الرأي

قد نخرج من الأزمة.. ولكن الخلاص يتطلب تكاتف الجهود.. وواجب النخبة أن تنير الدرب / د. محمد ولد محمد الحسن ولد جدو ولد أحمد

الجزء الأول
مقدمة
سبق وأن صممنا مقترحا للدول ذات العجز في الموارد – والتي من بينها بطبيعة الحال بلادنا – يدعو إلى تعبئة القوى السياسية لتحقيق البرامج والسياسات التي تعبر عن رجحانها صناديق الاقتراع بعد كل انتخابات رئاسية، وبعبارة أخرى نظاما شاملا للديمقراطية الاحتوائية، وكان ذلك في عام 2008.

ولن أطيل الحديث عن هذا المقترح النموذج الذي قدمته آنذاك ولا يزال محفوظا لدى المواقع الألكترونية الموريتانية كما أنه موثق بالتسجيل صوتا وصورة لدى التلفزيون الوطني وقناة العربية الدولية…
هذا المقترح كاد في حينه أن يجد طريقه للتطبيق لولا أنه حرف في مرحلة التنفيذ مما فتح الباب ليسود نظام هجين لا هو الديمقراطية الكلاسيكية التي لا تنطبق علينا بلا شك ولا هو الديمقراطية الاحتوائية التي يدعو لها مقترحنا.
وبهذا جمعت الصورة المنفذة في واقعنا السياسي أسوأ ما في النظامين وتشكلت حول النظام أغلبية محبطة في سباق تنافسي مع المعارضة التي وصلت إلى السلطة في ذلك الوقت في حين ظهرت المعارضة التي لم تشارك في الحكومة أكثر راديكالية وعدائية أمام النظام.
ومن المفارقة أن الأزمة التي نشبت جراء تطبيق الديمقراطية الهجينة (نصف احتوائية) لم يتسنَّ تسويتها عبر الديمقراطية الاحتوائية الكاملة.
وذلك ما تم ظرفيا حتى سمح بالخروج من الأزمة نسبيا في فترة انتخابات 2009 وقبول ما صاحبها من حوار احتوائي كما في نصوص اتفاق داكار…
ولم يدم الهدوء إلا فترة الحملة الانتخابية (أقل من شهر) وعادت بعد ذلك الثقة أدراجها .. وسرعان من انفرط سلك النظام الديمقراطي الاحتوائي ليعود إلى نقطة الصفر (الانطلاق) وبات النظام الجديد يستمرئ انتصاره ووجوده الذي كاد العالم أن يلفظه لولا النظام الديمقراطي الاحتوائي.
وبعد الانتخابات لم تجز المعارضة شرعية النظام ونادت بتزويره للانتخابات بشتى أنواع التزوير الكيفي والكمي. مما تولد عنه استحالة الحوار وأدى ذلك إلى الانسداد السياسي. ودخول البلد في هذا الانسداد لحظة الخروج من الأزمة يعني أنه لم يستكمل نقاهته وبالتالي فارقته صحته.
وتنافرت الجهود فأصبحت وقودا للأزمات وبدلا من التسيير التوافقي كما كان في مرحلة الانتخابات وبدلا من الإقبال على حوار احتوائي – كما في اتفاق داكار – غاصت موريتانيا في الوحل أكثر فأكثر..
ودفعنا ذلك إلى أن ننشر في الصحافة نداء للسلطة والمعارضة من أجل حوار وطني احتوائي شامل.
وها هو قد مر على ذلك النداء 666 يوما ولا يزال ذلك النداء في أرشيف المواقع الألكترونية حتى الآن وفي واجهة موقع : pointschauds.info وكان نداء فريدا من نوعه حيث أنه يدعو الطرفين من مسافة متساوية من الإثنين.
… هنالك حوار أجري آنفا بين السلطة وبعض (أحزاب المعارضة) وبدلا من أن يضم الجميع ضم البعض، وبدلا من أن يضع حدا للأزمة فاقمها.
إنه التاريخ يعيد نفسه ..
التزمت الصمت منذ 666 يوما فلم أر إلا رحى الأشياء تدور على نفسها في بلد يتخبط في أزمة لاسابقة لها.
التزمت الصمت بالرغم من أنني متألم من وطني.. من جيرتي.. من مدينتي.. متألم..
أسألكم ألستم كذلك متألمون مثلي ؟ إن كنتم كذلك فقد ولت ساعة الصمت وأزفت ساعة الحق مرا كان أو سائغا.
لذا عدت من أوهام الوردية إلى الواقعية متسلحا في النزول إلى الميدان بما استخلصته من سنوات الصمت وشهور انتظار الفارس الأبيض.
لإدراك ما سيحصل يكفي معرفة ما حصل
إن الاقتصاد والسياسة فرسا رهان في أزمة هذه البلاد المخنوقة ماليا واقتصاديا والمشلولة مؤسسيا وسياسيا والمهددة بالمجاعة والجفاف والمقحمة في حرب خاصة بلا مسمى، إن لم تكن حروب.
وإن التصاعد المذهل للمنتجات البترولية والمواد الاستهلاكية الضرورية يحد من المداخيل المحدودة أصلا أو لا موجودة في بلد زراعي تنموي يتهاوى بين سندان الجفاف ومطرقة الحرب على الحدود.
وليس ذلك جردا لمآسي موريتانيا الراهنة.
لقد أصبحت موريتانيا قاعة انتظار فسيحة تتزاحم فيها المشاكل والمطالب مع أولويات الإصلاح.
الأزمة إذن محيقة ومحيقة والمشاكل بلغت الذروة، والغضب يدفع إلى العنف.
كم من استغاثة طالبت بتلافي الأخطاء والمظالم، كم من صرخات التنديد تلاشت في ضوضاء المظاهرات والانتفاضات والقذف والمسيرات والانتحارات التي لم يعرفها مجتمعنا إلا على أسوار رئاستنا الجديدة في موريتانيا الجديدة.
والأدهى من ذلك تصدع اللحمة الاجتماعية وتهديد المجتمع بالانفراط.
لنتذكر حكومتكم التي بتصريحات طفيلية – بلا جدوى – أشعلت الجامعة مرتين وأدت إلى أحداث عنصرية كادت تعصف بالوحدة الوطنية لولا تدخلنا وبعض الوطنيين بمبادرات خاصة شكلت دور الإطفائي.
حكومتكم مسترسلة في تشييد البركة التي ستغرق فيها وتوجه مجهودها لإخماد الفتن التي تثيرها 🙁 المعهد العالي، لاتلمس جنسيتي!!)
لن تتضح الرؤية أكثر من الآن لقراءة هذه الظروف وبالرغم من ذلك تدفن الحكومة رأسها في الرمال لتجاهل الواقع وتجاوز الواقع، إن الواقع أخرق وأخرق منه من يتجاهله وتغني حكومتكم لكم بصوت نشاز كل شيء تمام وعلى ما يرام ولا مشاكل ونستطيع أن نجري انتخابات المستقبل دون النظر إلى النار التي تأتي على البيت والخيمة والعريش.
إن الصراحة والواقعية هما لحن هذا الزمن ولا يمكن أن نخفي على المواطنين إلا الصفحة الأخرى للقمر..
حكومتكم تجعل من الدكاكين حجر الزاوية لسياستها الاقتصادية والاجتماعية، والسياسة لاتكون أبدا بالدكاكين.
إن الدكاكين أكثر ما تكون في صالح الموردين الذين تتاح لهم طلبات بالمليارات على طبق من ذهب على حساب زبائنهم الذين لايستطيعون الشراء إلا بكميات ضئيلة. وهذه الدكاكين أيضا منافسة غير شريفة للدكاكين الأخرى التي يملكها تجار آخرون فقراء أو متوسطون.
لو كنا نستطيع بالدكاكين والبيع المحدود تسوية المشاكل لما أفلس الاتحاد السوفييتي ولا دول الشرق التي هي أقوى منا.
كان الأجدر بنا اتباع سياسات أخرى حكيمة ملحة بدلا من سياسات الدكاكين الغير مدروسة ولا مراقبة ولن تزيد على أن تزيد الفضائح بدلا من القضاء على المجاعة، ويبقى ما للدكاكين للدكاكين وما للسياسة للسياسة، لولا أن الأدوار لدى حكومتكم مقلوبة.
حكومتكم لاتميز بين الوعود الانتخابية والسياسة.
السياسة تتطلب رؤية وتخطيطا عاما وشاملا وتطبيقا ديناميكيا حول أهداف عامة للوصول إلى نتائج عامة وملموسة ويجب أن تتناغم مع المصلحة العامة وليست هي ردة فعل ميكانيكية، كما أن الوعود الآنية أو الظرفية أو الفئوية المعلنة مرتجلة كانت أم لا، لايمكن تسميتها ببرنامج رئيس، وإنما تظل وعودا انتخابية ..
حكومتكم أصبحت بين فك الوعود الانتخابية وفك المطالب المالية مكموشة عن التخلص لتسيير شؤون البلاد.
إن الربيع العربي على سبيل المثال والحروب على الحدود الشرقية والجفاف فصول من الأحداث والمنعرجات ما كان يمكن تصورها إبان الحملة الانتخابية ولم يتطرق لها أي برنامج سياسي.
ذلك أن المستقبل أوسع خيالا من الحكومة والسياسة فن التوقع والاحتياط والتكيف في نفس الوقت التي هي معرفة القرارات المفيدة في الأوقات الحرجة ، وتشاور النظام مع مواطنيه اتفق أو اختلف معهم مع الاعتماد على الكفاءات النزيهة.
ويعلم الجميع أن هذه الوعود الانتخابية التي تنجز تنجز بأموال الموريتانيين جميعا وخلف ستار مصالح خصوصية تجارية محلية سياسية شخصية عائلية، ورائحة الولع بالمال العام أصبحت تشوه العمل العام.
حكومتكم تقول إنها تتخذ من محاربة الفساد والرشوة ميدان حربها كأنها لاتعرف أن فقه الحكم الرشيد الذي أنتجه نظام الأمم المتحدة ومنظمات الشفافية العالمية أعطى ثلاثة ألوان للفساد حسب خطورته(الأسود والرمادي والأبيض) الفساد الأسود وهو أخطرها هو فساد أهل القرار والسياسة (الرئيس ، الوزراء، البرلمانيين) الذين يسخرون القانون والدستور ليس للمصلحة البديهية للأمة إنما لمصالح خاصة وشخصية.
أما الفساد الرمادي فهو الاعتماد في الإدارة من مسيري الشأن العام على موظفين يتنقلون بين تمثيل المصالح الخاصة الأجنبية والوطنية والوظائف العمومية.
قوموا أنتم بالجرد.
أما الفساد الأخير والأضعف فلونه أبيض ويعرف بعمولات من تحت الطاولة، وأذكر أننا في مناسبة منتديات الحكم الرشيد قدمنا مقترحا من 62 بندا لمكافحة الرشوة سلمناه للمعنيين مباشرة وعن طريق الصحافة، ولكن لاحياة لمن تنادي..
قدمنا أيضا تأملات عميقة على المراقبة القبلية والوقائية لميزانيات شركات الدولة، فلم تك الحالة أحسن من سابقتها، كما أن حكومتكم – حسب علمي – لم تشرع قانونا ضد الرشوة كما في أكثر دول العالم وإنما اكتفت بسجن خريج أكبر مدرسة فرنسية (صنترال) في أكبر سجن في البلاد (سجن دار النعيم) ولا شك أنه الوحيد من خريجي هذه المدرسة المسجون.
هل إن مكان الكفاءات لدى حكومتكم هو السجن؟ أليس فساد الموارد البشرية نوعا آخر من الإفساد؟
حكومتكم جعلت من التمييز اكتشافا ، مرة يكون سلبيا وأخرى إيجابيا ولكن الحقيقة أن التمييز كله سلبي ومخجل ولو كان في صالح الفقراء فهو ليس ديمقراطيا ولا جمهوريا ويورث تأنيب الضمير لضحاياه والمستفيدين منه على حد سواء.
نحن شعب شريف ولو أعمى البعض حب الفتات وأزمتنا لاتحل بالصور الاستعراضية ولا بالجمل الرنانة المفصلة على مقاس السامعين ولا بتوزيع الشتائم التي غالبا ما تكون سلاح المشبوه وفي مجتمعنا ظل السباب سمة التافهين وفاقدي الثقافة.
كيف نسير البلد بحوار أعرج
بلدنا في أزمة قد تفقدنا التحكم والسيطرة هذه الحقيقة الأولى. وقد نخرج من الأزمة حقيقة ثانية ولكن الخلاص يتطلب تكاتف الجهود وهذه الحقيقة الثالثة. وبالتالي فواجب النخبة أن تنير الدرب للشعب والسلطة وسحبهما خلف رؤية تجديدية تخرجهما من النفق .
وذلك لن يتأتى الا بالاعتماد على مسألتين:
المسألة الأولى: بداهة الوقائع (الواقع)
المسألة الثانية: إجماع النخبة
هذان المحركان كفيلان بالخلاص.
لقد كنا نتوقع من الحوار الذي دعا له الرئيس أن يسير بهذين المحركين ولكن للأسف دار الحوار بما يستثني منسقية المعارضة وزعيم المعارضة ففاجأنا ببدايته وأصابنا بالخيبة بنهايته. وجاء حوارا مليئا بالشوائب بعض نتائجه تشكل تقدما في بعض المجالات وبعض نتائجه اكتفى بأن لا يقول شيئا وبعض نتائجه مضحك والبعض غرد خارج السرب فتمت السخرية. وهنا نستحضر مقولة لأحد شعرائنا المبدعين:
أمربع الغصن ذا أم تلك أعلامه؟
لا هو هو ولا الأيام أيامه…!
وإذا توقفنا أمام المصطلحات فهذه كلمة (بعض) تكررت .. هل يعقل أن يتعلق مستقبل بلد ودستوره بكلمة بعض ثم نقول حوارا وطنيا تم بالبعض دون البعض، إنه حوار تم بالإقصاء والانتقاء والانغلاق، إنه الحوار الوطني الاحتوائي الهجين ..
والتاريخ يعيد نفسه.
هذا الحوار يشبه صفقات التراضي ويثير من المشاكل أكثر مما يحل، الحوار مع المعارضة ينبغي أن يقوم على احترام المعارضة لا على تجزئة أوصالها بالبتر أو الاستئصال أو الجراحة فاحترام الديمقراطية باحترام من تحاوره.
ولدي وصفة كفيلة بتفادي مثل هذا الحوار ، ماذا لو تخيل النظام نفسه في محل المعارضة هل يقبل أن تحاور المعارضة جزء منه في حين أن جزءه الآخر مقصي في حوار وطني يراد له أن يفضي إلى تغيير الدستور .. ولماذا لا  يستشعر النظام أن إخوته في المعارضة يكملونه اليوم وربما يخلفونه غدا.
في النظام الديمقراطي يرتقي الإنسان من المعارضة إلى السلطة ويعود من السلطة إلى المعارضة باستثناء أولئك الذين لم يفعلوا في حياتهم إلا القفز على الظرفية.
الحوار الوطني ينبغي أن يكون هدفه الأخير التوصل إلى الإجماع وما دام لم يجر إلا بين جزء من النخبة وجزء من ممثلي الشعب فليس هذا حوار تقرر به طريقة جديدة لمشية موريتانية إلا أن تكون عرجاء، هذا الحوار خطوة خاطئة.
هذه المشية لاترفع شأن موريتانيا في العالم ونحن بحاجة لأن نكون مثلا أعلى لا حالة خاصة.
موريتانيا التي استطاعت أن تحاور فرنسا وتنتزع استقلالها بالحوار تحت الخيمة وموريتانيا التي من بعد ذلك بنفس الطريقة راجعت اتفاقياتها مع المستعمر وموريتانيا التي استرجعت تيرس الغربية بالحوار من قوة عظمى لاتستحق هذا النوع من الحوارات، موريتانيا التي منذ أربعين سنة عن طريق الحوار بين السلطة التي يمثلها يومئذ أحمد ولد داداه وباه ممدو ألاسن آنذاك والمعارضة السرية التي يمثلها محمد ولد مولود وبدر الدين (هؤلاء اليوم في صف واحد) أمموا عن طريق الحوار شركة ميفرما تأميما كاملا وأصبحت شركة اسنيم التي تساهم في اقتصاد البلد بما لايخفى من بيع الحديد إلى جانب 3% فقط من ذهب تازيازت وإلى جانب نسبة لا أعرفها من معدن لا أعرفه تحت حقيقة أجهلها تسمى MCM.
كما تم سك العملة الوطنية وأنشئ البنك المركزي وهي إنجازات قيمة تمت في زمن كان هذا النوع من التحاور موجودا قبل 35 سنة، أبعد ذلك تستحق موريتانيا حوارا أعرج نسمع قعقة ولا نرى عجينا.
موريتانيا التي شعت بحوارها المسالم وذكاء أبناءها لم تولد في هذه السنة الشهباء 2011 تاريخ هذا الحوار.
الفلاسفة قالوا بأن من لاماضي له لاحاضر له، فهل يعقل أن يكون حوار مَن عمره 50 سنة أقل فائدة من حوار موريتانيا وليدة أو يافعة في سن الثالثة او الخامسة عشر.
ينبغي أن نتوقف عن إفساد “موريتانيا ولنعد جميعا بناءها” – رحم الله المختار ولد داداه –
موريتانيا ليست للبعض، موريتانيا للجميع.
د / محمد ولد محمد الحسن ولد جدو ولد أحمد
أستاذ جامعي
faardgs@hotmail.com

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة