الرأي

قصة العبودية في كتب المالكية (الحلقة 2) / محمد بن المختار الشنقيطي

لقد رأينا في الحلقة الأولى هشاشة الأساس الفقهي لاستمرار العبودية في المجتمعات المسلمة، وهو استمرار سببه التملص من المبدإ القرآني الذي جعل عتق الرقيق بيده من خلال نظام المكاتبة. كما رأينا نموذجا من ازدواجية المعايير الفقهية في أقدس حق من حقوق الإنسان وهو حق الحياة. بيد أن كل ما ذكرناه في الحلقة الأولى مجرد تأسيس نظري عام.

أما الحالة الموريتانية فالأمر فيها أبشع من ذلك إذا وضعناه في سياق الزمان والمكان، إذ أصل الاسترقاق فيها موبقة من الموبقات الشرعية، لأنه استرقاق إخوة في الدين حرم الله دماءهم ووأموالهم أعراضهم، ولعلها مما ينطبق عليه الحديث القدسي: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره.” (صحيح البخاري 3/82).  وهذا الذي نريد بيانه في هذه الحلقة بأسانيده التاريخية.
منذ أربعة قرون كشف العلامة أحمد بابا التنبكي (963-1032 هـ) عوار الرق في الصحراء الكبرى، وضعف أساسه الفقهي والتاريخي. وأحمد بابا –لمن لا يعرفه- ينحدر من أسرة كريمة من مدينة ولاتة استقر به المقام في مدينة تنبكتو لما كانت حاضرة امبراطورية سنغاي. وهو مؤلف مكثر، ومن ضمن مؤلفاته شرح جزئي على (مختصر خليل) سماه (المقصد الكفيل بحل مقفل خليل)، وحاشية عليه سماها (منن الرب الجليل في مهمات تحرير خليل). فالشيخ أحمد بابا ينطلق من داخل المنظومة الفقهية السائدة التي رأينا من قبل هشاشتها في موضوع الرق والاسترقاق، لكنه رجل ذو حس تاريخي وروح إنصاف، وقد عاين وعايش الواقع المرير للأرقاء، وعانى من المذلة حينما أسره الجيش المغربي السعدي المغير على تنبكتو عدة أعوام.
وقد ألف أحمد بابا رسالة وجيزة سماها (معراج الصعود إلى نيل مجلب السود) انتهى من تحريرها عام 1024 هـ، وهي من نشر معهد الدراسات الإفريقية بالرباط، مع تحقيق وترجمة إلى الإنكليزية بقلم فاطمة حراك وجون هنويك. وقد أوضح الشيخ أحمد بابا في رسالته أن أهل السودان (إفريقيا الغربية) قد استفاض فيهم الإسلام منذ أمد بعيد، يرجع إلى القرن الخامس الهجري، وأن استرقاقهم موبقة من الموبقات الشرعية ينطبق عليها الوعيد الشديد في الحديث القدسي الآنف الذكر. وسار على نهج الشيخ أحمد بابا الفقيهُ محمد بن إبراهيم الجارمي في رسالة له بعنوان مثير، أقترح أن يكون شعارا لكل الساعين إلى إنصاف الحراطين في موريتانيا، وهو: (تنبيه أهل الطغيان على حرية السودان).
ويبدو أن هذه الرسالة لم تنشر بعد، لكن الباحث المغربي عبد الخالق أحمدون نقل عن نسخة مخطوطة منها بمكتبة الشيخ عبد الله كنون. وقد استهل الجارمي رسالته بالقول: “إني لما رأيت تحامل كثير من الناس على السودان، وتجاسرهم عليهم من غير موجب، وما يدَّعون من رِقِّيَّتهم وعدم إسلامهم، حملتني الغيرة على أن أنبه على ذلك في رسالة، ليكون على بال من له أدنى اهتمام بدينه.” ثم خلص الجارمي إلى أن استرقاقهم “ظلم وخروج على الهدى.” (انظر د. عبد الخالق أحمدون: أبعاد التواصل الحضاري بين المغرب والبلدان الإفريقية من خلال رسالة “معراج الصعود” لأحمد بابا التمبكتي،  ص 15-16).  
لكن المؤرخ أحمد بن خالد بن محمد الناصري (ت 1315 هـ) صاحب كتاب (الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى) هو الذي وضع النقاط على الحروف في هذا الأمر، وكشف الزيف التاريخي المحيط بقضية الاسترقاق في غرب وشمال إفريقيا. ونظرا لأهمية نص الناصري وطوله نقسمه إلى مواضيعه الرئيسية، وأهمها:
أولا: أن شعوب منطقة السودان –وهي تشمل كل غرب إفريقيا في استعمال المغاربة- قوم مسلمون عميقو التدين منذ القدم، وأن استرقاقهم على أيدي إخوانهم في الدين أمر مستبشع. يقول الناصري: “قد تبين لَك بِمَا قصصناه عَلَيْك من أَخْبَار السودَان مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل تِلْكَ الْبِلَاد من الْأَخْذ بدين الْإِسْلَام من لدن قديم، وَأَنَّهُمْ من أحسن الْأُمَم إسلاما، وأقومهم دينا، وَأَكْثَرهم للْعلم وَأَهله تحصيلا ومحبة، وَهَذَا الْأَمر شَائِع فِي جلّ ممالكهم الموالية للمغرب كَمَا علمت. وَبِهَذَا يظْهر لَك شناعة مَا عَمَّت بِهِ الْبلوى بِبِلَاد الْمغرب من لدن قديم من استرقاق أهل السودَان مُطلقًا، وجلب القطائع الْكَثِيرَة مِنْهُم فِي كل سنة، وبيعهم فِي أسواق الْمغرب حَاضِرَة وبادية، يُسمسَرون بهَا كَمَا تسمسَر الدَّوَابّ بل أفحش” مضيفا أن “أهل السودَان قوم مُسلمُونَ، فَلهم مَا لنا وَعَلَيْهِم مَا علينا، وَلَو فَرضنَا أَن فيهم من هُوَ مُشْرك أَو متدين بدين آخر غير الْإِسْلَام فالغالب عَلَيْهِم الْيَوْم وَقبل الْيَوْم بِكَثِير إِنَّمَا هُوَ الْإِسْلَام، وَالْحكم للْغَالِب. وَلَو فَرضنَا أَن لَا غَالب وَإِنَّمَا الْكفْر وَالْإِسْلَام هُنَالك متساويان فَمن لنا بِأَن المجلوب مِنْهُم هُوَ من صنف الْكفَّار لَا الْمُسلمين” (الاستقصا 5/131).
ثانيا: أن تحول العبودية في شمال إفريقيا إلى مسألة عرقية أمر خطير وظلم فاحش، وقد لاحظ الناصري ذلك، فقال: “قد تمالأ النَّاس على ذَلِك، وتوالت عَلَيْهِ أجيالهم، حَتَّى صَار كثير من الْعَامَّة يفهمون أَن مُوجب الاسترقاق شرعا هُوَ اسوداد اللَّوْن، وَكَونه مجلوبا من تِلْكَ النَّاحِيَة، وَهَذَا لعمر الله من أفحش المناكر وَأَعْظَمهَا فِي الدّين” (الاستقصا 5/131). وقد أحسن الناصري في هذا، خصوصا وأن الحضارة الإسلامية عرفت امتزاجا عرقيا رائعا لم تعرفه أية حضارة كلاسيكية. وحينما كانت بعض الثقافات تحتقر أصنافا من البشر بسبب لون بشرتهم أو سحنة وجوههم، كان علماءُ وأدباء عرب يكتبون عن فضائل السود. فهذا الجاحظ في رسالته (فخر السودان على البيضان) يشيد بفضائل السود، وينوِّه بأعلام المسلمين ذوي البشرة السوداء، ثم يتوصل إلى أنه “ليس في الأرض أمةٌ السخاء فيها أعمُّ وعليها أغلبُ من الزنج… وهم شجعان أشِدَّاء الأبدان… والزنجي مع حسن الخلُق وقلة الأذى، لا تراه أبدا إلا طيبَ النفس، ضاحكَ السِّن، حسَنَ الظن.” (الجاحظ: “فخر السودان على البيضان” ضمن: رسائل الجاحظ 1/195-196). ولم يكتف الجاحظ بذلك، بل تجاوزه إلى مدح سواد اللون بإطلاق: “فليس لون أرسخ في جوهره وأثبت في حسنه من سواد.” (الجاحظ: “فخر السودان على البيضان،” 1/206). وعلى خطى الجاحظ سار ابن الجوزي في كتابه (تنوير الغبش في فضل السودان والحبش)، فدل أيضا على أن الاستعلاء العرقي ليس من خصائص الثقافة العربية. وقد جمع ابن الجوزي في كتابه كل ما يجول بالخاطر من فضائل الزنج. فافتتح الكتاب بالحديث عن مكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي، وهجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة، ثم أطنب في الإشادة بعلماء الزنج، وشعرائهم، وأذكيائهم، وفطنائهم، وكرمائهم، وزهادهم، وعُبَّادهم، من الرجال والنساء، فخصص فصلا لكل هذه الأصناف.
ثالثا: أن الحرية هي الأصل، وليس سماسرة العبيد بالثقات، حتى نصدقهم في دعاواهم، بل هم أهل كذب واحتيال ومكر. يقول الناصري: “وَالْأَصْل فِي نوع الْإِنْسَان هُوَ الْحُرِّيَّة والخلو عَن مُوجب الاسترقاق، ومدعي خلاف الْحُرِّيَّة مُدَّع لخلاف الأَصْل. وَلَا ثِقَة بِخَبَر الجالبين لَهُم والبائعين لَهُم، لما تقرر وَعُلم فِي الباعة مُطلقًا من الْكَذِب عِنْد بيع سلعهم وإطرائها بِمَا لَيْسَ فِيهَا، وَفِي باعة الرَّقِيق خُصُوصا مِمَّا هُوَ أَكثر من ذَلِك، كَيفَ وَنحن نرى أَن الَّذين يجلبونهم أَو يتجرون فيهم إِنَّمَا هم من لَا خلاق لَهُم وَلَا مُرُوءَة وَلَا دين” (الاستقصا، 5/131-132).
رابعا: أن الفوضى والحروب الأهلية بين السلطنات الإفريقية المسلمة، والحروب الأهلية بين القبائل العربية والمتعربة في الصحراء –وهي مسلمة أيضا- هي السبب في موجة الاسترقاق غير الشرعي في المنطقة: “وَقد استفاض عَن أهل الْعدْل وَغَيرهم أَن أهل السودَان الْيَوْم وَقبل الْيَوْم يُغير بَعضهم على بعض، ويختطف بَعضهم أَبنَاء بعض، ويسرقونهم من الْأَمَاكِن النائية عَن مداشرهم وعمرانهم، وَإِن فعلهم ذَلِك كَفعل أَعْرَاب الْمغرب فِي إغارة بَعضهم على بعض واختطاف دوابهم ومواشيهم أَو سرقتها، وَالْكل مُسلمُونَ، وَإِنَّمَا الْحَامِل لَهُم على ذَلِك قلَّة الدّيانَة وَعدم الْوَازِع. فَكيف يسوغ للمحتاط لدينِهِ أَن يقدم على شِرَاء مَا هُوَ من هَذَا الْقَبِيل، وَكَيف يجوز لَهُ التَّسَرِّي بإناثهم وَفِي ذَلِك مَا فِيهِ من الْإِقْدَام على فرج مَشْكُوك؟… بل صَار الفسقة الْيَوْم وَأهل الجراءة على الله يختطفون أَوْلَاد الْأَحْرَار من قبائل الْمغرب وقراه وأمصاره، ويبيعونهم فِي الْأَسْوَاق جهارا من غير نَكِير وَلَا امتعاض للدّين، وَصَارَ النَّصَارَى وَالْيَهُود يشترونهم ويسترقونهم بمرأى منا ومسمع، وَذَلِكَ عُقُوبَة من الله لنا لَو اعْتبرنَا، فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على مَا دهينا بِهِ فِي ديننَا” (الاستقصا، 5/132-133).
خامسا: أن قياس الاسترقاق الذي حدث في ضمن حروب الجهاد في صدر الإسلام بالاسترقاق في منطقة غرب وشمال إفريقيا قياس فاسد، حيث “إِن سَبَب الاسترقاق الشَّرْعِيّ الَّذِي كَانَ على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالسَّلَف الصَّالح مَفْقُود الْيَوْم، وَهُوَ السَّبي النَّاشِئ عَن الْجِهَاد الْمَقْصُود بِهِ إعلاء كلمة الله تَعَالَى، وسوْق النَّاس إِلَى دينه الَّذِي اصطفاه لِعِبَادِهِ. هَذَا هُوَ ديننَا الَّذِي شَرعه لنا نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وخلافه خلاف الدّين، وَغَيره غير الْمَشْرُوع، والتوفيق إِنَّمَا هُوَ بيد الله. رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين” (الاستقصا، 5/134). وقد أحسن الناصري في هذا التمييز، فشتان ما بين سلطنات وقبائل مسلمة يقتِّل بعضها بعضا سعيا وراء مجد وهمي وزاد زهيد، وبين طلاب الشهادة الذين حملوا أرواحهم في أكفهم من أجل إخراج الناس من عبادة العبادة إلى عبادة رب العباد، تسوقهم همم كبيرة معلقة بالآخرة، على نحو ما صوره الشاعر محمد إقبال في ديوان (جناح جبريل) بقوله:
نيل الشهادة للمُوحِّد مَطمـــحٌ     وإذا تقحَّم فالجـــراح غبارُ
لا سبيَ غانيةٍ وسلبَ خزانةٍ     ومطامحُ الهِمم الكبارِ كبارُ
وأخيرا أشير إلى أن تونس دولة مسلمة مالكية، بل هي أحد مصادرنا في الفقه المالكي، حيث أخذنا منها متونا مهمة مثل رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وقد أدرك أهلها منذ قرن وثلثيْ القرن الخللَ الشرعي والتاريخي المحيط باسترقاق الشعوب السودانية في غرب وشمال إفريقيا. وأصدر الحاكم العثماني لتونس أحمد باشا بايْ قرارا بمنع المتاجرة بالعبيد في تونس، وهدَم سوق النخاسة في عاصمته عام 1841م، أيْ قبل أن تعلن موريتانيا رسميا تحرير الرقيق بمائة وأربعين عاما، بل وقبل فعل بعض الدول الأوربية ذلك. ثم أصدر أحمد باي مرسوما عام 1846 يلزم فيه الفقهاء والقضاة بالتعاون في تصفية الرق داخل مملكته، هذا نصه:
“إلى علماء مشايخ ومفتيي تونس يتضمّن إعلامهم بإلغاء الرق وعتق العبيد:
الحمد لله، حفظهم لله تعالى ورعاكم، ونور هداكم، الفضلاء الأعيان، الأخيار العلماء الكمل، هداة الأمة ومصابيح العلي، أحبابنا الشيخ سي محمد بيرم شيخ الإسلام، والشيخ سي إبراهيم الرياحي باش مفتي المالكية، والمفتيين الشيخ سي محمد بن الخوجة والشيخ سي محمد بن سلامة، والشيخ سي أحمد اللابي،  والشيخ سي محمد المحجوب، والشيخ سي حسين البارودي، والشيخ سي الشاذلي بن المؤدب، والشيخ سي علي الدرويش، والشيخ سي محمد الخضار، والقضاة: الشيخ سي محمود بن باكير، والشيخ سي محمد البنا، والشيخ سي محمد النيفر بباردو، والشيخ سي فرج التميمي بالمحلة، أكرمهم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإنّه ثبت عندنا ثبوتا لا ريب فيه أن غالب أهل إيالتنا في هذا العصر لا يحسن ملكية هولاء السودان الذين لا يقدرون علي شيء، علي ما في أصل صحة ملكهم من الكلام بين العلماء، إذ لم يثبت وجهه، وقد أشرق بنظرهم صبح الإيمان منذ أزمان، وأن من يملك أخاه علي المنهج الشرعي الذي أوصى به سيد المرسلين آخر عهده بالدّنيا وأول عهده بالآخرة، حتّى أن من شريعته التي أتى بها رحمة العالمين عتق العبد علي سيده بالإضرار، وتشوف الشارع إلى الحرية. فاقتضى نظرنا والحالة هذه رفقا بأولئك المساكين في دنياهم، وبمالكيهم في أخراهم، أن نمنع الناس من هذا المباح المختلف فيه والحالة هذه، خشية وقوعهم في المحرّم المحقق المجمع عليه، وصد إضرارهم بإخوانهم الذين جعلهم الله تحت أيديهم، وعندنا في ذلك مصلحة سياسية، منها عدم إلجائهم إلى حرم ولاة غير ملَّتهم. فعيَّنا عدولا بسيدي محرز، وسيدي منصور، والزاوية البكرية، يكتبون لكل من أتى مستجيرا حجة في حكمنا له بالعتق على سيده وترفع إلينا لنختمها. وأنتم حرسكم الله إذا أتى لأحدكم المملوك مستجيرا من سيده، واتصلت بكم نازلة في ملك علي عبد، وجهوا العبد إلينا، وحذار من أن يتمكن له مالكه، لأن حرمكم يأوي من التجأ إليه في فك رقبته من ملك ترجح عدم صحته، ولا نحكم به لمدعيه في هذا العصر، واجتناب المباح خشية الوقوع في المحرّم من الشريعة، لاسيما إذا انضم لذلك أمر اقتضته المصلحة فيلزم حمل الناس عليه. والله يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كريما، والسلام من الفقير إلى ربه تعالى عبد المشير أحمد باشا باي وفقه الله تعالى آمين. كتب في 23 جانفي 1846″.
ولم نجدْ في كتب التاريخ اعتراضا من علماء المالكية بتونس على مضمون رسالة أحمد باشا، مما يدل على اتفاقهم معه حول عدم شرعية الاسترقاق أصلا في هذه المنطقة. وقد امتدح الشاعر الفرنسي  بارتلمي Barthélemy (1796-1867) حاكم تونس بقصيدة مشهورة، ودعا ملوك أوربا إلى الاقتداء به في إعتاق الرقيق. ومن هذه القصيدة قوله:
Le Sultan de Tunis abolit l’esclavage.
Le pied du nègre est libre, en touchant le rivage !
Que Dieu Tout Puissant le couvre de son aile !
Que l’Europe à ses rois l’impose pour modèle
وخلاصة الأمر أن الرق في غرب وشمال إفريقيا –ومنه الرق في موريتانيا- ليس له أصل شرعي ولا تاريخي، بل هو ظلم وإدمان على الظلم دام قرونا طويلة، غذته الفوضى والحروب الأهلية، وسوغته التكيفات الفقهية مع الواقع. وقد آن الأوان لنتوب إلى الله تعالى منه، ومن آثاره المادية والمعنوية التي لا تزال تطحن بكلكلها إخوةً لنا، تجمعنا بهم أرحام متضافرةٌ من الدين والوطن والتاريخ.
وما أحسن أن نختم بالآية الكريمة التي ختم بها الناصري إدانته لاسترقاق المسلمين: “رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين” (سورة الأعراف، الآية 23). فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى توبة نصوح عامة، يراجع فيها مجتمع السادة ربه، ويتوب من الإدمان على ظلم إخوة له في الدين لقرون مديدة، ويستغفر لأسلاف أفضوا لما قدموا دون أن يبرر أو يكرر أخطاءهم وخطاياهم، وينيب مُحرِّق الكتب إلى ربه من تحريق الكتب الفقهية بازدراء، وهي كتب مهما تكن مآخذنا على ما فيها من آراء غريبة عن روح الإسلام، فهي تشتمل على أسماء الله تعالى وآياته، وعلى أحاديث نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.

اظهر المزيد

Sahara

صحراء ميديا هي أول مؤسسة إعلامية موريتانية متخصصة في المجال السمعي البصري والصحافة المكتوبة، وتمتلك المؤسسة تجربة كبيرة في هذا المجال عمرها عشر سنوات، في منطقة غرب إفريقيا والمغرب العربي.

مقالات ذات صلة