مقالات

فتوى للشيخ محمد سعيد بن بدي تحرم تعاطي الدخان وتجيب عن الشبه المثارة حوله

رغم أن الدراسات والإحصائيات حول الصحة في العالم أكدت جميعها على خطر الدخان وفداحة عواقبه ونَبَّهَت على أنه العائق الأول للتنمية البشرية في العالم، إلا أنه مازال ينتشر بوتيرة مرتفعة ويحصد على مدار اللحظات والثواني من الأرواح أكثر مما تحصد الحروب في العالم،  وإذا كان يمكن فهم سبب انتشاره واتساع أعداد متعاطيه نظرا للحملات الإعلامية الترويجية المسعورة له والتي تدفع به على واجهة السلع المعروضة في العالم وتفرض ضمان تسويقه بلا حدود، فإن الشيء الذي لا يمكن فهمه إلا في إطار التأويل الفقهي البعيد من جادّة التمسّك بروح النص الشرعي هو ما يلفظه بعض المحسوبين على الفقه الاجتهادي والذين يُصدرون من حين لآخر فتاوي أو مقالات أو مقولات تُدرِج تعاطي الدخان في دائرة الجواز ويذهب هؤلاء في تعليلاتهم إلى أن شجرة التبغ من أصل المباح ويسُوقون لذلك جملة من الاعتبارات الشرعية التي قد ينطلي ضعفها وهلهلتها على الكثيرين ممن ليست لديهم ثقافة شرعية مؤصّلة وعميقة، وهو ما يُحدث حالة من الارتباك إن لم نقل صدمة وتذبذبا عميقين لدى بعض الجمهور المسلم، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تمادي الكثيرين في اعتماد القرار الخاطئ بمواصلة تعاطي الدخان متذرّعين بأن مثل هذه الفتاوي تخلق على الأقل حالة من الخلاف الفقهي في الدين الإسلامي تجعلهم في سَعة من أمرهم إن شاؤوا أمسكوا عن الدخان أو واصلوا في تعاطيهم له دون استشعار أي حَرج، انطلاقا من هذا الواقع المُربِك والذي لا مسوّغ له والعالم مجمع على الضرر البالغ للتدخين ويُخلد في مثل هذا اليوم من كل سنة اليوم العالمي لمحاربة هذه الظاهرة القاتلة فقد وجهتُ لفضيلة الشيخ محمد سعيد بن بدي المدرس في محظرة النباغية وأستاذ الفقه وأصوله في جامعة شنقيط العصرية سؤالا يتعلق بحكم الدخان شرعا وعن الشبه التي تثار حوله وموقف العلماء قديما منه، وعن كيفية تحديد الضرر الذي هو مناط التحريم، وما يدل على ذلك من نصوص الكتاب والسنة، وغير ذلك مما يعرض للمسألة محل التساؤل، فأجابني حفظه الله جوابا مفصلا يمكن الرجوع إليه في رسالة مستقلة – ستطبع لاحقا إن شاء الله مع جملة من رسائله وفتاويه -مؤكدا فيها على حرمة التدخين شرعا، ومنعه بكل أنواعه، كما تعرّض للشبه التي قال إنها قد تُوهم جواز التدخين، مؤكدا على أن خلاف الفقهاء في هذه المسألة ليس خلافا في فقه، وإنما هو خلاف في تحقيق مناط حكم، فمن ثبت عنده ضرر التدخين أفتى بالتحريم ولا يسعه إلا ذلك، ومن لم يثبت عنده الضرر تمسك فيه بأصالة الإذن والتحليل، موضحا في هذا السياق أن كل ما ينقل عمن سبق من العلماء من إفتاء بتحريم أو تحليل فمرجعه إلى تحقيق الضرر أو نفيه، ليصل في نقاشه للمسألة إلى أن المرجع اليوم في إثبات الضرر إلى نظر الأطباء فقط، وأما الفقهاء فإنما يبنون أحكامهم على ذلك النظر الذي إن أثبت الضرر المتمحض حَكَمَ الفقهاء بالمنع، وإن حكم بأنه نفع متمحض أفتى الفقهاء فيه بالإذن، وإن أثبت أن فيه نفعا وضررا كان نظر الفقهاء في الترجيح بين المفسدة والمصلحة؛ والأطباء اليوم مجمعون على شدة ضرر التدخين، فقد نادت بذلك تقارير منظمة الصحة العالمية وإعلاناتها معتبرة هذا الفعل من أعظم أسباب الهلاك البشري في العالم، كما ألف المتخصصون أيضا واستخلصوا النتائج الكارثية ذاتها الناتجة عن تعاطي الدخان، وذكر بعض تلك الأضرار مستندا في ذلك لما نشرته منظمة الصحة العالمية على موقعها، ومحيلا على بعض المراجع التي ألفت في هذا الموضوع، ثم ناقش الشيخ محمد سعيد المسألة من الزوايا الأصولية والفقهية وحقق فيها المناط واجتلب النصوص التي تدل على التحريم، وناقش الكليات الفقهية ليصل إلى الحكم الشرعي في النازلة محل الجدل والاستشكال مشيرا إلى أن الضرر الذي هو مناط التحريم هو “ألم القلب”، فلا يتوقف التحريم على أن يبلغ الضرر بالإنسان الموت، كما أن العلماء لم يفرقوا في التحريم بين سمّ ساعة وسمّ سنة، مستدلا بأن دليل منع الضرر، وهو حديث: “لاضرر ولا ضرار” عام في أفراد الضرر، وعموم الأفراد يستلزم عموم الأزمنة، فيتناول الضرر العاجل والآجل، فمدعي التخصيص هو المطالب بالدليل، واستدل بالحديث”ما زالت أكلة خيبر تعادني” الذي اعتبره صريحا في أن المفسدة الآجلة معتبرة في نظر الشرع؛ يترتب عليها حكمها وإن لم تكن حاصلة في الحال، كما تعرض في الفتوى -كما أسلفنا -للشبه المثارة حول حكم تعاطي الدخان مثل الدعوى أن الضرر المآلي ليس مقصورا على الدخان، بل يوجد في المطعومات كاللحم والسكر وغيرهما، فقد يقال: إن إجماع الأطباء على ضرر السكر مثلا مع إجماع المسلمين على إباحته قد يمنع اعتبار الضرر الآجل مناطا للتحريم ، فيجيب الشيخ محمد سعيد على هذا :”بأن دعوى التخصيص بالقياس على ما فيه ضرر كاللحم والسكر ونحوهما – مما قال الأطباء: إن فيه ضررا، وأجمع المسلمون على إباحته- ممنوعةٌ، إذ هو قياس مع وجود الفارق؛ لأن ما ذكر من اللحم والسكر وغيرهما من المطعومات لها منافع كثيرة محققة وعامة، وتحتاج لها الأبدان، وتتضرر بسبب نقصانها، وذلك هو مقتضي الإذن، وليس في هذه المواد ضرر عاجل أو آجل على ذي بدن معتدل، ما لم يقع إفراط في التناول بحيث يؤدي إلى زيادة المادة في البدن، إذ ما زاد على قدر حاجة البدن يوجب للبدن الضرر، بينما لا يوجد في التدخين نفع أصلا بشهادة الأطباء، وأضراره عامة ومحققة، وعليه فإن من أراد التخصيص بقياس الدخان على المطعومات التي قد تضر بالأبدان فإنه يقدح في قياسه بقادح الفرق كما هو مقرر عند الأصوليين..

وختم الشيخ محمد سعيد بالقول إن الخلاف في التدخين إنما هو خلاف في شهادة، وهي أن يكون قول كل من المختلفين مرتبا على حالة ينفي غيرها، ولو وافقه مخالفه على انفراد تلك الحالة لوافقه في الحكم، ولذلك ذهب إلى أنه لا يوجد خلاف حقيقي بين من أفتى بالحِليّة ومن أفتى بالتحريم، وإنما الخلاف هل الضرر الذي هو مستند التحريم ثابت أم لا، وإذا كان المرجع في إثبات الضرر للأطباء – كما أسلفنا – ولا خلاف بينهم اليوم في ثبوت الضرر، لم يبق خلاف بين الفقهاء في منعه، إذ لا يقول فقيه أن ما تمحض ضرره مباح.

نص الفتوى
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة