مقالات

في تطور الجريمة و المكافحة

منذ عقود قليلة من تطوير العمل الأمني بالتزامن مع تطور الجريمة انتقلت أغلب الرؤى الشرطية الجادة في مكافحة الجريمة لإستراتيجية “الفعل ” بدل “ردة الفعل” و القائمة على مجموعات من المنهجيات التي تسعى لسبق الجريمة و مزامنة التفكير الجرمي لوقف كل محاولات النيل من الأمن و السلامة العامة و ضمن هذه الإستراتيجية سعت دول عديدة للتفكير وفق خطط علمية لتطوير العقلية الشرطية و إدخال الأساليب العلمية و الاستفادة من الباحثين الاجتماعيين و النفسيين و خبراء الجريمة و القانون و الخبرات التراكمية لدى الضباط و العاملين في مختلف الإدارات و أسست مراكز البحث الجنائي و الجرمي لمتابعة و مراقبة الجريمة و تطورها ، فأغلب النظريات الأمنية تقول ان الظاهرة الاجتماعية اي ظاهرة يمكن ان تتحول لجريمة مع مرور الوقت و تهدد أمن و سلامة المجتمع .

 و من هنا نشأة نظرية “الفعل ” الهادفة لاستباق الجريمة و وأدها قبل ان تقع متخلية بذلك عن التحرك البعدي لوقوعها ، لأنه وفق التفكير الاستراتيجي اصبح متخلفا و لا يعبر عن حاجة المجتمع الحالي عن الأمن و برامجه ..
و لعل أهم الخطوات التي اتخذتها تلك الجهات الأمنية هي :

1- عملية التدريب و التطوير : تشكل العملية التدريبية أهمية بالغة في تطوير الرؤية الشرطية للفرد و دعمه بالأساليب الناجعة و تحفيز ملكة الحس الأمني لديه مما يجعله جاهزا و قادرا على التفكير وفق المنطق الأمني لكل ما يقع أمامه و حتى قبل أن يحصل من و التنبؤ بالحالة المتوقعة ليبدأ في التصرف بالسرعة الكافية للسيطرة ، مع ضرورة رفع الكفاءة العلمية للمنتسبين للجهاز و ربطه بالشهادات العليا مما يرفع من مكانته في المخيلة الجمعية و لدى العاملين به بدل ان يظل يستقبل الأميين و متسربي التعليم في مراحله الأولى و حتى المجرمين أنفسهم للتغطية على نشاطاتهم ..

2- تفعيل الهيكلة : إن عملية التنظيم و الهيكلة للأجهزة الشرطية تعد واحدة من أهم الأدوات الإدارية لتوزيع المهام و المسؤوليات وفق الهدف الأمني و رفع الأعباء عن الإدارات بتخصيصها في مجال معين يمكنها التركيز عليه و تحقيق الأولويات المتوقعة منه وفق الدور و الإستراتيجية ..

3- المقارنة المعيارية : تهدف المقارنة المعيارية للاستفادة من التجارب الأمنية المشابهة ذات نقاط الالتقاء ثقافيا و فكريا و اجتماعيا و لا يعني ذلك أيضا  إن غيابها لا يمكن إن يشكل مقارنة أمنية هامة من حيث الاستفادة من الوسائل المستخدمة و أنواع الجريمة و تحليل الدافع الجرمي وهو ما يسهم في تطوير العاملين في الحقل الأمني و يمدهم بوسائل التفكير و المقارنة و المقاربة لابتداع وسائلهم الخاصة في مواجهة الجريمة ، فيما يجب ان تتحول هذه المقارنة لحقيقة فعلية و ان لا تكون فرصة للمبتعثين للسياحة و التسوق و الخروج في خرجات قصيرة للاطلاع على الحالة الأمنية ..

4- تفعيل الدور المجتمعي للأجهزة الشرطية : يشكل الدور المجتمعي للشرطة المجتمعية أهمية بالغة في دراسة الظاهرة الجرمية و العمل ضمن المجتمع بمواصفات مختلفة عن الشرطة التقليدية  حيث تهتم بالتحاور مع المجتمع و نقل أفكاره و تخوفاته لمشاريع أمنية يسهم فيها الجميع ، مستفيدة من الكفاءات المدنية و العلمية و الثقافية و المجتمعية في محاصرة الظاهرة الجرمية ، إضافة للدور التوعوي في كافة المواقع لتحقيق الهدف بالتنسيق مع الجهات الشرطية في مكافحة الجريمة .,

5- تفعيل الدور الإعلامي : لا يمكن بأي حال من الأحوال ان ننفي الدور الأمني للإعلام و ما يشكله من أهمية بالغة في طمأنة المجتمع و تحفيزه و إشراكه في العملية الأمنية و هو ما دفع الكثير من البلدان لتفعيل إدارات الإعلام الأمني المخولة وحدها بمخاطبة المجتمع في مجال النشر و توفير المعلومات الأمنية التي لا تشكل خطرا على التحقيق و تحقق الهدف من تخفيف الضغط على الجمهور و تربك المجرم و تحد من نشاطه او توقعه في التحرك الخاطئ ليقع في الفخ وهي منهجيات أمنية معروفة و مدروسة و تحقق أهدافها بسهولة للإيقاع بالمجرم دون ادارك منه .

6- تفعيل قاعدة بيانات التقنية  للمجرمين و المسجلين الخطرين و معلوماتهم و ملفاتهم العدلية مما يتطلب تعاونا مع جهات القضاء في تحقيق الهدف من القاعدة في متابعة المحكومين و الخارجين من المحكومية و تحديث الصور و البيانات و العلامات المميزة لهم ، بل و التفكير في توفير و ربط الملفات الأمنية مع الحالة المدنية ومنح الولوج للمرخصين بالدخول لها ، القضاة ، ضباط الأمن و العاملين في مكافحة الجريمة .

7 – الدوريات الأمنية و الحراسات : تشكل الدوريات الأمنية و الحراسات أهمية بالغة في مكافحة الجريمة و تحقيق الأمن في الأحياء و المناطق و الأحزمة الفقيرة على الضواحي التي تنتشر فيها الجريمة بصورة مذهلة و تصديرها ، مما يتطلب توفير حراسات منظمة على الأسواق و المواقع و التجمعات السكنية ، خاصة في ظل تنامي الجريمة في وضح النهار و في مواقع تجمع الناس ، مما يتطلب تدريب العاملين في الأسواق للتعامل مع اللصوص و عمليات الهجوم التي تحصل و تعريفهم بنفسية المجرم و طرق السيطرة عليه كبديل قبل حضور الأمن .

8- الدوريات الأمنية الأهلية  : تتفادى كثير من الدول تكاليف الأمن بإقامة دوريات أهلية و توزيع المناطق و المقاطعات لتجمعات أمنية توفر المعلومات عن الأشخاص محل التهمة و الأوكار و تنظيم التأجير و الوافدون الجدد على الحي و تلزم أصحاب المنازل بتقديم المعلومات عن المؤجرين او ان يقدم المؤجر نفسه المعلومات الأساسية عنه للجنة الأمنية للحي وهو ما يسهم في محاصرة المجرمين و سهولة كشفهم في كل نقطة و موقع .
ملاحظات هامة :

حسب خبرتي المتواضعة فإن انتشار الجريمة في العاصمة بالذات يجب ان لا يلغي الاهتمام بمتابعة تطورها خارج جغرافيته ، و محاصرتها في المواقع الأخرى ، مع ملاحظة ان الجريمة في العاصمة لم تعد حالة استثنائية بل شملت كل المناطق لكن الغريب ان الأجهزة الأمنية لم تفكر نهائيا في قضية أساسية ان كافة الجرائم في الداخل يقوم بها لصوص قادمون في جولات سرقة منظمة من العاصمة و الولايات الكبرى  ، مما يعني أن تفعيل الدوريات الأمنية الخارجية من العاملين في مكافحة الجريمة أصبح مهما و أساسيا لأنه باستطاعتهم ببساطة كشف تحركات المجرمين المعروفين لديهم في المناطق الداخلية و إسقاطهم في المصيدة قبل الهروب من مسرح الجريمة من خلال التنسيق مع الجهات الأمنية في الجهة المستهدفة و إعلامها بوجود المسجلين الخطرين في جغرافيتها و من أهم خصائص هذه الجريمة المتنقلة أنها تقع في فترات متباعدة في المدنية المستهدفة و تكون متعددة أي أنها في ذات الليلة تستهدف أكثر من موقع مدروس يمكن أن يصل لعشرين عملية في ذات الليلة حسب الظروف والمشاركين ، عكس الجريمة الاعتيادية التي لا تشترط التعدد و التزامن بل تمر بصورة عادية .
 

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة