشهر حذر خبراء وزارة التنمية الريفية الموريتانية من كارثة حقيقية ستصيب الثرة الحيوانية في ولايات الشرق الموريتاني؛ تتمثل في نفوق جماعي للأبقار؛ قدر في لعصابه وحدها بـ 700 ألف رأس من البقر ، منها ربع مليون رأس في مدينة كنكوصه وحدها “تعيش حالة مزرية”.

ورغم غياب إحصائيات دقيقة؛ فإن الرعاة والمهتمين بالموضوع يؤكدون أن ولايتي الحوضين؛ فقدتا جراء موجة الجفاف الحالية ما يقارب “نصف مليون رأس من البقر”.

لا يذكر المنمون في الحوضين الذين التقتهم صحراء ميديا؛ أية مساعدات من الدولة؛ رغم أن أوساطا عليمة أكدت لنا أن السلطات الموريتانية؛ وزعت مجانا خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين  قرابة 900 طن من القمح على منمي الولايات الشرقية؛ تصدرتها ولاية الحوض الشرقي بـ 500 طن؛ و250 طن للحوض الغربي، فيما حصلت ولاية لعصابة على 150 طنا.

ولو أخذنا افتراضا ولاية الحوض الغربي التي حصلت على 250 طنا من القمح بصورة مجانية؛ وهي التي تحتضن ثروة حيوانية تقدر بمليون رأس من الأغنام و250 ألف رأس من الأبقار و75 ألف رأس من الإبل وعددا من الخيول والحمير يتراوح ما بين 3500 إلى 4000 رأس؛ ندرك اتساع الهوة بين الكائن وما ينبغي أن يكون.

ومما يزيد من حجم الكارثة؛ أن الغابات؛ التي طالما ظلت ملاذا للكلإ والمرعى، شارف مخزونها من الغطاء النباتي على النفاد؛ وهي التي تغطى قرابة 242  ألف هكتار من عموم التراب الموريتاني.

ويرى مهتمون بشؤون التنمية أن سبب موجة الجفاف الحالية يكمن في نقص الأمطار؛ حيث تعتمد نسبة 90 % من الماشية على المراعي ؛ بينما تعتمد 10 % منها على تربية البيوت والمزارع النموذجية.

هذه الثروة التي تقارب الـ 20 مليون رأس؛ منها 16.4 مليون رأس من الضأن والماعز و1.4 مليون رأس من الأبقار و1.5 مليون رأس من الإبل؛ باتت اليوم مهددة في بلد صحراوي لا يتجاوز أعلى معدل للأمطار فيه حاجز 600 مم سنويا في منطقة الضفة، وينخفض المعدل شمال البلاد ليصل حاجز الـ 50 مم.. وقد يكشف قادم الأيام جوانب أخرى لكارثة لما تبح بكافة أسرارها المأساوية.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة