الرأي

فطام الشيوخ/ أحمد بن محمد عبد الحي

فطام الشيوخ/ أحمد بن محمد عبد الحي

كلنا نتذكر كيف أن الموريتانيين، ممن أتيح لهم الوصول بطريقة أو بأخرى إلى المال العام في الفترات السابقة، طبقوا ـ إلا من رحم ربك و هم قلة مع الأسف ـ مثلهم القائل: ” أمن اتولً شي ظا ﮔـــو” و معناه في سياقنا هذا أن من تولى تسيير شأن عام، سواء كان ميزانية أو أملاك عمومية….، حوله إلى حسابه الخاص بكل بساطة دونما رقيب أو حسيب، و إذا لم يفعل اعتبر دنيئا و لا يستحق ثقة رؤسائه و لا أن يعهد إليه بتسيير أي مرفق عام مهما كان متواضعا، و في كثير من الحالات يعاقب بالفصل أو على الأقل بالتحويل من هيئته إلى هيئة أخرى أقل شأنا.

وقد ينعت بالتزمت و التعقد، و بالتالي ينبغي الاحتراز منه! ثم ينتهي به الأمر أن تصبح لعنة ” يأخذ الأمور بجدية، prend les choses au sérieux Il ” تطارده أينما حل و ارتحل أثناء حياته الوظيفية، كما يصبح عرضة للتهكم و الازدراء من طرف رؤسائه و مرؤوسيه و زملائه، فينعتونه بعدم الكفاية كإطار  (“الإطار” في المفهوم الموريتاني هو موظف يسند إليه تسيير ميزانية عامة كيفما كان تدني مؤهلاته و يستولي على ما عهد إليه بتسييره حتى يكسب احترام و تقدير المجتمع و احترام و تقدير الرئيس حتى! فقيمة الرجل تتحدد بما يستطيع الاستيلاء عليه و الغاية تبرر الوسيلة. ) هكذا كانت حال موريتانيا ما قبل ولد عبد العزيز ، أليس كذالك؟

 الغريب في الأمر أن كل الموريتانيين و على رأسهم المفسدين وأكلة المال العمومي(المستفيد الأول من تلك الوضعية) أصبحوا في مرحلة ما متذمرين من حالة التسيب و الفساد الذين طبعا تسيير الشأن العام خلال فترة حكم ولد الطايع الطويلة والفترتين اللاحقتين لها. ضاق الناس ذرعا بما كانت عليه الأمور و أصبح الكل مؤمنا إيمانا راسخا بأن نهج الفساد ذاك و نهج التزوير والكذب حتى على المؤسسات الدولية لا يمكن الاستمرار فيه و أنه لا بد من إحداث تغيير ما، فكان ما كان من احتقان سياسي و انقلابات و شد و جذب

لكن الأغرب من ذلك هو أنه عند ما جاء ولد عبد العزيز إلى السلطة و رفع شعار محاربة الفساد و المفسدين و جعله أحد أهم أهداف برنامجه السياسي و التنموي نسي بعض الموريتانيين، مستفيدين و محرومين على حد سواء، كل ويلات الفساد و ما جر إليه من خراب اقتصادي و تدهور في أداء مؤسسات الدولة و هياكلها و غياب مصداقيتها في الداخل و الخارج. فارتفعت الأصوات منددة بالطريقة التي يسير بها ولد عبد العزيز مقدرات البلد، متهمة إياه بأنه حولها إلى حسابه الخاص و حساب ذويه و زبانيته و بأنه يجلس طوال الوقت أمام الحاسوب مراقبا برنامج رشاد (سيئ السمعة لدى مافيات نهب الأموال العمومية) ليرى ما ذا صرف منه و من صرفه و كيف صرفه و في ما ذا صرفه… حتى أن البعض يجزم بأن ولد عبد العزيز شخصيا هو من يفتح و يغلق برنامج رشاد هذا. لقد فقد القوم الاتجاه و أسقط في أيديهم، يبدو أن بوصلتهم تمر بمجالات مغناطيسية شديدة التأثير لم يعتادوها.

لا غرابة في ذلك فكل الأمهات اللائي ارضعن أولادهن حولين كاملين أو حتى أقل تدرك كم هو صعب فطام الأطفال. أما فطام الشيوخ فمنطق الأشياء يقضي بأن يكون أصعب بكثير. فالطفل يتعود على الارتماء في حضن أمه الحنون و الرضاعة من ثديها لبنا سائغا شرابه. لكن الأم ـ في فترة معينة بطبيعة الحال ـ تصد الطفل و تمنعه من الوصول إلى ذلك الثدي المعطاء و ذلك السلسبيل لذيذ الطعم و المغذي في نفس الوقت. فيجن جنونه. هو لا يفهم و لا يتقبل من أمه تصرفا عدائيا كهذا. و كأن لسان حاله يتساءل :  ماذا جرى لهذه الأم ؟ أتمقتني إلى هذا الحد؟ ماذا يضيرها لو تماديت في الرضاع؟” فيبدأ بالصراخ و البكاء و التمرغ على الأرض، ثم يدخل في إضراب مفتوح عن الطعام، و قد يتصرف تصرفا غير محسوب كأن يضرب أمه أو نفسه أو أي شخص آخر بما في متناوله من أدوات و آلات ( و الحمد لله على ضعفه الجسماني!)

نفس الشيء ـ كما يبدو وكما لاحظ بحق أحد قياديي الحزب الحاكم ـ ينطبق على بعض كهولنا و شيوخنا ( ليس بالضرورة شيوخ الغرفة الأولى في برلماننا الموقر مع أن الأمر قد ينطبق على بعضهم       !)، فالكثير من رجال أعمالنا و تجارنا و كبار الموظفين والسياسيين عندنا تعودوا، ليس فقط لسنة أو سنتين و إنما لعقود، على الرضاعة من ثدي الدولة ( الرضاعة هنا بمعنى نهب الأموال العمومية). و لنا أن نتصور كم هو كبير و مدرار ذلك الثدي، ثدي الدولة. كما أن لنا أن نتصور كم هي استنزافية و منهكة رضاعة كبار السن، خصوصا إذا ما طال بها الزمن ، وكان ” الرضيع ” لا يشبع. فلا غروه إذا أن تصدر عن هؤلاء ” الرضع” ، مع مجيء ولد عبد العزيز إلى السلطة و إعلانه الحرب على الفساد، تصرفات غير محسوبة تماما كما يفعل الطفل المفطوم، لقد تعودوا على مستويات معيشية من الصعب أن يتخلوا عنها بسهولة، لذالك نرى أن منهم اليوم من يرغي و يزبد ويعارض و يقيم الدنيا و لا يقعدها، ومنهم حتى من يحرض الجيش على الانقلاب (كم هم ديمقراطيون! ) ومنهم من يدعو إلى العصيان المدني مهددا ومتوعدا بالويل والثبور والرحيل العاجل و غير المشروط لهذا الحاكم الذي” منعهم حقوقهم المكتسبة.” فيما انبرى البعض الآخر يقدم نظريات جديدة في الاقتصاد و التسيير قد تكون إلى حد الآن مجهولة بالنسبة لأكبر الاقتصاديين في العالم، وهي حتما كذالك لاعوجاجها وحيادها عن جادة الصواب!

تتلخص تلك النظريات في كون موريتانيا حالة خاصة: فالمجتمع الموريتاني بدوي لا يمكن أن يتقبل النظام و بلاده ” بلاد السيبة ” وما ينطبق على الدول و المجتمعات الأخرى لا يمكن أن ينطبق عليها بأي حال من الأحوال، و عليه لا يمكن تسيير أي شأن في هذا البلد ـ حسب هؤلاء الاقتصاديين ـ تسييرا علميا، سواء تعلق الأمر بميزانية الأسرة أو بالموارد العمومية أو بالمرور أو بتخطيط الشوارع والأحياء العشوائية أو باستهلاك الماء و الكهرباء أو تنظيم الأسواق أو نظافة المدن…  يجب ـ بالنسبة لهم ـ توفير الوسائل بسخاء و ترك الحبل على الغارب دونما رقيب أو عتيد لمن يسير ها أيا يكن المجال.

 لكن ما لا يدركه هؤلاء و غيرهم من المتباكين اليوم على فترات الفوضى و التسيب الماضية ـ أو لا يرغبون في إدراكه ـ هو أنهم يمرون بمرحلة الفطام. هي إذا أعراض الفطام لا أكثر و لا أقل، وهي مرحلة عصيبة بالنسبة لهم و لا شك، لكنها أيضا قد تكون كذالك بالنسبة لولد عبد العزيز بالنظر إلى طبيعة المفطوم و سنه و دهائه و تمرسه على أساليب الفساد و الرشوة و التملق و نهمه اللا محدود وتشبثه بمكتسباته و إن كانت غير مشروعة… فلا بد من الحكمة و التبصر و الحزم معهم (كما تفعل الأم مع رضيعها ) حتى يقلعوا عن عادة ” الرضاعة ” تلك، و سيقلعون حتما. يوما ما سيرشدون إن كان في العمر بقية ! و النصر دائما حليف المحق.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة